لم يعد إنشاء بنك التنمية الجديد (NDB) التابع لمجموعة بريكس مجرد خطوة لإنشاء مؤسسة مالية إضافية إلى جانب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وإنما أصبح يمثل محاولة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام المالي الدولي، وإيجاد بديل أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصادات الناشئة والدول النامية، فقد تأسس البنك عام 2015 بمبادرة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، بهدف تعبئة الموارد لتمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة في دول بريكس وغيرها من اقتصادات الأسواق الناشئة والدول النامية، ومع توسع عضويته، أصبحت لديه فرصة للتحول تدريجيًا من مؤسسة تمويل تابعة لبريكس إلى مؤسسة متعددة الأطراف ذات حضور أوسع في الجنوب العالمي.
وتنبع أهمية السؤال حول قدرة البنك على منافسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أن المنافسة هنا لا تعني بالضرورة أن يصبح بنك التنمية الجديد مساويًا لهما من حيث الحجم المالي، وهو أمر غير واقعي في الأجل القصير، وإنما أن يخلق منافسة مؤسسية ومالية وسياسية تجبر مؤسسات التمويل الدولية التقليدية على تحسين شروط التمويل، وتوسيع أدواتها، وتقليل تكلفة الاقتراض، والاستجابة بدرجة أكبر لأولويات الدول النامية، فكلما تعددت مصادر التمويل المتاحة أمام الدول، ازدادت قدرتها على التفاوض والاختيار، وهو ما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تحسين شروط التنمية في الجنوب العالمي.
رأس المال: قاعدة الانطلاق
يمتلك بنك التنمية الجديد رأس مال مصرحًا به يبلغ 100 مليار دولار، بينما يبلغ رأس المال المكتتب به من الدول المؤسسة 50 مليار دولار، منها 10 مليارات دولار رأس مال مدفوع و40 مليار دولار رأس مال قابل للاستدعاء، وقد وزعت حصص رأس المال بالتساوي بين الدول الخمس المؤسسة، وتوفر هذه الهيكلة للبنك قاعدة مالية يمكن استخدامها في الاقتراض من أسواق رأس المال الدولية ثم إعادة توجيه الموارد إلى مشروعات التنمية.
وتكمن أهمية رأس المال القابل للاستدعاء في أنه يمثل عنصرًا أساسيًا في الجدارة الائتمانية للبنك؛ إذ لا يعتمد بنك التنمية الجديد على الأموال المدفوعة بالفعل فقط، وإنما يستطيع الاستناد إلى التزامات الدول الأعضاء في تعزيز الثقة لدى المستثمرين وحملة السندات، وهذه الآلية ليست مختلفة في جوهرها عن النموذج الذي تستخدمه بنوك التنمية متعددة الأطراف، بما فيها البنك الدولي، حيث يمثل رأس المال المدفوع والقابل للاستدعاء قاعدة لدعم القدرة على الاقتراض والإقراض.
لكن قوة بنك التنمية الجديد لا تتوقف عند مساهمات الدول الأعضاء. فالهدف الحقيقي للنموذج المالي هو تحويل رأس المال إلى قدرة أكبر على تعبئة الأموال من الأسواق الدولية، ولذلك حصل البنك منذ 2018 على تصنيفات ائتمانية مرتفعة، منها AA+ من Standard & Poor’s وAA من Fitch وAAA من Japan Credit Rating Agency، وهو ما يساعده على الاقتراض بتكلفة أقل نسبيًا ثم توجيه الموارد إلى مشروعات التنمية.
من أين يأتي التمويل؟
يأتي الجزء الأكبر من قدرة بنك التنمية الجديد على التمويل من أسواق رأس المال، وليس فقط من مساهمات الدول الأعضاء، ويقوم البنك بإصدار السندات في الأسواق الدولية والمحلية، وبعملات مختلفة، إضافة إلى الاقتراض من مؤسسات مالية ومقرضين ثنائيين ومجمعات مصرفية، وفي عام 2024، جمع البنك ما يعادل 8.7 مليار دولار من خلال مجموعة متنوعة من أدوات التمويل، شملت إصدارات عامة وخاصة للسندات، إضافة إلى تسهيلات ائتمانية من مقرضين ثنائيين ومجمعين.
وتكشف هذه الأرقام عن نقطة شديدة الأهمية؛ وهي أن الدول المؤسسة لم تعد المصدر الوحيد للموارد التي يستخدمها البنك، فالدول تضع رأس المال، ثم يستخدم البنك قوته الائتمانية في الأسواق الدولية لجذب مدخرات المستثمرين وصناديق الاستثمار والبنوك المركزية والمؤسسات المالية وشركات التأمين، وتحويلها إلى قروض لمشروعات البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والتنمية المستدامة.
وهذا هو النموذج الذي يمكن أن يجعل بنك التنمية الجديد منافسًا حقيقيا في المستقبل: رأس مال سيادي، تصنيف ائتماني مرتفع، قدرة على الاقتراض من الأسواق، وإعادة إقراض الدول النامية، وكل دولار تضعه الدول الأعضاء في رأس المال يمكن، عبر عمليات الاقتراض والإدارة المالية، أن يساعد في تعبئة عدة دولارات إضافية من الأسواق.
العملة كسلاح تنافسي
أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية لبنك التنمية الجديد هو توجهه نحو التمويل بالعملات المحلية. وهذه النقطة قد تكون أكثر أهمية للجنوب العالمي من مجرد زيادة حجم القروض؛ لأن الاقتراض بالدولار أو اليورو يخلق مخاطر كبيرة على الدول النامية عندما تنخفض عملاتها المحلية أو ترتفع أسعار الفائدة العالمية.
وقد أصدر البنك في يناير 2025 سند باندا بقيمة 6 مليارات يوان لمدة خمس سنوات وبسعر فائدة 1.7%، بينما ارتفع إجمالي إصداراته من سندات الباندا إلى 61.5 مليار يوان آنذاك. وفي أغسطس 2025 أصدر البنك سندًا إضافيًا بقيمة 7 مليارات يوان، ليصل إجمالي إصدارات سندات الباندا إلى 75.5 مليار يوان.
وفي ديسمبر 2025 بلغ إجمالي إصدارات سندات الباندا التراكمية 78.5 مليار يوان، منها 47.5 مليار يوان قائمة، مع استمرار البنك في استخدام أسواق العملات المحلية لتقليل مخاطر الصرف وتطوير أسواق رأس المال المحلية. كما أعلن البنك استهدافه أن تصل نسبة التمويل المقدم بالعملات الوطنية للدول الأعضاء إلى 30% من إجمالي التزاماته التمويلية.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التنافس مع المؤسسات التقليدية: فإذا استطاعت دولة نامية الحصول على تمويل طويل الأجل بعملتها المحلية، فإنها تقلل تعرضها لصدمات الدولار، وبالتالي تصبح تكلفة المشروع أقل حساسية لتحركات أسعار الصرف.
حجم العمليات يتسع
تشير بيانات بنك التنمية الجديد إلى أن البنك وافق خلال عام 2024 على 15 مشروعًا بقيمة 4.511 مليار دولار، بينما بلغ عدد المشروعات الموجودة في محفظته بنهاية العام 105 مشروعات، بإجمالي تمويلات معتمدة بلغ 35.152 مليار دولار.
وفي عام 2025 وافق البنك على 19 مشروعًا بقيمة 3.171 مليار دولار، وارتفع عدد المشروعات في المحفظة إلى 115 مشروعًا، بقيمة تمويلات معتمدة بلغت 35.593 مليار دولار.
هذه الأرقام تؤكد أن البنك لا يزال أصغر بكثير من البنك الدولي من حيث الحجم، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن نمو مؤسسي مستمر. كما أن قيمة المحفظة التراكمية التي تقترب من 36 مليار دولار تعني أن البنك انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء محفظة فعلية من المشروعات التنموية.
أين تكمن الفجوة مع البنك الدولي؟
المقارنة الرقمية تظهر بوضوح أن بنك التنمية الجديد لا يستطيع حاليًا منافسة البنك الدولي حجمًا، فقد بلغ إجمالي التزامات مجموعة البنك الدولي في السنة المالية 2025 نحو 161.9 مليار دولار، منها 40.9 مليار دولار للبنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRD، و39.9 مليار دولار للمؤسسة الدولية للتنمية IDA، و71.7 مليار دولار لمؤسسة التمويل الدولية IFC.
كما بلغ رأس المال المكتتب به في IBRD نحو 326.8 مليار دولار حتى يونيو 2025، منها 22.9 مليار دولار رأس مال مدفوع، بينما تمكن البنك الدولي للإنشاء والتعمير خلال السنة المالية 2025 من جمع 64.5 مليار دولار من الديون متوسطة وطويلة الأجل.
وبالتالي فإن الحديث عن منافسة بنك التنمية الجديد للبنك الدولي يجب أن ينطلق من مفهوم مختلف للمنافسة. فالمنافسة الأولى ليست في من يملك الأموال الأكثر، وإنما في من يقدم نموذجًا أكثر ملاءمة للدول النامية.
المنافسة مع صندوق النقد
الأمر أكثر تعقيدًا في حالة صندوق النقد الدولي، لأن طبيعة المؤسستين مختلفة. فصندوق النقد يركز بصورة أساسية على استقرار ميزان المدفوعات والمالية العامة والنظام النقدي الدولي، بينما يركز بنك التنمية الجديد على البنية التحتية والتنمية المستدامة، ولذلك فإن المنافسة المباشرة بينهما محدودة، لكن يمكن أن تنشأ منافسة غير مباشرة على مصادر التمويل وشروطه.
يعتمد صندوق النقد أساسًا على حصص الدول الأعضاء، التي تمثل المصدر الدائم الرئيسي لموارده، بينما يستطيع استكمالها من خلال ترتيبات الاقتراض متعددة الأطراف والثنائية. ووفق بيانات الصندوق، بلغت ترتيبات الاقتراض الجديدة NAB نحو 364.4 مليار وحدة حقوق سحب خاصة SDR في أبريل 2025، كما بلغت الالتزامات الفعالة بموجب اتفاقيات الاقتراض الثنائية 118.5 مليار SDR في ذلك التاريخ.
وهنا يستطيع بنك التنمية الجديد أن يقدم مسارًا مختلفًا: بدلًا من أن تكون الأزمة المالية هي المدخل الأساسي للتمويل، يمكن أن يصبح الاستثمار في البنية الأساسية والطاقة والنقل والمياه والتحول الرقمي أداة لمنع الأزمات أصلًا وتحقيق نمو طويل الأجل.
غياب “الشرطية” كميزة تنافسية
أحد أكثر عناصر بنك التنمية الجديد أهمية هو تركيزه المعلن على تقديم حلول تمويلية مصممة وفق احتياجات الدول الأعضاء، من دون شروط سياساتية مماثلة لتلك المرتبطة عادة ببرامج الإصلاح الاقتصادي. وتوضح استراتيجية البنك أن احتياجات الدول الأعضاء والعملاء تمثل محورًا رئيسيًا في طريقة عمله، مع التركيز على تقديم منتجات وخدمات ملائمة دون.
وهذه المسألة يمكن أن تتحول إلى عنصر تنافسي قوي في الجنوب العالمي، خصوصًا بالنسبة للدول التي تحتاج إلى تمويل البنية التحتية ولا تريد أن يتحول الحصول على القرض إلى إعادة صياغة واسعة لسياستها الاقتصادية.
لكن لكي تتحول هذه الميزة إلى نجاح حقيقي، يجب ألا تعني غياب الشروط غياب الانضباط المالي والشفافية والحوكمة ودراسة الجدوى. فالمنافسة المستدامة لا تقوم على تقديم قروض سهلة، وإنما على تقديم تمويل سريع ومرن، مع الحفاظ على جودة المشروعات وقدرة الدول على السداد.
مصر والجنوب العالمي
تمثل عضوية مصر في بنك التنمية الجديد منذ فبراير 2023 فرصة مهمة لتطبيق هذا النموذج داخل الاقتصادات النامية، كما أن انضمام أعضاء جدد يوسع قاعدة البنك ويزيد حجم السوق التي يعمل فيها، ويتيح تنويع المخاطر ومصادر رأس المال وفرص الاستثمار، وقد انضمت الجزائر إلى البنك في مايو 2025، بينما سبق لمصر وبنغلاديش والإمارات وأوروجواي الانضمام إلى عضويته.
وكلما اتسعت العضوية، أصبح البنك أقل ارتباطًا بفكرة “بنك بريكس” بالمعنى الضيق، وأكثر قدرة على التحول إلى منصة تمويل للجنوب العالمي. وهذه النقلة هي التي يمكن أن تمنحه وزنًا تفاوضيًا أكبر أمام المؤسسات المالية الدولية القائمة.
نحو نموذج تنافسي ثلاثي
يمكن تصور النظام المالي الدولي مستقبلًا على أساس وجود ثلاثة مسارات متكاملة: البنك الدولي لتمويل التنمية العالمية، وصندوق النقد للاستقرار المالي والنقدي، وبنك التنمية الجديد كمصدر إضافي لتمويل البنية التحتية والتنمية في الاقتصادات الناشئة. ولا يعني ذلك إلغاء المؤسسات القديمة، بل خلق بيئة أكثر تعددية.
وحتى البنك الدولي نفسه يتحرك حاليًا باتجاه توسيع قدرته التمويلية من خلال أدوات جديدة، وضمانات، ورأس مال هجين، ومنصات لضمان المحافظ، إضافة إلى تعبئة رأس المال الخاص؛ وقد أشار البنك إلى أن هذه الأدوات يمكن أن تضيف ما يقرب من 20 مليار دولار من القدرة الإقراضية على مدى عشر سنوات، فضلًا عن استخدام ضمانات إضافية لتوليد نحو 10 مليارات دولار من القدرة على الإقراض.
ومن هنا فإن ظهور بنك التنمية الجديد لا يضغط على المؤسسات القائمة فقط؛ بل يدفعها أيضًا إلى الابتكار والتكيف. وهذه هي الفائدة الأوسع للمنافسة.
إن نجاح بنك التنمية الجديد في خلق حالة تنافسية حقيقية لن يعتمد على محاولة تقليد البنك الدولي أو صندوق النقد، وإنما على بناء نموذج مختلف للتمويل الإنمائي. وتتمثل عناصر هذا النموذج في قاعدة رأسمالية تبلغ 100 مليار دولار، وتصنيف ائتماني مرتفع، والاعتماد على أسواق رأس المال الدولية والمحلية، وتنويع العملات، والتوسع في التمويل بالعملات الوطنية، وإصدار السندات الخضراء والمستدامة، والتركيز على البنية التحتية والتنمية المستدامة.
والميزة الحقيقية لبنك التنمية الجديد ليست في قدرته الحالية على تجاوز البنك الدولي من حيث حجم التمويل؛ فالفجوة لا تزال كبيرة جدًا. لكنها تكمن في قدرته على إضافة خيار جديد أمام الدول النامية. فإذا استطاع تقديم تمويل أسرع، وتكلفة تنافسية، وآجال أطول، وتمويل بالعملات المحلية، مع الحفاظ على التصنيف الائتماني والحوكمة والشفافية، فإنه لن يحتاج إلى أن يحل محل البنك الدولي أو صندوق النقد حتى ينجح.
فالنجاح الحقيقي سيكون في أن يصبح وجود بنك التنمية الجديد سببًا في أن تقول الدولة النامية: لدي أكثر من مصدر للتمويل، وأكثر من نموذج للتنمية، وأكثر من خيار للتفاوض. وعندما تصل المنافسة إلى هذه المرحلة، فإن المستفيد الأكبر لن يكون بنك التنمية الجديد وحده، ولا البنك الدولي أو صندوق النقد، وإنما الدول النامية والجنوب العالمي بأكمله.