لم تعد إمكانية توسع الحرب الروسية–الأوكرانية مرتبطة فقط باحتمال انتقال القوات الروسية إلى دولة أوروبية أخرى أو دخول قوات حلف الناتو مباشرة إلى ساحة المعركة، الأخطر والأكثر واقعية هو أن تتوسع الحرب تدريجياً من دون إعلان رسمي، عبر انتقالها من الجبهة العسكرية التقليدية إلى شبكة أوسع من المجالات تشمل الأمن السيبراني، والاستخبارات، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والموانئ، والكابلات البحرية، والفضاء، والصناعة الدفاعية، والمعلومات، وهنا تكتسب الحرب الهجينة أهميتها، باعتبارها وسيلة تسمح للدول بإلحاق تكلفة استراتيجية بالخصم مع البقاء، في بعض الحالات، تحت عتبة الحرب المباشرة.
وتزداد خطورة هذا المسار لأن الحدود بين العمل العسكري والعمل الاستخباراتي والتخريب أصبحت أقل وضوحا، فاستهداف منشأة عسكرية بصاروخ يمثل عملاً حربياً واضحاً، بينما يؤدي اختراق شبكة كهرباء أو تعطيل نظام اتصالات أو استهداف منشأة صناعية إلى خلق مساحة رمادية يصعب فيها تحديد طبيعة العملية والمسؤول عنها والرد المناسب عليها، هذه المنطقة الرمادية تمنح الأطراف هامشاً واسعاً للمناورة، لكنها في الوقت نفسه تزيد مخاطر سوء التقدير؛ إذ يمكن لعملية محدودة أن تتحول إلى أزمة سياسية واسعة إذا ثبت ارتباطها بدولة معادية أو أدت إلى خسائر بشرية كبيرة.
وفي هذا السياق، يمثل التهديد الروسي باستهداف مصانع بريطانية تنتج مسيرات أو مكونات مرتبطة بصواريخ «ستورم شادو» مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة المقبلة، فحتى إذا لم يتحول التهديد إلى عمل عسكري فعلي، فإن مجرد طرح إمكانية تنفيذ «عمل شبه عسكري» ضد منشآت صناعية بريطانية يكشف أن موسكو تنظر بصورة متزايدة إلى القاعدة الصناعية التي تدعم أوكرانيا باعتبارها جزءاً من منظومة الحرب نفسها، وبذلك لا يعود المصنع الموجود خلف الحدود مجرد منشأة مدنية أو اقتصادية، وإنما يصبح، من منظور موسكو، عنصراً في القدرة العسكرية الأوكرانية يجب التأثير عليه أو ردعه.
وتنبع أهمية هذا التهديد من أن بريطانيا لا تكتفي بتقديم أسلحة جاهزة إلى كييف، وإنما تسعى إلى مساعدة أوكرانيا على بناء قدرة عسكرية وصناعية أكثر استدامة، ومن وجهة النظر الروسية، فإن انتقال الدعم الغربي من تسليم منظومات محددة إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا والمخططات وتطوير الإنتاج داخل أوكرانيا يعني أن الغرب لا يساعد فقط في إدارة الحرب الحالية، وإنما يساهم في بناء قدرة أوكرانية يمكن أن تستمر لفترة طويلة. ولذلك يصبح الضغط على المنشآت وسلاسل الإمداد المرتبطة بهذه القدرات وسيلة لمحاولة منع تحول الدعم العسكري إلى بنية دفاعية مستقلة.
لكن تنفيذ تهديد مباشر ضد منشآت داخل بريطانيا سيكون خطوة شديدة الحساسية؛ لأنه قد ينقل المواجهة من دعم دولة غير عضو في الناتو إلى استهداف أراضي دولة عضو في الحلف، ولهذا قد يكون الهدف الأساسي من التهديد هو الردع وليس التنفيذ، أي دفع لندن إلى حساب تكلفة الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون العسكري مع كييف، ومع ذلك، فإن مجرد استخدام هذا النوع من الخطاب يعكس اتساع مفهوم الأهداف المرتبطة بالحرب، بحيث لم تعد خطوط التماس الجغرافية داخل أوكرانيا هي المحدد الوحيد لمجال الصراع.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الإنكار المعقول، فالحرب الهجينة تسمح باستخدام أدوات يمكن تنفيذها بصورة غير مباشرة، سواء من خلال مجموعات وسيطة أو عمليات إلكترونية أو تخريب أو ضغط على سلاسل الإمداد، وبالنسبة لموسكو، قد تكون هذه الأدوات أقل خطورة من توجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى دولة أطلسية، لأنها تسمح بفرض تكلفة على الخصم مع تقليل احتمالات الوصول فوراً إلى مواجهة مفتوحة مع الناتو، وفي المقابل، تواجه الدول الغربية معضلة مماثلة: كيف ترد على عملية هجينة من دون أن يؤدي الرد نفسه إلى رفع مستوى التصعيد؟
وهذه المعضلة تجعل الإسناد الاستخباراتي أحد أهم عناصر الحرب الحديثة، فإثبات أن عملية تخريب أو هجوم سيبراني تقف وراءها دولة معينة لا يمثل مسألة فنية فقط، بل يصبح أساساً للشرعية السياسية لأي رد، وكلما كانت العملية قابلة للإنكار، ازدادت صعوبة اتخاذ قرار بالرد، خصوصاً إذا كان الرد قد يفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات الانتقامية، ومن هنا فإن الحرب الهجينة لا تستهدف البنية التحتية وحدها، بل تستهدف أيضاً عملية اتخاذ القرار لدى الخصم، وتحاول دفعه إلى الإنفاق والرد والتحرك في ظروف من عدم اليقين.
ويأخذ هذا الاتجاه بعداً أكثر خطورة عندما تنتقل الضربات من استهداف القوات إلى استهداف القدرة على إنتاج القوة، فالمصنع الذي ينتج الصواريخ أو المسيّرات، والطاقة التي تشغله، والسكك الحديدية التي تنقل مكوناته، والميناء الذي يستقبل المواد الخام، وشبكات الاتصالات التي تربط منظومات القيادة والسيطرة، كلها أصبحت أجزاء مترابطة من القدرة العسكرية. ولذلك فإن تعطيل حلقة واحدة في هذه السلسلة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز بكثير حجم الضرر المادي المباشر.
وفي هذا الإطار، أصبحت المسيرات واحدة من أهم أدوات إعادة تشكيل الحرب. فهي لم تعد مجرد وسيلة استطلاع أو سلاح تكتيكي محدود، وإنما تحولت إلى منصة قادرة على تنفيذ ضربات في العمق، واختبار الدفاعات الجوية، واستنزاف صواريخ الاعتراض، وجمع المعلومات، والعمل ضمن أسراب أو شبكات أكثر تعقيداً. كما أن تطور المسيّرات من حيث السرعة والمدى والقدرة على المناورة يجعل الدفاع ضدها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يتم الجمع بين أعداد كبيرة من المنظومات منخفضة التكلفة وبين أسلحة أكثر تطوراً.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملا مضاعفاً للقوة، فالقيمة الأساسية للذكاء الاصطناعي في الحرب تكمن في تسريع عملية اكتشاف الأهداف، وتحليل الصور والبيانات، وتحسين الملاحة، وتحديد المسارات، وربط المعلومات القادمة من مصادر متعددة. ومع استمرار الحرب، يصبح الفارق بين الطرفين مرتبطاً ليس فقط بامتلاك المسيّرة أو الصاروخ، وإنما بامتلاك منظومة قادرة على تحويل البيانات إلى قرار عسكري أسرع وأكثر دقة.
أما تقنيات النانو، فأهميتها تكمن في كونها تكنولوجيا تمكينية أكثر من كونها سلاحاً مستقلاً. فهي يمكن أن تساهم في تطوير مواد أخف وأكثر مقاومة، وتحسين البطاريات، ورفع كفاءة المستشعرات والإلكترونيات، وتحسين الاتصالات والمواد المركبة. وبالتالي، فإن تأثير النانو يظهر بصورة غير مباشرة من خلال جعل المسيّرات والروبوتات وأجهزة الاستشعار والأسلحة الدقيقة أكثر كفاءة وأقل حجماً وتكلفة. وهذا يعني أن التطور التكنولوجي في الحرب المقبلة لن يكون محصوراً في اختراع سلاح جديد، وإنما في تحسين كل مكون من مكونات منظومة القتال.
ومن هنا تتحول الحرب تدريجيا إلى معركة صناعية وتكنولوجية، فالميزة لا تكون دائماً لمن يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، وإنما لمن يستطيع إنتاج عدد أكبر من المنظومات القابلة للاستخدام بسرعة وبتكلفة منخفضة، ثم تعويض خسائرها باستمرار، مسيرة منخفضة التكلفة تستطيع إجبار الخصم على استخدام منظومة اعتراض أكثر تكلفة بكثير، ومع تكرار العملية على نطاق واسع تتحول المواجهة إلى معركة استنزاف للمخزون والميزانيات والقدرة الصناعية، لذلك يصبح السؤال الاستراتيجي: من يستطيع إنتاج التكنولوجيا العسكرية بسرعة أكبر، وتأمين مكوناتها، وحماية خطوط إنتاجها، وإعادة بناء قدراته بعد الضربات؟
وفي المقابل، تواجه روسيا تحدياً مختلفاً، فموسكو تمتلك عمقا جغرافيا وقدرات صناعية وعسكرية كبيرة، لكنها تواجه أيضاً منظومة غربية واسعة قادرة على دعم أوكرانيا مالياً وتكنولوجياً وصناعياً، ولذلك فإن الصراع يتحول إلى منافسة بين منظومتين: قدرة روسيا على إنتاج الذخائر والمسيّرات وتطوير أدوات الحرب الإلكترونية، وقدرة أوكرانيا وشركائها الغربيين على الابتكار والتصنيع والتعويض المستمر. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت أهمية الاقتصاد الدفاعي وليس فقط الأداء العسكري على الجبهة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحركات الروسية تجاه بريطانيا باعتبارها جزءاً من محاولة توسيع معادلة الردع. فإذا اعتقدت موسكو أن استمرار الدعم الغربي سيؤدي إلى زيادة قدرة أوكرانيا على ضرب العمق الروسي، فإنها قد تحاول خلق تكلفة مقابلة للدول التي توفر هذا الدعم. لكن المشكلة أن هذا المسار يحمل معه مخاطر تصعيد كبيرة؛ فكلما اقتربت العمليات من أراضي دول الناتو، أصبح احتمال تحول الحرب غير المباشرة إلى أزمة مباشرة أكبر.
ولا يقتصر الأمر على بريطانيا، فتراجع بعض الدول الأوروبية عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الروسية، كما يظهر في توجه أرمينيا إلى إعادة تقييم طبيعة الوجود العسكري الروسي على أراضيها وتنويع شراكاتها الخارجية، يعكس جانباً آخر من الصراع: المنافسة على النفوذ الجيوسياسي. فالحرب الروسية–الأوكرانية لم تؤثر فقط في ميزان القوى داخل أوروبا، وإنما دفعت دولاً في الجوار الروسي إلى إعادة حساباتها الأمنية. ومن منظور موسكو، فإن فقدان النفوذ في هذه المناطق لا يمثل خسارة سياسية فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى تحدٍ استراتيجي طويل المدى إذا توسعت الشراكات الغربية بالقرب من المجال الروسي.
وبذلك يصبح توسع الحرب عملية تراكمية أكثر منه قراراً واحداً، قد يبدأ الأمر بتهديد سياسي، ثم عملية سيبرانية، ثم تخريب منشأة، ثم اعتراض مسيّرة، ثم سقوط ضحايا داخل دولة أوروبية، ثم رد انتقامي. وكل حادث منفرد قد يكون قابلاً للاحتواء، لكن تراكم الحوادث يمكن أن يخلق ديناميكية تصعيد يصعب التحكم فيها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في أن يقرر طرف ما فجأة بدء حرب مع الناتو، وإنما في أن تؤدي سلسلة من العمليات المحدودة إلى تجاوز العتبة التي كانت جميع الأطراف تحاول تجنبها.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في حرب عالمية ثالثة تنفجر بصورة مفاجئة، وإنما في استمرار حرب متعددة الطبقات: جبهة عسكرية داخل أوكرانيا، وحرب جوية وصاروخية، ومسيّرات، وعمليات سيبرانية، واستخبارات، وضغوط اقتصادية، ومنافسة صناعية، وصراع على الطاقة والبنية التحتية، وحرب معلومات. وستكون أوروبا جزءاً متزايداً من هذه المعادلة حتى من دون دخول قواتها مباشرة إلى الحرب.
وفي تقديري، فإن التحدي الاستراتيجي الأكبر في المرحلة المقبلة لن يكون تحديد ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل تحديد حدود التوسع. فكلما انتقلت موسكو وكييف وحلفاؤهما من استهداف الجبهة إلى استهداف منظومات إنتاج القوة، وكلما اتسع نطاق العمليات السيبرانية والتخريبية والاستخباراتية، أصبحت المسافة بين الحرب غير المباشرة والمواجهة المباشرة أقصر. ويظل التهديد الروسي باستهداف مصانع بريطانية مثالاً واضحاً على هذه النقطة: فهو قد يكون أداة ردع أكثر منه إعلاناً عن ضربة وشيكة، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسالة مفادها أن موسكو قد تنظر إلى البنية الصناعية الداعمة لأوكرانيا باعتبارها امتداداً لساحة الحرب.
وعليه، فإن الحرب الروسية–الأوكرانية تتجه بصورة متزايدة نحو نموذج جديد لا تحدده الخرائط وحدها. الصراع أصبح يدور حول البيانات، والمصانع، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والرقائق، والمسيرات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على الابتكار والإنتاج بقدر ما يدور حول الدبابات والصواريخ.
وقد تكون هذه هي السمة الأبرز لحروب المستقبل: انخفاض تكلفة بدء عمليات محدودة، مقابل ارتفاع تكلفة السيطرة على مسار التصعيد. فالمشكلة لم تعد فقط في كيفية خوض الحرب، وإنما في كيفية منع حادث صغير من التحول إلى مواجهة أكبر.