En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

توازنات القوة وفرص التسوية:الحرب الروسية الأوكرانية وإعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

تُعد الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أكثر أزمات النظام الدولي تعقيدا وتأثيرًا في توازنات القوى ومستقبل النظام الأمني الأوروبي ومكانة الولايات المتحدة والعلاقة بين روسيا والغرب، ومنذ أن بدأت موسكو ما وصفته بـ«العملية العسكرية الخاصة» في فجر 24 فبراير 2022، كانت التقديرات تشير إلى أن الحرب ستكون سريعة وخاطفة وتنتهي خلال فترة قصيرة، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، إذ تحولت المواجهة إلى حرب ممتدة دخلت عامها الخامس، وأصبحت معها الأسئلة تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى طبيعة النظام الأمني والسياسي الذي سيخرج من رحم هذه الأزمة، ومن سيدفع ثمن التسوية، ومن سيحصل على الضمانات، وهل تستطيع الولايات المتحدة فرض تسوية على موسكو وكييف، أم أن أقصى ما يمكنها فعله هو إدارة التفاوض وتقريب المسافات وسد الفجوات بين الطرفين؟

ومن خلال رسالتي التي أعددتها لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والتي حملت عنوان «السياسة الخارجية الروسية تجاه أوكرانيا وأثرها على العلاقات الروسية الأوروبية»، يتضح أن الأزمة شديدة التعقيد، وأن أي قراءة أحادية الجانب لا يمكن أن تقدم تفسيرًا حقيقيًا وواقعيًا لطبيعتها، فهي نتاج إرث تاريخي ممتد، وصراع جيوسياسي روسي ـ غربي، وصراع سيادي أوكراني، وحسابات أمن قومي روسية، ومصالح أمريكية وأوروبية، فضلًا عن إعادة تشكيل واسعة للنظام الدولي.

ولذلك فإن فهم الحرب يتطلب النظر إلى السياسة الدولية باعتبارها تفاعلًا بين مصالح الدول ومخاوفها الأمنية وموازين القوة وقدرتها على حماية مصالحها الحيوية، إلى جانب المحددات التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والجيوستراتيجية التي أسهمت في اندلاعها، وهو ما يفرض العودة إلى جذور الأزمة وليس فقط إلى بداية العمليات العسكرية في فبراير 2022.

وتنظر روسيا إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي باعتبارها مرحلة شهدت انتقال البنية الأمنية الأوروبية تدريجيًا باتجاه الشرق، مع توسع حلف الناتو وانضمام دول كانت سابقًا ضمن المجال السوفيتي، وترى القيادة الروسية أن هذا التوسع أدى إلى تغيير البيئة الأمنية المحيطة بها، وأن وصول البنية العسكرية والأمنية الغربية إلى حدودها يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا أن موسكو تعتبر عضوية أوكرانيا في حلف الناتو خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، وترفض وجود بنية عسكرية غربية متقدمة على حدودها المباشرة. ومن هذا المنظور، لا تستطيع روسيا فصل أمنها القومي عن البيئة الأمنية المحيطة بها، وتقول موسكو إن العملية العسكرية جاءت لحماية أمنها القومي، ومنع تحول أوكرانيا إلى قاعدة استراتيجية للغرب، والحيلولة دون استمرار تمدد الناتو شرقًا، إلى جانب المطالبة بحياد أوكرانيا، ونزع قدراتها العسكرية التي تعتبرها موسكو تهديدًا، وحماية السكان من أصول روسية في المناطق الشرقية، والسيطرة على الأراضي التي تعتبرها جزءًا من مصالحها الأمنية والاستراتيجية، كما تستند موسكو في سرديتها إلى عدم تنفيذ اتفاقات مينسك، ولا سيما مينسك 1 ومينسك 2، اللذين جرى التوصل إليهما بهدف تسوية الأزمة في شرق أوكرانيا.

لكن اختزال الموقف الروسي في الرغبة بالسيطرة على الأراضي الأوكرانية يمثل خطأ أساسيًا في تحليل طبيعة الحرب، فالأراضي مهمة بالتأكيد، لكنها ليست كل القصة، فهناك أربعة مستويات رئيسية للمصلحة الروسية:

أولها المستوى الأمني، حيث تريد موسكو ضمان ألا تتحول أوكرانيا إلى منصة عسكرية غربية متقدمة على حدودها، وثانيها المستوى الجيوسياسي، حيث تسعى روسيا إلى الحفاظ على مكانتها كقوة كبرى قادرة على التأثير في محيطها الأوروبي وفي النظام الدولي بصورة أوسع، وثالثها المستوى الإقليمي، إذ ترى موسكو أن خسارة نفوذها في أوكرانيا تعني تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في ميزان القوى في أوروبا الشرقية، ورابعها المستوى الداخلي والسياسي، حيث إن التراجع دون الحصول على نتائج يمكن تقديمها للرأي العام الروسي باعتبارها مكاسب استراتيجية سيضع القيادة الروسية أمام تكلفة سياسية كبيرة. ومن هنا تبدو أي تسوية تطلب من موسكو الانسحاب الكامل دون مقابل أمني وسياسي كبير شديدة الصعوبة.

وفي المقابل، ترى أوكرانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية أن روسيا استخدمت القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة، وأن جوهر الأزمة يتمثل في محاولة موسكو فرض إرادتها على خيارات كييف الخارجية والأمنية والإقليمية. ولطالما أكد حلف الناتو دعمه لحق أوكرانيا في اختيار ترتيباتها الأمنية، كما يتمسك بسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها ضمن حدودها المعترف بها دوليًا. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الحرب؛ فروسيا تتحدث عن أمنها القومي، بينما تتحدث أوكرانيا عن سيادتها الوطنية، وبين الأمن القومي الروسي والسيادة الأوكرانية امتدت الحرب التي كان من المفترض أن تنتهي سريعًا، لتدخل عامها الخامس دون تسوية حقيقية.

ومن أجل تقديم قراءة أكثر موضوعية، يجب تناول موقف حلف الناتو، الذي يؤكد أنه تحالف دفاعي ولا يسعى إلى مواجهة روسيا، وأن تعزيز قدراته جاء نتيجة التهديدات الأمنية الجديدة التي فرضتها الحرب. وفي المقابل، ترى موسكو أن السياسات الأمنية الغربية والتوسع العسكري للناتو والمناورات العسكرية في شرق أوروبا سبقت الحرب وأسهمت في تشكيل البيئة الأمنية التي قادت إلى التصعيد. وبينما يعتبر الحلف الحرب الروسية على أوكرانيا أخطر تهديد للأمن الأوروبي الأطلسي منذ عقود، تنظر موسكو إلى الأمر من زاوية مختلفة، إذ ترى أن النتيجة الاستراتيجية للحرب هي أن أوكرانيا أصبحت أكثر ارتباطًا بالمؤسسات الغربية، وأن الدعم العسكري الغربي لكييف تحول إلى عامل دائم في المعادلة الأمنية.

وهنا تبرز مفارقة مهمة؛ فروسيا أرادت من خلال الحرب منع اقتراب البنية الأمنية الغربية من حدودها، بينما أدت الحرب عمليًا إلى زيادة تماسك الناتو وتعزيز القدرات العسكرية الأوروبية، بما جعل البيئة الأمنية الأوروبية أكثر تشددًا تجاه روسيا. وبالتالي فإن موسكو لا تفاوض أوكرانيا وحدها، وإنما تتعامل بصورة غير مباشرة مع منظومة أمنية غربية أوسع.

أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فإن رفضها التنازل عن الأراضي لا يرتبط فقط بخلاف حدودي، وإنما تعتبره القيادة الأوكرانية قضية وجود الدولة نفسها. فمن منظور كييف، فإن قبول التنازل عن الأراضي بالقوة قد يعني تكريس مبدأ أن تغيير الحدود بالقوة يمكن أن يصبح أمرًا مقبولًا في العلاقات الدولية، وهناك كذلك عامل سياسي داخلي شديد الأهمية، إذ إن أي قيادة أوكرانية تقبل رسميًا بالتنازل عن مساحات كبيرة من الأراضي ستواجه أزمة سياسية وشعبية شديدة، ولذلك تريد كييف الدخول إلى أي مفاوضات وهي في وضع عسكري وسياسي يسمح لها بتحقيق أفضل شروط ممكنة، ومن هنا يمكن فهم أحد أهم مبادئ التفاوض في هذه الحرب، وهو أن كل طرف يريد تحسين موقعه العسكري قبل تقديم تنازلات سياسية، ولذلك فإن استمرار المعارك لا يعني بالضرورة رفض السلام من حيث المبدأ، وإنما يعني أن كل طرف يعتقد أن الزمن قد يحسن شروطه التفاوضية.

ومن أخطر تطورات الحرب في المرحلة الراهنة اتساع نطاق الضربات المتبادلة، حيث أصبحت أوكرانيا أكثر قدرة على ضرب أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية بعد حصولها على صواريخ بعيدة المدى من الحلفاء الغربيين، بينما تواصل روسيا هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، وقد شهد سبتمبر 2026 تطورًا لافتًا مع إعلان أوكرانيا تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة والغاز الروسي، بالتزامن مع تكثيف روسيا هجماتها الجوية على الأراضي الأوكرانية.

ويكتسب هذا التطور أهمية استراتيجية، لأن انتقال الحرب إلى العمق الروسي يعني أن كييف لم تعد تريد فقط الدفاع عن خطوطها الأمامية، وإنما تسعى إلى رفع تكلفة الحرب على موسكو، إلا أن توسيع نطاق الضربات يحمل في المقابل خطرًا متزايدًا، فكلما اتسعت الجغرافيا المستهدفة زادت احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود، وهو ما يجعل مهمة الولايات المتحدة أكثر صعوبة.

وتُعد الولايات المتحدة الطرف الذي يمتلك، بدرجة كبيرة، أدوات ضغط على روسيا وأوكرانيا في الوقت نفسه، إذ تستطيع واشنطن الضغط على موسكو اقتصاديًا وسياسيًا، كما تملك التأثير في مستوى الدعم العسكري لكييف من خلال توفير أو حجب منظومات الدفاع الجوي والأسلحة المتقدمة، فضلًا عن قدرتها على تقديم ضمانات أمنية وفتح قنوات اتصال مباشرة مع موسكو ورعاية اتفاق سياسي شامل.

لكن امتلاك أدوات التأثير لا يعني امتلاك القدرة على فرض السلام، وهنا يجب التمييز بين الوساطة وفرض التسوية؛ فالولايات المتحدة تستطيع دفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات، لكنها لا تستطيع بسهولة إجبار روسيا على التخلي عن كل مطالبها، كما لا تستطيع إجبار أوكرانيا على قبول التنازل عن أراضيها. ولذلك فإن القوة الأمريكية الحقيقية لا تكمن في قدرتها على كتابة الاتفاق، وإنما في قدرتها على تغيير حسابات التكلفة والعائد لدى الطرفين.

وتشير المعطيات الواردة في المقال إلى وجود محاولة أمريكية لإحياء المسار التفاوضي، ففي سبتمبر 2026 أجرى المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اتصالات مع موسكو وكييف، وطُرحت أفكار جديدة بهدف إعادة تحريك المفاوضات، كما تحدثت كييف عن وجود أفكار وصفتها بأنها إيجابية، مع استمرار الخلافات الجوهرية دون حل، وظهرت كذلك أفكار تتعلق بإجراءات لخفض التصعيد خلال الشتاء، وبحث ملفات الطاقة والحبوب وتبادل الأسرى، في محاولة لبناء اتفاقات جزئية يمكن أن تمهد لاتفاق أكبر، إلا أن الاتصالات الأخيرة لم تحقق اختراقًا حاسمًا. وهذه نقطة مهمة، لأن وجود مفاوضات لا يعني بالضرورة وجود تسوية قريبة؛ فأحيانًا تبدأ المفاوضات عندما تصل الأطراف إلى مرحلة يصبح فيها استمرار الحرب مكلفًا، لكنها تحتاج إلى وقت طويل حتى تتفق على توزيع المكاسب والخسائر.

وتظل عقدة الأراضي هي مفتاح التسوية، إذ تريد روسيا الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها وتعتبرها جزءًا من مصالحها الاستراتيجية، بينما ترفض أوكرانيا الاعتراف بالتنازل عن أراضيها. وتشير المعطيات الحالية إلى أن الخلاف حول أراضي إقليم دونباس، ولا سيما لوغانسك ودونيتسك، وبقية المناطق التي ضمتها روسيا والمتنازع عليها، لا يزال يمثل العقبة الرئيسية أمام التسوية. فروسيا تقول إنه لا يمكن أن تنتهي الحرب من دون معالجة مسألة الأراضي والأمن، بينما تقول أوكرانيا إنه لا يمكن أن يكون السلام قائمًا على الاعتراف بضم الأراضي بالقوة، وتحاول الولايات المتحدة البحث عن منطقة وسط بين الموقفين.

ومن أجل البحث عن تسوية، طُرحت صيغة تقوم على وقف إطلاق النار وتجميد خطوط السيطرة، مع عدم الاعتراف القانوني الفوري بالوضع النهائي للأراضي، وبدء مفاوضات طويلة الأمد حول الوضع النهائي للمناطق المتنازع عليها، بالتوازي مع الحديث عن ضمانات أمنية لأوكرانيا وترتيبات أمنية لروسيا. وإذا نجحت هذه الصيغة فقد تكون أقرب إلى هدنة استراتيجية طويلة الأمد منها إلى معاهدة سلام نهائية، أو ما يمكن تسميته تجميدًا للصراع. وهنا يجب التفريق بين وقف الحرب وتسوية الصراع؛ فحتى لو تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ أوكرانيا تريد ضمانات تمنع تكرار الحرب، وروسيا تريد ضمانات تمنع تحول أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية، وأوروبا تريد ألا تجد نفسها أمام حرب جديدة بعد عدة سنوات، بينما تريد الولايات المتحدة اتفاقًا يمكن الدفاع عنه سياسيًا واستراتيجيًا.

وبذلك نحن أمام معادلة رباعية تجمع أمن روسيا وأمن أوكرانيا وأمن أوروبا ومصالح الولايات المتحدة، ومن الصعب جدًا تحقيق هذه الأهداف الأربعة بصورة كاملة. فإذا حصلت روسيا على حياد أوكراني حقيقي، وضمانات بعدم نشر قوات أطلسية قتالية على الأراضي الأوكرانية، وترتيبات أمنية طويلة الأجل، فقد تصبح أكثر استعدادًا لقبول وقف إطلاق النار، لكن المشكلة أن أوكرانيا لا تريد أن يتحول الحياد إلى حالة تجعلها دولة ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، ولهذا قد تظهر صيغة وسط تقوم على ألا تنضم أوكرانيا إلى الناتو، لكنها تحصل في المقابل على ضمانات أمنية غربية قوية، وتحتفظ بجيش وطني قوي، مع قيود متفق عليها على بعض أشكال الانتشار العسكري الأجنبي، وهي إحدى أكثر الصيغ واقعية إذا أرادت الأطراف الوصول إلى تسوية.

وتواجه الولايات المتحدة في الوقت نفسه ثلاثة قيود رئيسية تجعل فرض الحل أمرًا بالغ الصعوبة. أول هذه القيود أن روسيا ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسهولة، فهي قوة نووية كبرى وتمتلك موارد اقتصادية وعسكرية وبشرية كبيرة، كما أن القيادة الروسية تعتبر الصراع مسألة أمن قومي، وثانيها أن أوكرانيا ليست مجرد ورقة أمريكية، إذ تمتلك كييف حساباتها ومصالحها وتضحياتها، وبالتالي لن تقبل بالضرورة أي اتفاق تراه ضد مصالحها الوطنية. أما القيد الثالث فيتمثل في أن أوروبا أصبحت طرفًا أساسيًا، فقد أعادت الحرب تعريف الأمن الأوروبي، وأصبح للدول الأوروبية مصالح مباشرة في مخرجاتها، ولذلك فإن أي اتفاق أمريكي ـ روسي لا يأخذ أوروبا وأوكرانيا في الاعتبار سيكون صعب التطبيق.

ومن منظور واقعي، تريد الولايات المتحدة تحقيق عدة أهداف متزامنة، تتمثل في منع انتصار روسي كامل، ومنع حرب مباشرة بين روسيا والناتو، والحفاظ على استقلال الدولة الأوكرانية، ومنع توسع الحرب إلى دول أخرى، والوصول إلى تسوية تخفض التكلفة الأمريكية والأوروبية، وإعادة بناء قدر من الاستقرار في أوروبا، ومنع روسيا من فرض نظام أمني كامل على أوروبا بالقوة، وفي الوقت نفسه تجنب حرب استنزاف مفتوحة بلا نهاية. وهنا تظهر أهمية السياسة الأمريكية التي تجمع بين الدعم والضغط والتفاوض.

أما روسيا، فهي أيضًا أمام معضلة تحقيق نصر كامل، فعلى الرغم من قوتها، أصبح تحقيق أهداف الحرب كلها بالقوة العسكرية أكثر صعوبة. فأوكرانيا لا تزال قادرة على القتال، وتمتلك دعمًا غربيًا واسعًا، كما طورت قدراتها في الحرب بالطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى، وفي الوقت نفسه لا تبدو روسيا مستعدة للانسحاب دون مكاسب سياسية وأمنية واضحة. وبالتالي وصلت الحرب إلى ما يمكن وصفه بـ«التوازن غير المستقر»؛ فلا روسيا قادرة بسهولة على تحقيق كل أهدافها، ولا أوكرانيا قادرة بسهولة على استعادة كل الأراضي بالقوة، ولا الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الحرب بقرار منفرد، ولا أوروبا تستطيع تحمل حرب بلا نهاية، وهذا تحديدًا ما يجعل التفاوض حتميًا في نهاية المطاف.

ومع احتمال فشل المسار التفاوضي، قد تستمر الحرب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استمرارها بنفس الكثافة الحالية. فهذه الحرب لن تنتهي في الميدان الأوكراني وحده، لأنها في جوهرها معركة على شكل أوروبا في القرن الحادي والعشرين، وعلى طبيعة النظام الأمني الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. روسيا تريد بيئة أمنية لا تشعر فيها بأنها محاصرة، وأوكرانيا تريد دولة مستقلة لا تستطيع قوة كبرى أن تفرض عليها خياراتها، والناتو يريد الحفاظ على منظومة أمنية أوروبية متماسكة، بينما تريد الولايات المتحدة منع تغيير قواعد النظام الدولي بالقوة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد حربًا مفتوحة بين القوى النووية.

ومن هنا فإن مفتاح الحل ليس في أن ينتصر طرف بصورة كاملة، وإنما في أن تصل الأطراف إلى النقطة التي يصبح عندها السلام أقل تكلفة من استمرار الحرب. والولايات المتحدة تملك القدرة الأكبر على دفع الأطراف إلى هذه النقطة، لكنها لا تملك وحدها القدرة على صناعة السلام؛ فواشنطن تستطيع فتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تعبره وحدها. وفي المقابل، يجب على روسيا أن تدرك أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية في أوروبا لن تستقر من دون معالجة مخاوف الدول الأوروبية وأوكرانيا.

وفي النهاية، يمكن تلخيص الرؤية الواقعية للأزمة في معادلة واحدة: لا سلام دائمًا من دون ضمانات أمنية، ولا ضمانات أمنية من دون تسوية سياسية، ولا تسوية سياسية من دون تنازلات متبادلة، ولا تنازلات متبادلة من دون دور أمريكي قادر على إدارة توازنات القوة. ولذلك فإن السؤال لم يعد: «من سينتصر في الحرب الروسية الأوكرانية؟»، وإنما أصبح: «من يستطيع تحويل نتائج الحرب إلى تسوية سياسية قابلة للحياة؟» وهنا تحديدًا تكمن أهمية الدور الأمريكي؛ فإذا نجحت واشنطن في الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية،

فقد تبدأ واحدة من أهم عمليات إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة، أما إذا فشلت الدبلوماسية الأمريكية في معالجة عقدة الأرض والضمانات الأمنية ومخاوف روسيا ومطالب أوكرانيا، فإن الحرب قد تدخل مرحلة أطول من الاستنزاف، وربما تمتد لسنوات أخرى، حتى لو تغيرت شدتها وشكلها. فالحرب قد تنتهي قبل أن يُحل الصراع، وقد يتوقف إطلاق النار قبل أن يولد السلام.

د.إسماعيل تركي

د.إسماعيل تركي

نائب رئيس المركز، من الباحثين المهتمين بمجال العلوم السياسية والدراسات البحثية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وتتركز اهتماماته في البحث والتحليل السياسي

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.