En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية:محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

تحول التقارب بين الصين وروسيا خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مكونات إعادة تشكيل النظام الدولي، وتكتسب هذه العلاقة أهمية مضاعفة في عام 2026، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكي–الصيني، وإعادة ترتيب أسواق الطاقة، واتساع أدوار القوى غير الغربية، وتزايد النقاش حول مستقبل النظام الدولي وتوازناتهK وتبرز دلالة التطور الحالي في أن عام 2026 يمثل الذكرى الثلاثين لإقامة الشراكة الاستراتيجية للتنسيق بين البلدين، والذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار والتعاون الودي الموقعة عام 2001.

وخلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين في مايو 2026، أكد الرئيسان شي جين بينغ وبوتين توسيع التنسيق الاستراتيجي، كما تم توقيع عدد من وثائق التعاون في مجالات التجارة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا وغيرها، بالتوازي مع إصدار بيان مشترك حول التعددية القطبية ونمط جديد من العلاقات الدولي، والأهم أن طبيعة هذا التقارب لا تقوم على إنشاء تحالف عسكري رسمي بالمعنى التقليدي، وإنما على تطابق متزايد في المصالح الاستراتيجية مع احتفاظ كل طرف بهامش واسع من الاستقلالية في صنع القرار. وهذه النقطة تحديداً تفسر قدرة العلاقة على الاستمرار؛ فالصين وروسيا لا تحتاجان إلى الاتفاق على كل الملفات، وإنما إلى وجود مساحة واسعة من المصالح المشتركة تكفي لإدارة الاختلافات.

الشراكة الاستراتيجية

تطور التعاون الصيني–الروسي تدريجياً منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أن السنوات الأخيرة دفعته إلى مستوى أكثر عمقاً. وتصف الصين العلاقة بأنها «شراكة استراتيجية شاملة للتنسيق»، بينما أصبحت موسكو تعتبر الصين شريكها الاقتصادي والسياسي الأهم في مرحلة إعادة توجيه علاقاتها الخارجية نحو آسيا، وتكشف التطورات الأخيرة أن العلاقة أصبحت شبكة متعددة المستويات من المصالح المتبادلة تشمل التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والدفاع والفضاء والنقل، إضافة إلى التنسيق داخل الأمم المتحدة وبريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

ومن أهم مؤشرات هذا التحول حجم التجارة الثنائية. فقد تجاوزت التجارة الصينية–الروسية حاجز 200 مليار دولار لثلاث سنوات متتالية. ووفق البيانات الصينية، بلغ حجم التجارة الثنائية في 2025 نحو 227.9 مليار دولار، مع احتفاظ الصين بموقعها كأكبر شريك تجاري لروسيا للعام السادس عشر على التوالي.

وتكشف الأرقام أيضاً عن مسار تصاعدي واضح خلال السنوات السابقة؛ فقد وصلت التجارة الثنائية إلى مستوى قياسي يقارب 245 مليار دولار في 2024، قبل أن تتراجع في 2025 إلى نحو 228.1 مليار دولار وفق بيانات الجمارك الصينية بالدولار، أي انخفاض يقارب 6.9% على أساس سنوي. وكان هذا أول تراجع سنوي للتجارة بين البلدين خلال خمس سنوات، ويرتبط جزء منه بانخفاض أسعار النفط وتراجع قيمة واردات الصين من الخام الروسي، إلى جانب انخفاض الطلب الروسي على بعض المنتجات الصينية.

التكامل الاقتصادي

لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة تراجعاً استراتيجياً في العلاقة؛ فالمستوى الذي حافظت عليه التجارة يظل أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، كما أن التركيبة التجارية نفسها تتطور. وفي الربع الأول من 2026 بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 61.2 مليار دولار، بزيادة 14.7% على أساس سنوي، بينما ارتفعت التجارة خلال الفترة من يناير إلى أبريل إلى 85.2 مليار دولار، بزيادة 19.7% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وهنا تظهر نقطة مهمة: ارتفاع التجارة هو آلية لتثبيت العلاقة السياسية. فكلما زادت المصالح الاقتصادية المتبادلة، ارتفعت تكلفة القطيعة على الطرفين، وأصبحت الشراكة أكثر ارتباطاً بالبنية الاقتصادية للدولتين وليس فقط بإرادة القيادتين. كما أن بنية التجارة نفسها تعكس نوعاً من التكامل الاقتصادي؛ فالصين تصدر إلى روسيا الآلات والمعدات والسيارات والمنتجات الإلكترونية والسلع الصناعية، بينما تحصل من روسيا على الطاقة والمواد الخام والمعادن والمنتجات الزراعية. ولذلك تعمقت العلاقة لتصبح مرتبطة بسلاسل إمداد وقطاعات إنتاجية متعددة.

لكن حجم التجارة نفسه يكشف في الوقت ذاته عن أحد أهم التحولات داخل العلاقة، وبالتالي فإن التقارب لا يعني تساوي الوزن الاقتصادي بين الطرفين، فالصين تمتلك اقتصاداً أكبر بكثير من الاقتصاد الروسي، وقاعدة صناعية وتكنولوجية وسوقاً استهلاكية أوسع، بينما تمتلك روسيا مزايا نسبية أكثر وضوحاً في الطاقة والموارد الطبيعية والقدرات العسكرية والجغرافيا الاستراتيجية. وبالتالي، فإن العلاقة تقوم على قدر من التكامل بين عناصر قوة مختلفة، لكنها ليست علاقة متكافئة اقتصادياً.

موازين القوة

وهذا التفاوت مهم لفهم مستقبل الشراكة. فروسيا تحتاج بصورة متزايدة إلى السوق الصينية، خاصة بعد إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها بعيداً عن الأسواق الغربية، بينما تحتاج الصين إلى الطاقة والمواد الخام الروسية وإلى شريك استراتيجي يمتلك عمقاً جغرافياً وعسكرياً في أوراسيا، ومن هنا يمكن القول إن الصين تمثل الطرف الأقوى اقتصادياً وصناعياً وتجارياً، بينما تمتلك روسيا أوراق قوة استراتيجية لا يمكن اختزالها في حجم الناتج المحلي؛ وعلى رأسها الطاقة، والقدرات العسكرية، والموقع الجغرافي، والعضوية الدائمة في مجلس الأمن، والقدرة على التأثير في ملفات أمنية وجيوسياسية تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقطب الشمالي.

وهذا النوع من التكامل يجعل الشراكة مختلفة عن التحالفات التقليدية؛ فالقوة هنا لا تنتقل من طرف إلى آخر، وإنما تتفاعل عناصر قوة غير متماثلة. الصين توفر لروسيا عمقاً اقتصادياً وتجارياً، بينما توفر روسيا للصين عمقاً جغرافياً وطاقوياً واستراتيجياً.

إلى جانب ذلك، يمثل التعاون المالي والتجاري بعداً آخر بالغ الأهمية. فقد دفعت العقوبات الغربية روسيا إلى تسريع استخدام العملات الوطنية والبحث عن قنوات مالية بديلة، وقد أصبح اليوان والروبل أكثر حضوراً في التجارة الثنائية، مع توسع قنوات التسوية المالية خارج النظام المالي الغربي. وتشير بيانات وتقارير حديثة إلى أن نحو 90% من تجارة الطاقة بين روسيا والصين تتم تسويتها بالروبل أو اليوان، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو تقليل مخاطر العقوبات والتعرض للأنظمة المالية الغربية.

وبالتالي، فإن التعاون الصيني–الروسي يمثل جزءاً من اتجاه أوسع داخل بريكس نحو توسيع استخدام العملات الوطنية وتطوير آليات دفع وتسوية أكثر تنوعاً، والأكثر واقعية هو ظهور نظام مالي أكثر تعددية، تتوسع فيه العملات الوطنية وأنظمة الدفع البديلة، دون أن تختفي الهيمنة الحالية للدولار في المدى المنظور.

أمن الطاقة

تظل الطاقة من أكثر المجالات التي تكشف طبيعة المصالح المتبادلة. روسيا تمتلك موارد ضخمة من النفط والغاز، بينما الصين تمثل أحد أكبر مراكز الطلب العالمي على الطاقة.

وقد أصبحت هذه العلاقة أكثر أهمية منذ تراجع اعتماد روسيا على السوق الأوروبية. ويعد خط أنابيب «قوة سيبيريا» أحد أبرز مؤشرات التحول؛ فقد بلغت إمدادات الغاز الروسي إلى الصين عبر الخط نحو 38.8 مليار متر مكعب في 2025، مقابل نحو 31 مليار متر مكعب في 2024، بزيادة تقارب 25%، متجاوزة بذلك المستوى المستهدف البالغ 38 مليار متر مكعب.

الضغط الأمريكي

أحد أهم دوافع التقارب هو البيئة الدولية التي أصبحت أكثر تنافسية، فروسيا تواجه منذ 2022 عقوبات وضغوطاً غربية واسعة، بينما تخوض الصين منافسة استراتيجية واقتصادية وتكنولوجية متصاعدة مع الولايات المتحدة. وبالتالي، يوفر التعاون بين موسكو وبكين لكل طرف مساحة استراتيجية أوسع للمناورة. بالنسبة إلى روسيا، تمثل الصين منفذاً رئيسياً للأسواق وسلاسل الإمداد والسلع والتكنولوجيا، في وقت أعادت فيه موسكو توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا. وبالنسبة إلى الصين، تمنحها روسيا عمقاً جغرافياً واستراتيجياً في أوراسيا، إلى جانب الطاقة والمواد الخام وممرات النقل.

لكن من المهم عدم اختزال العلاقة في مفهوم مواجهة الولايات المتحدة. فبكين وموسكو لا تتحركان بالضرورة وفق استراتيجية موحدة ضد واشنطن، وإنما تتقاطع مصالحهما حول تقليل الاعتماد على منظومة دولية أحادية المركز وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي.

وهنا تحديداً تكمن أهمية التقارب: فهو لا يستهدف بالضرورة استبدال قطب بقطب آخر، وإنما يدفع باتجاه نظام تكون فيه مراكز القوة أكثر تعدداً، وتتمتع الدول الكبرى بقدرة أكبر على اختيار شركائها ومصادر تمويلها وطاقتها وأدواتها التكنولوجية.

الشرق الأوسط

تكتسب العلاقة الصينية–الروسية بعداً أكثر أهمية عند وضعها في سياق الشرق الأوسط، وبصفة خاصة في ضوء الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026. فإحدى المفارقات الاستراتيجية اللافتة في الأزمة أن الانخراط العسكري الأميركي المكثف في الشرق الأوسط، أياً كانت دوافعه وأهدافه المعلنة، أدى إلى خلق مساحة جديدة للتحرك أمام الصين وروسيا، في الوقت الذي كان يفترض فيه، وفق بعض التقديرات والتحليلات، أن يؤدي الضغط على إيران إلى تقليص نفوذ خصوم واشنطن في المنطقة.

وهنا ينبغي التمييز بين النية الاستراتيجية والنتيجة الاستراتيجية. فمن الصعب الجزم بأن واشنطن دخلت المواجهة مع إيران بهدف مباشر هو إضعاف الصين وروسيا، لكن من المنطقي تحليل الأزمة من زاوية التنافس بين القوى الكبرى: كلما زادت الموارد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية التي تخصصها الولايات المتحدة للشرق الأوسط، ارتفعت تكلفة هذا الانخراط على قدرتها على توزيع الموارد والانتباه بين أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ.

وهذه النقطة تحديداً تمنح الصين وروسيا فرصة استراتيجية غير مباشرة. وهنا تكشف الحرب مع إيران عن مشكلة استراتيجية أوسع تواجه واشنطن: كيف يمكن الحفاظ على الردع في أوروبا، ومواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ، وفي الوقت نفسه إدارة حرب ممتدة في الشرق الأوسط؟

الاستنزاف الأمريكي

فالمشكلة لا ترتبط فقط بعدد القوات المنتشرة، وإنما أيضاً باستهلاك الذخائر والصواريخ الاعتراضية، التي أشارت تقارير عدة إلى استنزافها بعد استخدام بين 50 و60 صاروخاً و12 من منظومة ثاد، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات الاستخباراتية والطائرات والسفن والموارد اللوجستية. وهذا يجعل الحرب الإيرانية بالنسبة إلى موسكو وبكين دراسة عملية مباشرة لقدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من مسرح استراتيجي في الوقت نفسه.

وبذلك لا تحتاج الصين أو روسيا إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة كي تستفيدا من الأزمة؛ يكفي أن تضطر واشنطن إلى تخصيص المزيد من مواردها واهتمامها لمنطقة الشرق الأوسط.

ومن منظور صيني وروسي، لا تقاس نتيجة الحرب فقط بحجم الأضرار التي لحقت بإيران، وإنما أيضاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستدامة. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالقوة العسكرية الأمريكية تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكن تحويل ذلك إلى تسوية سياسية دائمة أو تغيير جذري في سلوك طهران يمثل تحدياً مختلفاً، خاصة أن إيران، رغم تعرضها لضربات كبيرة، احتفظت بقدرات على مواصلة الضغط الإقليمي، بينما استمرت الأزمة في التأثير على الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي.

ومن هنا تحصل موسكو وبكين على درس استراتيجي حي: التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم الكامل في مخرجات الصراع. بالنسبة إلى الصين، تحمل هذه الخبرة أهمية خاصة لأنها تراقب كيفية عمل القوات الأمريكية في بيئة صاروخية وطائرات مسيرة واسعة النطاق، ومدى قدرة الدفاعات الأميركية على التعامل مع هجمات متعددة الاتجاهات، ومدى تحمل الاقتصاد الأمريكي لتكاليف حرب ممتدة.

أما روسيا، فتقرأ الأزمة من منظور مختلف جزئياً، يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على إدارة عمليات عسكرية كبيرة في بيئة معقدة، وبمدى تأثير الاستنزاف العسكري على المخزونات والجاهزية الأمريكية.

النفوذ الإقليمي

تزداد أهمية إيران بالنسبة إلى موسكو وبكين لأنها لا تمثل مجرد دولة حليفة أو شريكاً اقتصادياً، وإنما تقع عند تقاطع عدة مسارات استراتيجية. فإيران تربط الخليج بآسيا الوسطى، وتملك موقعاً مهماً على طرق النقل بين الصين وآسيا وأوروبا، كما تمثل مصدراً للطاقة، ولها تأثير مباشر أو غير مباشر على أمن الخليج والبحر الأحمر.

وبالتالي، فإن بقاء إيران لاعباً إقليمياً مهماً، حتى بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، يعني أن الصين وروسيا تحتفظان بشريك مهم في منطقة استراتيجية.

وهذا يختلف جذرياً عن نموذج فنزويلا، الذي يمثل مثالاً آخر على كيفية تحول الضغوط الأميركية إلى عنصر لإعادة ترتيب شبكات التحالف لدى القوى المنافسة. فقد كانت فنزويلا لفترة طويلة إحدى الركائز المهمة للعلاقات الروسية في أميركا اللاتينية، لكن الضغط الأميركي عليها لم يؤدِ ببساطة إلى اختفاء النفوذ الروسي، بل دفع موسكو إلى البحث عن صيغ جديدة للحفاظ على حضورها وشبكاتها الخارجية.

والدرس الأوسع بالنسبة إلى الصين وروسيا هو أن إضعاف شريك إقليمي لا يعني بالضرورة إزالة نفوذ المنافس الدولي؛ فقد يؤدي أحياناً إلى دفع هذا المنافس إلى إعادة تموضع أكثر مرونة وأقل تكلفة.

المكاسب الاستراتيجية

وعليه، فإن أخطر مكسب صيني–روسي هو إعادة توزيع الانتباه الأمريكي. وربما يكون المكسب الأكبر لموسكو وبكين غير اقتصادي ولا عسكري، وإنما استراتيجي–زمني.

فالسياسة الدولية تقوم على الموارد والانتباه. وكلما طال انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أصبح عليها توزيع قدر أكبر من مواردها بين المنطقة وأوروبا وآسيا.

وبالنسبة إلى الصين، فإن أي تراجع نسبي في التركيز الأميركي على المحيطين الهندي والهادئ يوفر مساحة إضافية لبكين لتطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. وبالنسبة إلى روسيا، فإن انشغال واشنطن بالشرق الأوسط قد يمنح موسكو مجالاً أوسع للمناورة في أوروبا وأوراسيا.

وهنا لا يعني الأمر أن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على التحرك في آسيا أو أوروبا، وإنما أن تكلفة تعدد المسارح الاستراتيجية ترتفع. لذلك فإن التحليل الأكثر دقة ليس أن «الصين وروسيا انتصرتا بسبب الحرب»، وإنما أن الأزمة خلقت لهما مساحة استراتيجية إضافية يمكن استثمارها سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً. وهذه المساحة قد تكون أهم من أي مكسب قصير الأجل؛ لأنها تعيد توزيع النفوذ من خلال آلية غير مباشرة: كلما ارتفعت تكلفة الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط، ازدادت قيمة البدائل التي تستطيع الصين وروسيا تقديمها للدول الإقليمية.

ومن هنا يصبح الملف الإيراني جزءاً من الصورة الأكبر للتقارب الصيني–الروسي: فموسكو وبكين لا تتحركان فقط لتنسيق مواقفهما تجاه واشنطن، وإنما تستفيدان من التحولات التي تفرضها المنافسة الأمريكية مع خصومها الإقليميين لإعادة بناء شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية خارج الهيمنة الأميركية التقليدية.

الحرب الأوكرانية

وهو الأمر نفسه بالنسبة إلى أوكرانيا، كونها تمثل اختلافاً في الأهداف وتقاطعاً في المصالح، إذ تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة. الصين لم تصبح طرفاً عسكرياً مباشراً في الحرب، لكنها حافظت على شراكتها مع موسكو، وفي الوقت ذاته طرحت نفسها كطرف داعم للحوار والتسوية السياسية.

وهنا توجد نقطة تحليلية أساسية: الصين لا تتبنى بالضرورة كل الأهداف الروسية، وروسيا لا تتبنى كل الحسابات الصينية. إلا أن الطرفين يشتركان في رفض أن تؤدي الأزمة إلى إعادة إنتاج ترتيبات أمنية دولية تقوم على مركز واحد للقوة.

ومن ثم، فإن أوكرانيا تمثل في الوقت نفسه نقطة تقاطع ونقطة اختبار للعلاقة. فكلما طال أمد الحرب، زادت أهمية الصين بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي، لكن بكين في المقابل تظل حريصة على عدم تحويل الشراكة إلى التزام عسكري مباشر يمكن أن يفرض عليها تكاليف استراتيجية واقتصادية أكبر.

المجال الأوراسي

وفي الوقت ذاته، تمثل آسيا وأوراسيا المجال الأوسع للشراكة لتصل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لأوراسيا، روسيا تمتلك مساحة جغرافية هائلة وموارد طبيعية وموقعاً يربط أوروبا بآسيا، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتجارية ضخمة ومشروعات للربط والبنية التحتية. ومن هنا تتقاطع مصالح الطرفين في النقل والطاقة والممرات البرية والبحرية.

وتوفر منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس إطارين مهمين لهذا التعاون غير المباشر. وفي أغسطس 2026 التقى شي وبوتين مجدداً على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وأكد الجانب الصيني أن التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال زيارة بوتين في مايو يجري تنفيذها، وأن التعاون الثنائي يحافظ على زخم قوي.

آفاق الشراكة

ختاماً، إن أهمية الشراكة الصينية–الروسية بالنسبة إلى توازن القوة العالمي لا تكمن فقط في القوة التي يمتلكها البلدان منفردين، وإنما في قدرتهما على ربط عناصر قوتهما بشبكات ومؤسسات أوسع مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يتيح توسيع دائرة البدائل أمام الدول النامية والناشئة في التجارة والتمويل والطاقة والبنية التحتية.

فالعلاقة تقوم على مصالح مشتركة كبيرة، لكنها لا تلغي الحسابات الوطنية المستقلة لكل طرف. الصين لديها مصالح اقتصادية ضخمة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وروسيا لديها حسابات خاصة مع الهند ودول الخليج والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

ومن ثم، فإن أحد أهم مؤشرات قوة العلاقة هو أنها لا تتطلب التطابق الكامل، بل تقوم على معادلة أكثر مرونة: توسيع مساحات الاتفاق، وإدارة مناطق الاختلاف، ومنع الخلافات من التحول إلى صراع استراتيجي.

وهذا يفسر أيضاً لماذا يمكن للعلاقة أن تكون قوية دون أن تتحول إلى حلف رسمي؛ فكل طرف يحصل على مكاسب استراتيجية من الآخر، مع الاحتفاظ بحرية الحركة في الملفات التي لا تتطابق فيها مصالحهما.

د.مونيكا وليم

د.مونيكا وليم

باحثة وأكاديمية مصرية متخصصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزميلة أكاديمية بالعلوم الروسية، تتمحور اهتماماتها البحثية حول الشؤون الروسية، وأمن الطاقة، وتوازنات القوى، والتحولات في النظام الدولي، وتطور التعددية القطبية والعلاقات الروسية–العربية، لديها خبرة بحثية وأكاديمية في قضايا السياسة الدولية والأمن الإقليمي.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.