تكتسب زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى التشيك أهمية سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، إذ تفتح المجال لبحث موقع القضية الفلسطينية في أجندة العلاقات العربية الأوروبية، وحدود التوافق بين عمان وبراغ بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وتنبع أهمية هذه الزيارة من أن الأردن يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمن قومي ومرتكزًا أساسيًا لاستقرار المنطقة، بينما تتحرك التشيك في إطار السياسة الأوروبية وعلاقاتها مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومن ثم، فإن تحليل الزيارة يتطلب النظر إلى المصالح المشتركة ونقاط التباين في المواقف السياسية، بعيدًا عن الاكتفاء بالبروتوكول الدبلوماسي.
تحالف تاريخي
تستند العلاقات الأردنية التشيكية إلى مسار دبلوماسي يمتد لنحو ستة عقود، وهو ما يمنح زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ بُعدًا يتجاوز المصالح الآنية. فقد أكد العاهل الأردني خلال مباحثاته مع الرئيس التشيكي بيتر بافيل، في 18 سبتمبر 2026، أهمية تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، وتعزيز الشراكات الاستثمارية، إلى جانب التعاون في المجالات الدفاعية والأمنية، وفي المقابل، وصف الرئيس التشيكي الأردن بأنه أحد أقرب حلفاء بلاده وأكثرهم موثوقية في الشرق الأوسط، مشددًا على أهمية استقرار المملكة بالنسبة إلى أوروبا والتشيك.
وتكشف هذه المعطيات أن عمّان وبراغ تمتلكان أرضية مشتركة لتوسيع الشراكة الثنائية، خصوصًا في مجالات الأمن والطاقة والمياه والتجارة، غير أن القيمة السياسية الأوسع للزيارة تتمثل في إمكانية توظيف هذه العلاقة في بناء جسور بين المواقف العربية والأوروبية تجاه أزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
القضية الفلسطينية
تحضر القضية الفلسطينية في صلب الرؤية الأردنية للأمن والاستقرار الإقليميين، وخلال زيارته إلى التشيك، أكد الملك عبد الله الثاني أن الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، داعيًا إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع تصعيد الصراع واحترام القانون الدولي. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل المخاوف الأردنية من تداعيات التوسع الاستيطاني والإجراءات التي تمس الوضع القانوني والسياسي للأراضي الفلسطينية.
ومن المنظور الأردني، لا يمكن فصل مستقبل الدولة الفلسطينية عن أمن المملكة واستقرارها؛ فاستمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي قابل للتنفيذ يفاقمان الضغوط الأمنية والاقتصادية والإنسانية على دول الجوار، ولذلك، فإن تأكيد عمّان على حل الدولتين لا يمثل مجرد طرح دبلوماسي، بل يرتبط برؤية تعتبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس المرجعيات الدولية شرطًا لمعالجة جذور الصراع، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا في المنطقة.
تكمن أهمية الدبلوماسية الأردنية في قدرتها على طرح القضية الفلسطينية من منظور يربط بين الأمن الإقليمي والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، أما التحدي الحقيقي أمام الحوار مع الدول الأوروبية، فيتمثل في تحويل التعاطف السياسي والتأكيدات الدبلوماسية إلى مواقف عملية تضغط باتجاه وقف الإجراءات التي تقوض حل الدولتين، وتدعم المساعدات الإنسانية، وتُبقي خيار التسوية السياسية حاضرًا في الأجندة الدولية.
الموقف التشيكي
تتضح حدود التوافق الأردني التشيكي عند الانتقال من المبادئ العامة إلى الموقف من إسرائيل والاعتراف بالدولة الفلسطينية. فقد حافظت التشيك تاريخيًا على علاقات وثيقة مع إسرائيل، واتخذت حكومات وبرلمانات تشيكية مواقف داعمة لها في محافل سياسية مختلفة، كما أن موقف براغ من الاعتراف بالدولة الفلسطينية يختلف عن مواقف دول أوروبية اتجهت إلى الاعتراف بها خلال السنوات الأخيرة، ولذلك، فإن أي تقارب أردني تشيكي بشأن فلسطين ينبغي قراءته باعتباره مساحة للحوار السياسي، لا تطابقًا في الرؤى.
وتكمن المسألة الأساسية في قدرة الأردن على إقناع الجانب التشيكي بأن استمرار الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية لا يخدم الاستقرار الإقليمي ولا المصالح الأوروبية بعيدة المدى، فالأردن لا يحتاج بالضرورة إلى تغيير كامل في السياسة التشيكية تجاه إسرائيل بقدر ما يحتاج إلى دفع براغ نحو دعم إجراءات ملموسة تحافظ على فرص الحل السياسي، وتعارض أي خطوات أحادية تقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.
أمن إقليمي
لا يمكن فصل التحرك الأردني في أوروبا عن التداخل المتزايد بين القضية الفلسطينية وأمن الشرق الأوسط. فاستمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوترات في الضفة الغربية، وتوسع الإجراءات الإسرائيلية على الأرض، كلها عوامل تضع الدول المجاورة أمام تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تمثل الشراكة الأردنية التشيكية فرصة لطرح مفهوم أوسع للأمن الإقليمي، يقوم على أن حماية الاستقرار لا تتحقق بالترتيبات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب معالجة الأسباب السياسية للصراع. ومن شأن توسيع التعاون بين البلدين في مجالات الدفاع والأمن والطاقة والمياه أن يعزز قدرة الأردن على التعامل مع الضغوط الإقليمية، لكنه لا يعوض الحاجة إلى مسار سياسي عادل للقضية الفلسطينية.
اختبار أوروبي
تأتي زيارة الملك عبد الله الثاني إلى التشيك في وقت تشهد فيه أوروبا نقاشًا متزايدًا حول كيفية التعامل مع السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وقد ظهرت خلال سبتمبر 2026 تحركات أوروبية منفردة بشأن منتجات المستوطنات في الضفة الغربية، في ظل استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء حول مستوى الضغط السياسي والاقتصادي على إسرائيل.
وتبرز هنا أهمية الدبلوماسية الأردنية في مخاطبة الدول الأوروبية التي لا تتبنى الموقف نفسه من القضية الفلسطينية، فالتحدي لا يتمثل فقط في حشد التأييد لحل الدولتين، وإنما في تحويل هذا التأييد إلى سياسات تحمي مقومات الحل، وتدعم حقوق الفلسطينيين، وتمنع ترسيخ واقع سياسي وجغرافي يجعل التسوية أكثر تعقيدًا.
شراكة فاعلة
تكشف زيارة الملك عبد الله الثاني إلى التشيك عن مسارين متوازيين: الأول، تعزيز العلاقات الأردنية التشيكية بوصفها شراكة مستقرة تمتلك فرصًا اقتصادية وأمنية مهمة؛ والثاني، توسيع الحوار حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتتمثل القيمة السياسية للزيارة في إمكانية بناء تفاهمات تدريجية حول ضرورة منع التصعيد، واحترام القانون الدولي، والحفاظ على حل الدولتين، دون تجاهل التباينات القائمة في المواقف من إسرائيل والسلطة الفلسطينية. أما تحقيق نتائج ملموسة، فيتوقف على قدرة الطرفين على الانتقال من تبادل المواقف إلى التعاون الدبلوماسي العملي، وعلى مدى استعداد الدول الأوروبية لتحمل مسؤولياتها السياسية تجاه مستقبل المنطقة.
الخلاصة : إن العلاقات الأردنية التشيكية تمنح عمّان قناة إضافية للحوار مع أوروبا، لكن اختبار فاعليتها في القضية الفلسطينية سيظل مرتبطًا بمدى ترجمة المواقف العامة إلى خطوات سياسية قادرة على حماية الحقوق الفلسطينية ومنع تقويض فرص السلام. فالاستقرار الذي تسعى إليه الأردن والتشيك لا يمكن أن يكون مستدامًا في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون أفق سياسي عادل.