En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

فلسطين عنوان الحضور المصري في قضايا المنطقة

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

شكلت القضية الفلسطينية جوهر الأمن القومي المصري والركيزة الثابتة في صياغة السياسة الخارجية، ولم تقتصر الدبلوماسية المصرية على تبني الموقف الفلسطيني في المحافل الإقليمية والدولية فحسب، بل وظفت ثقلها الجيوسياسي وعلاقاتها الدولية لمنح القضية زخمًا مستدامًا حجز لها مقعدًا دائمًا على الأجندة العالمية.

وانطلاقا من كون القضية الفلسطينية النواة الأساسية في الثوابت والتوجهات السياسية المصرية، يبرز التساؤل الرئيسي حول الآليات والأدوات التي وظفتها القاهرة لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، لا سيما بعد أن أُهملت لسنوات طويلة في طي النسيان نتيجة متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وموازين قوى اختلت لصالح الاحتلال على حساب الحقوق الفلسطينية.

يعدّ دفاع الجيش المصري والدعم الدبلوماسي المصري امتدادا منطقياً لمركزية القضية الفلسطينية في العقيدة العسكرية المصرية وفي الوجدان الشعبي والسياسي، فقد خاض الجيش المصري حروباً متعددة دفاعاً عن الحقوق الفلسطينية، وسالت دماء شهدائه على أرض فلسطين، لتبقى قبورهم شواهد حية تثبت أن القضية الفلسطينية لم تكن يوماً ملفاً طارئاً في الدبلوماسية المصرية، بل ركيزة راسخة في الوعي الجمعي للقيادة والشعب المصري على حد سواء.

وقد عبرت السياسة الخارجية المصرية على مدار العقود عن دعمها الثابت لنضال الشعب الفلسطيني وكفاحه المشروع حتى نيل حريته واستقلاله، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وضمان حق تقرير المصير، مع رفضها القاطع لأي محاولة للانتقاص من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد تجسد هذا الموقف الحازم بأجلى مظاهره إبان حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة، حيث تصدت القاهرة بحزم لمخططات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى تهجير أهالي القطاع قسريًا نحو سيناء، معلنةً إياها خطًا أحمر وتهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

لذلك رسمت السياسة الخارجية المصرية ركائز عديدة للحفاظ على القضية الفلسطينية وإعادة صدارتها على الاجندة الدولية من خلال المحاور التالية:

التحرك السياسي والدبلوماسي متعدد الأطراف: عملت القاهرة على طرح الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني باستمرار في كافة المحافل والمنابر الدولية، ولا سيما عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، فضلاً عن إدراجها في صدارة جدول أعمال القمم الثنائية والجماعية التي تجمع القيادة المصرية بقادة وزعماء العالم، وقد برز ذلك جلياً في المباحثات الاستراتيجية المتقاطعة مع القوى الدولية الفاعلة، مثل اللقاءات الرئاسية المشتركة الاخيرة مع القيادة الصينية التي شددت على حتمية إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، كما تجسد هذا الحراك بوضوح في خطابات مصر أمام التكتلات الدولية الكبرى مثل قمة “بريكس”، حيث ركز الخطاب المصري على ضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية ورفع الظلم الواقع عن الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن تجاوز الأزمة يتطلب تضافر الجهود الدولية والدبلوماسية لصون بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه التاريخية وتمكينه من حقوقه المشروعة استنادًا إلى القرارات الأممية.

ولم يقتصر الدور المصري على طرح القضية في المحافل الدولية فحسب، بل ساندت مصر بكافة إمكاناتها التحركات السياسية والدبلوماسية الفلسطينية الرامية لانتزاع اعترافات دولية بالحقوق الفلسطينية. فقد وظفت القاهرة ثقلها الدبلوماسي وشبكة علاقاتها الاستراتيجية للضغط على العديد من دول العالم وإقناعها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما أسفر تدريجيًا عن وصول عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى ما يقارب 160 دولة بوصفها دولة كاملة السيادة، فضلاً عن رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في المحافل العالمية.

وإلى جانب ذلك، لعبت الدبلوماسية النشطة لمصر دورًا محوريًا في مخاطبة الرأي العام الدولي وتفكيك السردية الإسرائيلية المضللة التي طالما حاصرت التحرك العربي والفلسطيني لعقود، ونجحت في فضح ممارسات الاحتلال وتعرية محاولاته المستمرة لتقمص دور الضحية على حساب حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

التحرك القانوني وتوثيق جرائم الاحتلال: لعبت القاهرة دورًا محوريًا في المسار القانوني الدولي لفضح جرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات جسيمة الجسامة ضد الإنسانية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. وشكلت المرافعة القانونية والمذكرات التي قدمتها مصر أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تحولاً مركزياً في السياق الحقوقي للدعاوى المرفوعة لمساءلة الاحتلال عن جرائم الحرب التي اقترفها بحق الشعب الفلسطيني.

وإلى جانب ذلك، قدمت مصر دعمًا استثنائيًا للمؤسسات القانونية والحقوقية الفلسطينية، مستفيدةً من خبراتها المتراكم والإمكانات البشرية واللوجستية المؤسسية التي تمتلكها، وقد ساعد هذا الإسناد الحراك الفلسطيني على توثيق الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بطريقة مهنية قابلة للصمود أمام الهيئات القضائية والحقوقية العالمية، مما ساهم في إقناع الرأي العام والمجتمع الدولي بعدالة القضية الفلسطينية وبطلان ممارسات الاحتلال الذي طالما انتهك نصوص القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، وكافة الشرائع والمواثيق الدولية.

الوساطة متعددة الأطراف ودعم صمود الأشقاء: خاضت مصر جهودًا متواصلة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ اليوم الأول للعدوان، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تنجح فيها القاهرة في صياغة ورعاية اتفاقيات التهدئة في القطاع؛ إلا أن هذه الحرب الاستثنائية تطلبت آليات وأدوات مختلفة في التعامل مع حكومة الاحتلال المتطرفة التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وأعلنت صراحةً عن نواياها في تهجير الشعب الفلسطيني، وقد جاء الرد المصري حاسمًا باعتبار هذا المخطط تهديدًا مباشرًا للأمن القومي وخطًا أحمر لن تتهاون القاهرة في مواجهته ولن تسمح بتنفيذه نحو سيناء، ولتحقيق ذلك عملت مصر بتنسيق وثيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لوقف حمام الدم والقتل الممنهج، واستطاعت أن تلعب دورًا محوريًا في حث الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب على ممارسة ضغوط جادة على حكومة الاحتلال للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، والذي جرى توقيعه في شرم الشيخ بتاريخ 11 أكتوبر بحضور دولي بارز، وهو ما منح الاتفاق زخمًا سياسيًا كبيرًا. ورغم هشاشة الاتفاق والمحاولات الإسرائيلية المستمرة لإفشاله، تواصل الدبلوماسية المصرية مساعي الوساطة لتثبيت وقف إطلاق النار بالكامل وتنفيذ بنوده، بما يجهض مخططات اليمين الإسرائيلي الرامية لطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

ولم تقتصر الجهود المصرية على المسارين الدبلوماسي والسياسي، بل شكلت المساعدات الإنسانية التي قدمتها القاهرة شريان حياة حقيقيًا لدعم صمود وبقاء الشعب الفلسطيني في القطاع؛ إذ تعرض القطاع لحرب إبادة وتجويع ممنهج وحرمان من أبسط مقومات الحياة وسط دمار هائل طال كافة البنى التحتية.

وقد تحمل الشعب المصري والدولة المصرية العبء الأكبر في تأمين وإيصال هذه المساعدات بكافة أشكالها، رغم العراقيل الإسرائيلية المستمرة ومحاولات فرض أمر واقع عبر استغلال التصعيد العسكري والترتيبات الأمنية لمعبر رفح، وفي هذا السياق، أكدت اليقظة والسيادة المصرية مرارًا أن معبر رفح هو معبر حدودي يجمع بين مصر وفلسطين، ولا سيادة إسرائيلية عليه بأي شكل من الأشكال.

رعاية الحوار والمصالحة الفلسطينية: تواصل القاهرة استضافتها الحثيثة للفصائل الفلسطينية بهدف إنهاء الانقسام، حيث عُقدت جولات حوارية متعددة أثمرت عن تفاهمات واتفاقات سعت طوال الوقت لإعادة اللحمة الوطنية.

 وتدرك القيادة المصرية أن تحقيق الوحدة الفلسطينية يشكل عاملًا أساسيًا وضرورة ملحة لتعزيز حضور القضية على الأجندة الدولية دون ثغرات أو ثقوب تنفذ من خلالها المشاريع المناهضة للحقوق الفلسطينية، لا سيما في ظل تداعيات حرب الإبادة في قطاع غزة وممارسات التطهير العرقي في الضفة الغربية ووسط مساعٍ محمومة من حكومة الاحتلال اليمينية لتصفية الوجود الفلسطيني، وشطب الكيانية السياسية، وضم الأراضي الفلسطينية لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا وفق أوهام “إسرائيل الكبرى”، تبذل القاهرة جهودًا مضنية لرص الصفوف وتوحيد الرؤى عبر تنسيق دائم بين القيادتين المصرية والفلسطينية، وبالتعاون الوثيق مع الشركاء والأشقاء العرب.

وفي هذا السياق الدبلوماسي المكثف، تستضيف القاهرة قممًا رفيعة المستوى تجمع القيادة المصرية بنظيراتها الفلسطينية والعربية، حيث سيلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية والرئيس الفلسطيني محمود عباس وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتباحث في القضايا المشتركة وتداعيات الازمات والحروب المشتعلة في الإقليم على استقرار وامن وسلام الشعوب والمصير المشترك.

خاتمة: تواصل السياسة الخارجية المصرية حراكها السياسي، والدبلوماسي، والقانوني، والإنساني على كافة المستويات، لتظل القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره متصدرةً الأجندة الدولية، وعلى الرغم من ازدحام المشهد الدولي بالعديد من البؤر الساخنة ومحاولات بعض الأطراف تهميش الاهتمام العالمي بالقضية، إلا أن أولوية الدولة المصرية ظلت راسخة وثابتة في الحفاظ على الحضور الفلسطيني الفاعل دولياً وإقليمياً، حتى نيل الحرية والاستقلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وفاءً لتاريخ طويل من النضال المشترك وحمايةً حقيقية للأمن القومي والاستراتيجي لمصر وفلسطين.

 
د.مراد حرفوش

د.مراد حرفوش

كاتب وباحث سياسي فلسطيني، وخبير في الشؤون الإسرائيلية والقضايا السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وتطورات الشرق الأوسط، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وله إسهامات بحثية وتحليلية في تناول قضايا الصراع العربي–الإسرائيلي، والسياسة الإسرائيلية، والتحولات الإقليمية والدولية.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.