تأتي زيارة العمل التي يقوم بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه أزمات الخليج والبحر الأحمر وباب المندب والقضية الفلسطينية والتوترات المرتبطة بإيران، بالتزامن مع إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى الإقليمية والدولية، وتكتسب الزيارة أهميتها ليس فقط من الملفات المطروحة على جدول المباحثات، وإنما من حقيقة أن العلاقات المصرية السعودية تمثل نموذجا متقدما للدبلوماسية العربية القادرة على تحويل التاريخ المشترك إلى شراكة استراتيجية ومصالح متبادلة، فمصر والسعودية جناحان أساسيان في منظومة الأمن والاستقرار العربي، وأي تقارب بين القاهرة والرياض ينعكس بصورة مباشرة على قدرة النظام العربي على التعامل مع الأزمات والتحديات.
محطات تاريخية
ولفهم طبيعة هذه الشراكة، لا بد من العودة إلى عمقها التاريخي؛ فقد تأسست العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر والمملكة العربية السعودية في عام 1926، ومنذ ذلك التاريخ مرت العلاقات بمحطات سياسية وإقليمية متعددة، لكنها حافظت على قدر كبير من الاستمرارية، وتطورت بصورة واضحة بعد توقيع ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945، ثم جاءت عقود الخمسينيات والستينيات وحرب أكتوبر المجيدة لتؤكد أهمية التنسيق بين البلدين في القضايا العربية الكبرى، ثم استمرت الشراكة في العقود اللاحقة وصولًا إلى التعاون الوثيق في مواجهة أزمات المنطقة خلال العقود الأخيرة.
دبلوماسية راسخة
إن قوة العلاقات المصرية السعودية لا ترتبط بظرف سياسي عابر، ولا يمكن اختزالها في ملف اقتصادي أو استثماري، فالقاهرة تنظر إلى أمن المملكة باعتباره جزءا من منظومة الأمن القومي العربي، بينما تدرك الرياض أن استقرار مصر وقوتها يمثلان عنصرًا رئيسيًا في استقرار المنطقة العربية، ولذلك فإن الدبلوماسية بين البلدين تقوم على إدارة الاختلاف، وليس إنكاره، وعلى البحث عن مساحات الاتفاق والمصالح المشتركة.
شراكة مؤسسية
وقد اكتسبت هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة بعدًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا؛ ففي أبريل 2025 اتفق البلدان على تدشين مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، بما يستهدف الارتقاء بالتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والعسكري والأمني، إلى جانب تعزيز الإطار القانوني للاستثمارات المتبادلة. وتكشف هذه الخطوة عن انتقال العلاقات من مجرد اللقاءات السياسية المتكررة إلى مستوى أكثر تنظيمًا من التنسيق الاستراتيجي، بحيث تصبح الشراكة قادرة على إنتاج آليات مستمرة للتعاون والتشاور، وهو ما يتناسب مع حجم البلدين ودورهما في النظام الإقليمي.
مصالح متبادلة
أما اقتصاديًا، فقد تطورت العلاقة من مفهوم الدعم والمساندة إلى مفهوم أكثر نضجًا يقوم على المصالح المتبادلة والاستثمار والتجارة والتكامل الاقتصادي، فالسعودية تمثل أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، بينما تمثل السوق المصرية مجالًا استراتيجيًا للاستثمارات السعودية، وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 7.5 مليار دولار، فيما بلغ نحو 5.9 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025. كما عززت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، التي وافق عليها مجلس النواب المصري في 2025، البيئة القانونية أمام الاستثمارات، بما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى أكثر استدامة.
توقيت استراتيجي
وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة تعكس طبيعة المرحلة الجديدة في المنطقة؛ فقد التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة بريكس في نيودلهي، مؤكدًا ضرورة وقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة، مع التشديد على احترام سيادة الدول العربية ورفض الاعتداءات التي تهدد أمن المنطقة، وفي المقابل، جاءت التحركات السعودية على أكثر من مسار، بما في ذلك لقاء ولي العهد بقائد القيادة المركزية الأمريكية في جدة، في ظل التحديات المرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يجعل التنسيق المصري السعودي في هذه المرحلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أمن مشترك
ويمثل البحر الأحمر وباب المندب أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها على الشراكة المصرية السعودية؛ فمصر ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر بحكم امتلاكها قناة السويس، بينما تمتلك السعودية ساحلًا استراتيجيًا طويلًا على البحر الأحمر، إلى جانب ثقلها في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وأي تصعيد في باب المندب لا يمثل تهديدًا لدولة بعينها، وإنما يمكن أن يؤثر في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتأمين، ولذلك فإن التعاون بين القاهرة والرياض في حماية أمن البحر الأحمر والممرات البحرية يمثل مصلحة استراتيجية مشتركة، وليس مجرد تنسيق ظرفي.
تكامل الأدوار
وعندما ننظر إلى عناصر القوة لدى البلدين، نجد أن الشراكة المصرية السعودية تقوم على تكامل الأدوار؛ فمصر تمتلك الثقل السكاني والعسكري والجغرافي والتاريخي والمؤسسي، بينما تمتلك السعودية ثقلًا اقتصاديًا واستثماريًا وطاقة ومكانة دينية وسياسية مؤثرة، وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح تأثير البلدين أكبر من مجموع عناصر القوة المنفردة لكل منهما. ولهذا فإن القاهرة والرياض لا تحتاجان إلى التطابق الكامل في كل المواقف، وإنما تحتاجان إلى إدارة الاختلافات داخل إطار الشراكة، والحفاظ على القضايا التي تمثل مصالح استراتيجية مشتركة.
شراكة المستقبل
وفي هذا السياق، تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة لتؤكد أن العلاقات المصرية السعودية دخلت مرحلة أكثر نضجًا، عنوانها الانتقال من العلاقات التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد، التي تجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن والاستثمار والطاقة والتنسيق الإقليمي، والأهم أن هذه الشراكة لا تقوم على ردود الفعل تجاه الأزمات، وإنما على بناء قدرة مشتركة على استباقها وإدارتها، وهو ما يمنح القاهرة والرياض مساحة أوسع للتأثير في مستقبل المنطقة.
مسؤولية تاريخية
والرسالة الأهم أن قوة العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد مكسب ثنائي، وإنما رصيد استراتيجي للنظام العربي كله، فالعالم العربي يواجه مرحلة تتطلب قدرا أكبر من التنسيق، في ظل إعادة تشكيل موازين القوى وتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، ومن ثم فإن الحفاظ على قوة القاهرة والرياض، وتطوير آليات التشاور بينهما، وتوسيع الشراكة الاقتصادية والأمنية والسياسية، يمثل مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.