En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

 مكافحة الارهاب في العراق:دروس التجربة و تحديات الاستدامة

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

دون أدنى شك أن وسائل تحقيق الأمن متعددة، كذلك أن طبيعة الأمن مختلفة أيضًا، فهناك أمن وقتي طارئ، وهناك أمن مستدام دائم، كلاهما مهم، لكن الأول يجب أن يكون ضمن الخطة الآنية لأي مؤسسة أمنية، لكن يجب أن لا يكون هذا الطموح، بل يفترض أن يكون طموح المؤسسات الأمنية والقائمين عليها تحقيق النوع الثاني من الأمن، ألا وهو الأمن المستدام.

فمن خلاله يمكن أن يتحقق الاستقرار بجميع مستوياته، وبالتالي سوف يساهم مساهمة جادة في اقتلاع جذور الإرهاب وتقييد حركته في المجتمع، ففي ظل الأمن المؤقت الإرهاب يستغل كل ثغرة ويستغل كل المساحات المعارضة للسلطة الحاكمة، في حين الأمن المستدام سيعمل ليس على مقاتلة الإرهاب فحسب، بل مكافحته، علاقة الإرهاب في ظل الأمن المؤقت والأمن المستدام مع الإرهاب، بمثابة علاقة بين العلاج الفعال للمرض والمسكنات الوقتية للمرض، فالأول يحقق شفاءً مستدامًا والثانية تحقق هدوءًا وقتيًا.

لا يمكن نفي الجهود الكبيرة لمكافحة الإرهاب في العراق من أجل تحقيق الأمن والسلم على المستوى المحلي، ولما له من دلالات على مستوى الأمن الإقليمي والدولي، حيث استطاع العراق في مدة قصيرة بالقياس إلى التوقعات أن يقاتل التنظيمات الإرهابية بكل قوة ويحرر الأراضي التي احتلتها بمدة ثلاث سنوات تقريبًا، وهذا يعد إنجازًا يُحسب للعراق حكومةً وشعبًا، وكذلك يمكن أن تكون تجربة فريدة ممكن أن تُشخّص وتُدرس.

لكن ما يلاحظ على الأمن المتحقق بعد الانتصارات العسكرية هو أمن وقتي زمني غير مستدام، والاستدامة التي نقصدها ونطمح لها هي استقرار الأمن بشكل فعلي، والأخير سيكون مرتكزًا مهمًا من مرتكزات مكافحة الإرهاب، فالإرهاب والجماعات الإرهابية تعمل وتنتعش في ظل الأمن الوقتي، على خلاف الأمن المستدام، فيصبح الإرهاب مقيدًا ومشخّصًا، وقد ينتهي ويزول إذا ما تم ترسيخ الأمن المستدام في جميع محافظات العراق، لذلك هناك فرق كبير بين مقاتلة الإرهاب والانتصار عليه ومكافحته.

أهم عامل من عوامل النجاح في مقاتلة الإرهاب في العراق إدراك جميع العراقيين لخطر هذه التنظيمات على واقع ومستقبل العراق، وكشف جميع المخططات لتلك التنظيمات، فضلًا عن كشف تزييف التوظيف الديني الخاطئ لمن مارس الإرهاب، فضلًا عن جهود القوات العراقية الأمنية بكل صنوفها التي قدمت جهودًا كبيرة في مقاتلة الإرهاب، وقد نجحت في مقاتلة الإرهاب في أكثر من جانب، حيث تقاتل الإرهاب منذ عام 2003 لغاية الآن على أطول جبهة في العالم، كون العراق أصبح مرتكزًا مهمًا للتنظيمات الإرهابية، لكن الغاية والهدف الذي يفترض أن يكون ليس المقاتلة فحسب، بل نحتاج إلى المكافحة، حيث أهم مسألة لابد من التركيز عليها أن هناك فرقًا كبيرًا بين مقاتلة الإرهاب ومكافحة الإرهاب، ولكل منهما شروط وطرق في المجابهة، فتحديد الهدف ضروري لمعرفة الإجراءات المطلوبة.

مما سبق تحدثنا عن دروس التجربة بشكل موجز جدًا، لأنه يفترض الانتقال إلى تحديات الاستدامة، لأن الأخيرة هي الغاية والهدف، ويمكن أن نحدد أهم مؤشرات الاستدامة ومكافحة الإرهاب في العراق بشكل تام.

  • الوحدة الوطنية مرتكزًا لاستدامة مكافحة الإرهاب

أهم عنصر يساهم في ضعف التنظيمات الإرهابية هو تحقيق الوحدة الوطنية، حيث جميع الأبحاث والدراسات تشير بوضوح إلى أن وجود التنظيمات مقترن بوجود الخلافات، فالصراعات والاختلافات بيئة خصبة لنشوء هذه التنظيمات، لذلك تحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة المجتمعية ضربة قاسية بوجه الإرهاب.

السؤال هنا كيف نحقق الوحدة الوطنية؟ عند النظر إلى مفهوم الوحدة الوطنية بغض النظر عن عناصره، نجده يعني عملية توحيد صفوف أفراد مجتمع معين تحت إطار دولة واحدة وبناء سياسي قائم على أساس التعايش السلمي، وعلى أساس خلق الحوارات والتفاهمات المشتركة التي تنتج أواصر التجمع والوحدة، وبالتالي إمكانية خلق مجتمع متماسك (سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا).

هذا النسيج الاجتماعي المتعدد والظروف الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مر بها العراق، خاصة ما بعد 2003، يدفعنا إلى القول بأن العراق بحاجة ضرورية وملحة إلى الوحدة الوطنية والتعايش السلمي أكثر من غيره من المجتمعات، إذا ما أُريد الحفاظ على الوطن والمواطن، ومكمن الخطر الحقيقي في أن تبقى هذه الضرورات مجرد شعارات تُرفع في وقت الانتخابات أو في وقت الاضطرابات الأمنية وسرعان ما تُنسى، فالوحدة الوطنية مرتكز مهم تساهم في إيجاد الأمن المستدام ويساهم في مكافحة الإرهاب.

  • الاعتدال السياسي مرتكزًا لاستدامة مكافحة الإرهاب

إن لغياب الاعتدال السياسي الأثر الواضح على مجمل العملية السياسية في أي بلد، لا سيما تلك البلدان المتصفة بالاختلاف والتعدد الديني والقومي والمذهبي، كون حضوره يساهم إلى حد كبير في الحد من الاختلافات وتقريب وجهات النظر المختلفة من جهة، وإعطاء حلول وسطية تحاول أن تقترب إليها الأطراف المختلفة من جهة أخرى، وصفة الاعتدال ليست مختصة بطبقة معينة من الناس دون سواهم، بل هو موجود في كل طبقات المجتمع الإنساني، ويظهر على صور مختلفة وأشكال متباينة.

ولا نقصد بالاعتدال هنا الحياد عن الحق ومجافاته لغرض إرضاء الطرف المخالف، وإنما المقصود بالاعتدال هو التزام الرأي الوسط بين جميع المتضادات والمتقابلات، والابتعاد عن الخيارات الحدية غير القابلة للتفاوض أو الخيار الذي يغلب مصلحة طرف على حساب الطرف الآخر، أو بمعنى آخر نقصد بالاعتدال اختيار أسهل وأيسر الحلول من بين البدائل المتاحة، مع الأخذ بنظر الاعتبار التوجهات والاختلافات القائمة إزاء قضية معينة، وعدم اتخاذ خطوات أحادية الجانب قد تُفسر بأنها محاولة لإقصاء طرف على حساب الطرف الآخر.

  • الحوار الفكري البناء مرتكزًا لاستدامة مكافحة الإرهاب

لا يمكن نفي شدة الخلافات والصراعات بين الشركاء السياسيين وتداعيات تلك الخلافات على مجمل العملية السياسية وكذلك الأمنية، ولا يمكن حل تلك الخلافات إلا من خلال الحوار، ليس الحوار القائم على أساس المجاملة، وليس الحوار القائم على أساس الجدال التخاصمي، بل الحوار التكاملي، والذي هدفه ليس تسقّط الآخر بل استيعابه.

والحوار الفكري البناء الذي نحاول أن نعتمده مرتكزًا لبناء الأمن المستدام «هو تبادل الآراء والأفكار بأسلوب سلمي وهادئ، ويتطلب الحوار الفكري البناء سعة الأفق والتسامح والوعي بأن الإنسان من شأنه أن يخطئ وليس معصومًا من الخطأ، وبالتالي هناك نسبية في أفكاره وقراراته، والغاية الأساسية من الحوار ليس فقط تقريب وجهات النظر فحسب، بل الرغبة في الوصول إلى نتائج علمية موضوعية».

الخاتمة

مما سبق يتضح أن مسؤولية مكافحة الإرهاب لا تقع على الأجهزة الأمنية فحسب، بل تقع على صاحب السلطة السياسية، فمفاتيح الأمن المستدام بيده وحده، فمهما كانت التجهيزات العسكرية متطورة ومهما تم تفعيل الجهد الاستخباري، تبقى بحاجة إلى إجراءات أخرى ليست لها علاقة بالمؤسسات الأمنية، بل على عاتق المؤسسات السياسية والتشريعية، لذلك نجد أن الأمن المستدام يحتاج إلى إجراءات متعددة لابد منها، والاعتماد على الجهود العسكرية والأمنية والاستخبارية فقط دون الجهود السياسية سوف يحقق الأمن، لكن ليس أمنًا مستدامًا، فلا بد أن تكتمل الإجراءات الأمنية مع الإجراءات السياسية لكي يتم القضاء على الإرهاب تمهيدًا لمكافحته، ويمكن ذكر أهم الاستنتاجات والتي تؤكد على دور وسائل السلطة السياسية في مكافحة الإرهاب كما يلي:

  • العمل على تحقيق التوافق السياسي بين الفرقاء السياسيين، والعمل على توحيد الجهود، وهذا ليس مستحيلًا طالما توجد الرغبة الحقيقية والجادة بين جميع الأطراف، والعمل على خلق برنامج موحد تتفق عليه أغلب الكتل السياسية، ولذلك فجميع الكتل السياسية مطالبة بضرورة تفعيل الحوار الفكري البناء لغرض رص الصفوف، لأن الوحدة تساهم في التضييق على الإرهاب وتقليص مساحاته.
  • العمل على استقلالية المؤسسات الأمنية، من خلال إبعاد الأحزاب والتنظيمات الحزبية عن السيطرة على بعض مفاصلها، والعمل على استقلال المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهذا ليس رغبة بقدر ما هو تنفيذ بنود الدستور العراقي النافذ التي أكدت على ذلك.
  • دراسة أسباب فشل جميع مؤتمرات المصالحة وطرح مشروع للمصالحة الوطنية حقيقي وليس بروتوكوليًا، يقوم على أساس ثوابت مهمة (الدستور والقانون)، وطرح جميع المسائل الخلافية على الدستور والقانون لغرض حلها بطريقة توافقية تحت سقف القانون والدستور.
  • العلاقة بين المؤسسة الأمنية والسلطة السياسية علاقة طردية، لا يمكن تحقيق إحداهما دون الأخرى، فكلما تحسن أداء المؤسسات السياسية، سهلت المهمة على المؤسسات الأمنية والعسكرية.
د.طارق الزبيدي

د.طارق الزبيدي

أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم السياسية بجامعة بغداد،شغل منصب رئيس اللجنة العلمية في قسم الفكر السياسي، ورئيس لجنة الترقيات العلمية المركزية في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، كما أشرف وناقش عددًا من الرسائل والأطاريح وبحوث الترقية العلمية في معهد الخدمة الخارجية وكلية الدفاع الوطني وكلية الحرب.

مقالات أخرى للكاتب د.طارق الزبيدي

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.