En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

آفاق الاستثمار والتكامل الاقتصادي:الشراكة الاقتصادية المصرية السعودية في ظل التحولات الإقليمية

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ولقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى القاهرة في توقيت لا يمكن فصل الاقتصاد فيه عن الجغرافيا السياسية للمنطقة؛ فالعلاقات المصرية السعودية لم تعد مجرد علاقات تجارية أو استثمارية تقليدية، وإنما أصبحت تمثل أحد أهم محاور الاستقرار الاقتصادي العربي، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

 ومن هذه الزاوية، فإن زيارة ولي العهد إلى مصر تحمل مضمونًا اقتصاديًا يتجاوز الاتفاقيات والأرقام المباشرة، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل بين أكبر اقتصادين عربيين من حيث الوزن والتأثير الإقليمي، خصوصًا مع امتلاك البلدين مقومات متكاملة تجمع بين رأس المال السعودي، والسوق المصرية الضخمة، والقاعدة الإنتاجية المصرية، والموقع الجغرافي الذي يربط الخليج بالبحر المتوسط وأفريقيا.

وتستند هذه الشراكة إلى قاعدة اقتصادية قوية؛ فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية 16 مليار دولار خلال عام 2024، فيما بلغ حجم التبادل التجاري خلال السنوات الخمس الأخيرة نحو 72 مليار دولار، وهو ما يعكس عمق التشابك بين الاقتصادين، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن إمكانات أكبر بكثير يمكن استثمارها خلال المرحلة المقبلة. فالمطلوب لم يعد مجرد زيادة قيمة التجارة، وإنما إعادة تشكيلها بحيث تنتقل من تجارة السلع والخدمات إلى تكامل صناعي وإنتاجي يربط الشركات المصرية والسعودية وسلاسل الإمداد والأسواق الخارجية، ويجعل البلدين منصة مشتركة للتصدير إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا والعالم العربي.

مجلس التنسيق

وفي هذا السياق، يمثل مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي الأداة المؤسسية الأهم لتحويل قوة العلاقات السياسية إلى مشروعات اقتصادية قابلة للتنفيذ؛ فالمجلس، الذي تم تشكيله خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في أكتوبر 2024، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إطار للتنسيق الحكومي، وإنما باعتباره مظلة استراتيجية لإدارة ملفات الاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة والنقل واللوجستيات، وربط القطاع الخاص في البلدين بالمؤسسات الحكومية والصناديق السيادية، وقد امتد التعاون بالفعل إلى التنسيق بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي وصندوق مصر السيادي، إلى جانب العمل على تعزيز التكامل الصناعي في عشرات القطاعات، وتطوير الجمارك والنقل والتجارة الرقمية والمدفوعات الإلكترونية.

والأهمية الحقيقية لهذا المسار أن العلاقات المصرية السعودية أصبحت تمتلك بصورة أكثر وضوحًا بنية مؤسسية قادرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قرارات استثمارية؛ وهو ما يفتح المجال أمام انتقال رؤوس الأموال السعودية إلى قطاعات إنتاجية أكثر ارتباطًا بالتنمية المصرية، وفي مقدمتها الصناعة، والطاقة الجديدة والمتجددة، والبتروكيماويات، والتعدين، والصناعات الدوائية والغذائية، واللوجستيات، وتكنولوجيا المعلومات، وتحلية المياه، والنقل، والسيارات الكهربائية، وتزداد جاذبية مصر للاستثمار السعودي لأن الاستثمار لا يستهدف السوق المصرية وحدها، وإنما يمكن أن يستفيد من موقع مصر باعتبارها بوابة إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية، وهو ما يمنح رأس المال السعودي فرصة لبناء منصات إنتاج وتصدير إقليمية من داخل مصر.

استثمارات نوعية

وتأتي قوة الاستثمارات السعودية في مصر لتدعم هذه المعادلة؛ إذ تشير البيانات الحكومية المصرية إلى وصول الاستثمارات السعودية إلى نحو 25 مليار دولار، مع تحقيق تقدم كبير في معالجة التحديات التي واجهت المستثمرين السعوديين. وهنا تبرز فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة جذب الاستثمارات إلى مرحلة تعظيم العائد الاقتصادي منها، عبر توجيه جزء أكبر من هذه الاستثمارات نحو القطاعات التي تزيد الإنتاج والصادرات وتوطّن التكنولوجيا وتخلق فرص العمل، بدل أن تظل الاستثمارات متركزة بصورة أكبر في الأنشطة التقليدية. فالهدف الأهم بالنسبة للاقتصاد المصري ليس فقط دخول الدولار، وإنما أن يتحول الدولار المستثمر إلى مصنع، وسلسلة إنتاج، وصادرات، وفرص عمل، وتكنولوجيا، وقيمة مضافة.

ومن هنا يمكن فهم الدور السعودي المساند للاقتصاد المصري بصورة أوسع من مفهوم الدعم المالي المباشر؛ فالمعادلة الأكثر استدامة في المرحلة المقبلة تتمثل في الاستثمار والتجارة والتمويل والشراكة الإنتاجية.

 فالسعودية تمتلك فوائض مالية وصناديق استثمارية ضخمة تبحث عن فرص واعدة، بينما تمتلك مصر سوقًا كبيرة وقاعدة صناعية وبشرية وموقعًا استراتيجيًا وبنية أساسية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية. وبالتالي فإن الجمع بين هذه المزايا يمكن أن ينتج نموذجًا اقتصاديًا أكثر استدامة يقوم على المصالح المتبادلة، بحيث يصبح الاستثمار السعودي أحد محركات النمو والإنتاج والتصدير في مصر، وفي المقابل تتحول مصر إلى منصة إقليمية لرأس المال السعودي.

تكامل الطاقة

ولا تقف فرص التكامل عند الاستثمار والتجارة، بل تمتد بقوة إلى قطاع الطاقة، الذي يمكن أن يصبح أحد أعمدة الشراكة خلال السنوات المقبلة. فالربط الكهربائي بين البلدين يمثل مشروعًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد تبادل الطاقة، لأنه يفتح الباب أمام بناء سوق كهرباء إقليمية أكثر ترابطًا، إلى جانب التعاون في النفط والغاز والبتروكيماويات والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

 ومع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، فإن التكامل المصري السعودي يمكن أن ينتقل من التعاون في مصادر الطاقة التقليدية إلى بناء مشروعات مشتركة في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين ومراكز تخزين ونقل الطاقة، بما يعزز قدرة البلدين على جذب الاستثمارات العالمية.

لكن الاقتصاد لا يعمل في فراغ؛ ولذلك فإن البعد الأكثر أهمية في الشراكة المصرية السعودية خلال المرحلة الحالية يرتبط بـ البحر الأحمر. فمصر والسعودية تقعان على جانبي واحد من أهم الممرات التجارية في العالم، وقناة السويس وباب المندب والموانئ المصرية والسعودية تشكل معًا منظومة شريان تجاري تصل بين آسيا وأوروبا.

وأي اضطراب في هذه المنطقة لا يمثل مشكلة أمنية فقط، وإنما يتحول فورًا إلى تكلفة اقتصادية عالمية من خلال ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة زمن الرحلات، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع، وهو ما يجعل أمن البحر الأحمر جزءًا مباشرًا من الأمن الاقتصادي لمصر والسعودية والمنطقة والعالم.

أمن البحر الأحمر

وتزداد خطورة هذه المسألة في ظل استمرار التوترات والهجمات التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وما تسببه من ضغوط على حركة السفن وسلاسل التجارة الدولية. وبالنسبة لمصر، فإن القضية ترتبط بصورة مباشرة بإيرادات قناة السويس وبمكانتها كمركز عالمي للنقل البحري والخدمات اللوجستية، بينما ترتبط بالنسبة للسعودية بأمن موانئها وسلاسل تصدير الطاقة وحركة التجارة على ساحل البحر الأحمر. ولذلك فإن المصلحة الاقتصادية المصرية السعودية في تأمين البحر الأحمر أصبحت واحدة من أهم نقاط الالتقاء الاستراتيجي بين البلدين.

ومن هنا تكتسب فكرة التعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن أهمية اقتصادية متزايدة؛ فالأمن البحري لا يمكن أن ينفصل عن التنمية الاقتصادية للموانئ والممرات التجارية، ويمكن للدول المشاطئة أن تنتقل من التعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجرد مساحة أمنية إلى بناء منظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة تشمل حماية الملاحة، وتطوير الموانئ، وربط المناطق الصناعية، وتبادل المعلومات، وتأمين خطوط الطاقة، وتطوير الخدمات البحرية، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية. وفي هذا الإطار، تستطيع مصر والسعودية أن تلعبا دورًا محوريًا في بناء هذا التصور بحكم موقعهما وقدرتهما الاقتصادية وتأثيرهما الإقليمي.

قناة السويس

وبذلك فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة يمكن قراءتها باعتبارها فرصة لإعادة تعريف الشراكة الاقتصادية المصرية السعودية؛ فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على زيادة التبادل التجاري أو ضخ استثمارات جديدة، وإنما على بناء شبكة متكاملة من المصالح تبدأ من رأس المال والاستثمار، وتمتد إلى الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والنقل واللوجستيات والموانئ، وصولًا إلى حماية طرق التجارة الدولية. وإذا نجح البلدان في تحويل هذه الرؤية إلى مشروعات فعلية، فإن الشراكة المصرية السعودية يمكن أن تتحول من علاقة اقتصادية قوية إلى محور اقتصادي إقليمي مؤثر في حركة التجارة والاستثمار والطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

والرسالة الاقتصادية الأهم من زيارة ولي العهد إلى القاهرة هي أن مصر والسعودية لا تملكان فقط حجمًا اقتصاديًا كبيرًا، وإنما تملكان عناصر التكامل التي تجعل من الشراكة بينهما قوة اقتصادية حقيقية؛ رأس المال السعودي يلتقي مع السوق المصرية، والاستثمار يلتقي بالإنتاج، والطاقة تلتقي بالصناعة، والموانئ تلتقي بسلاسل الإمداد، وقناة السويس تلتقي بموانئ البحر الأحمر، بما يخلق منظومة قادرة على مواجهة المخاطر الإقليمية وتحويل الموقع الجغرافي من مصدر للمخاطر إلى ميزة اقتصادية واستثمارية استراتيجية.

محور اقتصادي جديد

وهنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة المصرية السعودية، ليس فقط في حجم الأموال التي يتم استثمارها، وإنما في قدرتها على بناء اقتصاد إقليمي أكثر تكاملًا، وتأمين شرايين التجارة العالمية، وتحويل البحر الأحمر من منطقة تتعرض للصدمات إلى أحد أهم محاور النمو والاستثمار والتجارة في المنطقة. فالرهان الحقيقي لم يعد على مليارات جديدة فقط، وإنما على بناء منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج الثروة وحماية حركة التجارة وتعزيز القدرة التنافسية لمصر والسعودية في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

د.محمد الطماوي

د.محمد الطماوي

كاتب وباحث - برنامج دكتوراة الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، حاصل على الماجستير في الاقتصاد من الجامعة ذاتها، ودبلوم الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودبلوم الأمن القومي من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا - مدرب معتمد من المجلس الأعلي للجامعات - مدرب معتمد محترف دوليا من جامعة ميزوري الأمريكية وجامعة القاهرة

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.