بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، لم يعد ممكنا تقييم المواجهة بالاستناد فقط إلى حجم الخسائر العسكرية الايرانية أو مدى الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي والصاروخي، فامتداد الحرب واتساع نطاق تداعياتها نقلا مركز النقاش إلى مستقبل النظام الإيراني، وقدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وحدود قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية.
في المقابل، أظهرت تطورات الحرب أن إيران، رغم ما تعرضت له من ضربات وضغوط، لا تزال قادرة على توظيف أدواتها لرفع كلفة المواجهة وتوسيع تداعياتها خارج حدودها، عبر القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والتأثير في أمن الملاحة والطاقة، ناهيك عن شبكة القوى المسلحة المرتبطة بها على المستوى الاقليمي، وبذلك لم تعد الحرب مواجهة ثنائية فحسب، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في الحسابات الأمنية والاقتصادية لدول الخليج وفي حركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي موازاة ذلك، بدأت ملامح تحول أوسع تظهر في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فدول الخليج باتت تعيد النظر في مفهوم الردع وفي طبيعة ترتيباتها الأمنية، بينما يبرز دور أكبر لتركيا وباكستان، في حين تحاول روسيا والصين حماية مصالحهما وعلاقاتهما مع طهران دون الانخراط العسكري المباشر في اي مواجهة عسكرية، ومن ثم، قد لا تقاس النتيجة الأهم للحرب بمصير النظام الإيراني وحده، بل بما ستتركه تلك الحرب من أثر على بنية النظام الإقليمي وشبكة التوازنات التي حكمت المنطقة خلال السنوات الماضية.
أولًا: هل أصبح بقاء النظام الإيراني مهددا؟
تعرضت إيران منذ بداية الحرب لأحد أقسى الاختبارات منذ قيامها عام 1979، ولم تقتصر الضربات الامريكية-الاسرائيلية على المنشآت العسكرية والنووية، بل امتدت لتطال مستويات عليا في بنية القيادة. وكان مقتل المرشد علي خامنئي في بداية الحرب نقطة تحول أساسية، أعقبها اختيار مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا في 8 مارس، في انتقال للسلطة جرى في ظل ظروف استثنائية، ما أعاد طرح مسألة الدور الذي يؤديه الحرس الثوري في الحفاظ على تماسك النظام وترتيب مراكز القوة داخله. بمعنى آخر اصبحت هناك تساؤلات حول طبيعة صنع القرار ومدى تغير موازين القوة داخل النظام الايراني. ومع ذلك، أظهرت الأشهر التالية أن إضعاف النظام لا يعني انهياره بالضرورة. فعلى الرغم من خسارة شخصيات سياسية وعسكرية بارزة واستمرار الضغط على البنية التحتية والقدرات العسكرية، حافظت مؤسسات الدولة على قدر من الاستمرارية، بينما واصل الحرس الثوري دوره المركزي في إدارة الداخل الايراني على المستويين العسكري والأمني. لذلك، قد يكون التحول الأهم ليس سقوط النظام بصورة مفاجئة، بل كيفية إعادة توزيع القوة داخله. فاستمرار الحرب وما تفرضه من أولويات أمنية وعسكرية منح الحرس الثوري والأجهزة الأمنية وزنًا أكبر على حساب بعض المؤسسات السياسية والدينية التقليدية، فقد لاحظنا تشدد الحرس الثوري وعدم تناغمه الكامل مع المستوى السياسي حيث دفع استمرار امد الحرب نحو تبني الحرس صيغة أكثر أمنية وعسكرية في ادارة البلاد سواء داخليا او خارجيا.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الوضع الاقتصادي. فالعقوبات والقيود على التجارة وصادرات النفط بفعل الحصار الامريكي للموانىء الايرانية، إلى جانب اضطراب الملاحة، تستنزف قدرة الاقتصاد الإيراني على التكيف. كما أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط يحمل في الوقت ذاته تكلفة مزدوجة؛ فهو يرفع الكلفة على الخصوم وأسواق الطاقة، لكنه يضغط أيضًا على قدرة طهران على تبادل التجارة والحصول على الإيرادات. ومن ثم، قد ينشأ الخطر الأكبر على النظام الايراني من تفاعل الاستنزاف العسكري مع الضغوط الاقتصادية وتآكل الشرعية السياسية، خصوصًا إذا اقترن ذلك بانقسامات داخل النخبة السياسية أو اضطرابات اجتماعية واسعة داخل المجتمع الإيراني.
ثانيًا: حرب يمكن إطالتها… ولكن يصعب حسمها
أظهرت الحرب وجود فارق واضح بين تحقيق التفوق العسكري وتحويله إلى نتيجة سياسية حاسمة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قدرة أكبر على استهداف المنشآت الإيرانية وإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية لطهران، لكن بالمقابل تحتفظ طهران بأدوات تسمح لها برفع كلفة الحرب على خصومها وعلى الاقتصاد العالمي في الوقت نفسه، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوى المسلحة المرتبطة بها في المنطقة. وبرزت خطورة هذا العامل مع تطورات سبتمبر الجاري، حين تراجعت حركة الملاحة وتصاعدت الهجمات على السفن والبنية التحتية للطاقة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل. كما تعرض خط أنابيب سعودي استراتيجي لهجوم، حيث جرى استهدف خط أنابيب النفط (شرق-غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بواسطة طائرات مسيرة انطلقت من العراق، بما أظهر قدرة الحرب على نقل جزء من كلفتها إلى دول الجوار وإلى شبكات الطاقة والتجارة العالمية. تتمتّع واشنطن وتل أبيب بالقدرة على مواصلة الضغط وتقويض الإمكانات الإيرانية، إلا أن بلوغ غاية تغيير النظام أو إجباره على رضوخ سياسي تام يستلزم تدخلاً عسكرياً أوسع، محفوفاً بالأثمان الباهظة والمخاطر. وفي المقابل، تملك طهران أوراقاً لتعطيل الملاحة وإمدادات الطاقة، لكنها لا تملك قدرة اقتصادية غير محدودة لخوض حرب استنزاف مفتوحة. بناءً على ذلك، لا يُقاس حسم المعركة بحجم الترسانة العسكرية الفتاكة فحسب، بل بالقدرة على تحمل عامل الوقت وتبعاته.
ثالثًا: هل لا تزال المفاوضات ممكنة؟
على الرغم من تمدد رقعة المواجهات العسكرية، يظل المسار الدبلوماسي محتفظاً بمركزيته، بل إن الفاتورة الباهظة للحرب قد تحوّل التفاوض إلى ضرورة ملحة لا مفر منها. ومع ذلك، فإن إعادة إنتاج صيغة المفاوضات النووية الكلاسيكية لم تعد مجدية، بعد أن تجاوزت الأزمة الراهنة حدود الملف النووي لتشمل أبعاداً إقليمية وأمنية أكثر تعقيداً.
وفي هذا المشهد المعقد، تبرز الوساطة العُمانية كقناة حيوية؛ إذ أطلقت مساراً خاصاً بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز منذ حزيران/يونيو 2026، تلاها زخم من المباحثات السياسية والفنية خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس. ورغم التوصل في 25 آب/أغسطس إلى مناقشة إطار مرحلي يضمن ممرّاً ملاحياً مؤقتاً ومشروعاً لتطهير المضيق من الألغام، فإن استعصاء فتح الممر المائي بالكامل يبرهن على أن صياغة الترتيبات التقنية أيسر بكثير من إبرام تسوية سياسية وأمنية شاملة. وعليه، تبدو مقاربة “الصفقة الكبرى” بعيدة المنال مقارنة بمسار تفاوضي مرحلي يبدأ بخفض التصعيد وتأمين خطوط الطاقة، لينتقل لاحقاً إلى خفض العمليات العسكرية، وصولاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً؛ وهي تفاهمات مجزأة كفيلة بمنع الانزلاق نحو حرب شاملة دون رهن الحل بتسوية الخلافات دفعة واحدة.
رابعًا: إعادة تشكيل خريطة التحالفات والتوازنات الإقليمية
ولعل النتيجة الأكثر ديمومة لحرب 2026 تكمن في التحول الجذري الملموس الذي طرأ على العقيدة الأمنية لدول المنطقة وإعادة تموضع تحالفاتها. فلم يعد المشهد الإقليمي خاضعاً للاستقطاب التقليدي الحاد بين محور أمريكي–إسرائيلي في مواجهة إيران المسنودة سياسياً من روسيا والصين؛ بل أفسح المجال لولادة شبكة تحالفات أكثر مرونة، تسعى من خلالها القوى الإقليمية إلى الموازنة بين شراكاتها التاريخية وتوطيد استقلاليتها الاستراتيجية، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.
ويبرز في هذا السياق اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، الذي ينص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ولا يعني ذلك بالضرورة ظهور «ناتو شرق أوسطي»، لكنه يعكس اتجاهًا نحو تنسيق دفاعي وأمني أكثر تنظيمًا. وسيعتمد مدى تطور هذه العلاقة على طبيعة الالتزامات الفعلية بين الدول الثلاث وقدرتها على التوفيق بين مصالحها الإقليمية المختلفة.
وفي الجانب الآخر، أظهرت الحرب حدود الشراكة الإيرانية مع روسيا والصين. فموسكو وبكين لا ترغبان في إضعاف إيران بصورة تغير ميزان القوى لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها، لكن هذه المصالح لم تتحول إلى استعداد للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة دفاعًا عن طهران. وهو ما يبرز الفارق بين الشراكة الاستراتيجية والتحالف الدفاعي، وقد يدفع إيران إلى إعادة تقييم مدى قدرتها على الاعتماد على القوى الكبرى في لحظات التهديد المباشر.
وفي الوقت ذاته، تواجه شبكة النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن ضغوطاً متصاعدة، دون أن يؤدي ذلك إلى تجريدها تماماً من أوراق التأثير؛ إذ لا تزال الفصائل الموالية لطهران تملك القدرة على توسيع رقعة الصراع، لا سيما في المشهدين العراقي واليمني وضمن ممرات الملاحة الدولية. ومع ذلك، فإن الحصار العسكري والاقتصادي المفروض على طهران بات يقلص بوضوح من الموارد المالية واللوجستية المتاحة لدعم هذه الأطراف، بالتوازي مع تنامي مخاوف وحساسية الحكومات المحلية المعنية من مغبة تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات وامتداداً لتداعيات الحرب.
خامسا: ما بعد الحرب… ثلاثة مسارات محتملة
السيناريو الأول: تسوية محدودة ومتدرجة
في ضوء استمرار قنوات الوساطة وارتفاع الكلفة الاقتصادية والأمنية للمواجهة، تبدو التسوية المحدودة والمتدرجة أحد المسارات الأكثر قابلية للتحقق في المدى القريب. وقد تبدأ بوقف العمليات العسكرية الكبرى وتأمين الممرات البحرية وخفض التصعيد، ثم فتح مسارات تفاوض منفصلة حول القضايا الأكثر تعقيدًا. وتوفر هذه الصيغة مخرجًا لا يتطلب من أي طرف إعلان الهزيمة، لكنها ستظل هشة ما لم تتوافر آليات تمنع العودة السريعة إلى التصعيد.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
قد تستمر المواجهة عند مستوى منخفض إلى متوسط الحدة، تتخلله موجات من التصعيد والضربات المتبادلة. وفي هذه الحالة يمكن أن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على القدرات الإيرانية، بينما تستخدم إيران أدوات غير متماثلة لرفع الكلفة. والخطر هو تحول الحرب إلى حالة شبه دائمة من عدم الاستقرار، مع تداعيات متكررة على الملاحة وأسواق الطاقة والاستثمار، وعبء أمني متزايد على دول الخليج.
السيناريو الثالث: انتقال الأزمة إلى داخل النظام
وقد يفضي تزامن الانحدار الاقتصادي مع التبعات القاسية للحرب، والانقسامات البينية داخل النخبة الحاكمة أو اندلاع احتجاجات شعبية عارمة، إلى نقل ثقل الأزمة من خطوط المواجهة الخارجية إلى عمق البنية الداخلية للنظام. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يحتم بالضرورة الانهيار الفوري لطهران؛ إذ قد تلوذ مؤسسات الحُكم بخيار المركزية المطلقة، وينزاح مركز الثقل المؤسسي بوضوح لصالح الحرس الثوري والمنظومة الأمنية. وينتج عن ذلك صيغة حُكم أكثر راديكالية وعسكرة، وأقل ارتكازاً على ركائز الشرعية التقليدية، مما ينقل النقاش الاستراتيجي من التساؤل حول بقاء النظام إلى التساؤل حول ماهية وهيكلية النظام الجديد نفسه.
الخلاصة: أي إيران ستخرج من الحرب؟
بعد أكثر من ستة أشهر من المواجهة، لم يؤد الضغط العسكري والاقتصادي إلى انهيار النظام الإيراني، كما لم تستطع طهران فرض تراجع استراتيجي على الولايات المتحدة وإسرائيل. وبين هذين الحدين تتشكل معادلة أكثر تعقيدًا: إيران أضعف مما كانت عليه قبل الحرب، لكنها لم تُهزم؛ وخصومها يمتلكون تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنهم لم يحولوه حتى الآن إلى نتيجة سياسية حاسمة.
إذا انتهت المواجهة بتسوية، ستواجه إيران ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها في ظل تراجع جزء من قدراتها وارتفاع تكلفة استعادة نفوذها الإقليمي بالوسائل السابقة. وإذا استمرت الحرب، فقد يتسارع انتقال مركز القوة نحو الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية. أما إذا اقترنت الحرب بأزمة اقتصادية وسياسية داخلية واسعة، فقد تبدأ عملية أعمق لإعادة تشكيل السلطة يصعب التنبؤ بنتائجها.
وفي المقابل، لن تقتصر آثار الحرب على إيران. فقد دفعت الأزمة دول الخليج إلى مراجعة مفاهيم الأمن والردع، وأعادت التأكيد على أهمية الممرات البحرية والبدائل اللوجستية، وأبرزت أدوارًا متنامية لتركيا وباكستان، كما كشفت حدود الدعم الذي تستطيع روسيا والصين تقديمه لطهران في مواجهة عسكرية مباشرة. وأكدت كذلك أن أمن الخليج والطاقة والتجارة العالمية ملفات مترابطة، وأن أي اضطراب في هرمز أو باب المندب ينتقل سريعًا إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
وعليه، قد لا تكون النتيجة الاستراتيجية الأهم للحرب سقوط النظام الإيراني أو بقاؤه، بل طبيعة إيران التي ستخرج منها وشكل النظام الأمني الإقليمي الذي سيتبلور حولها. وبذلك يصبح السؤال: ليس فقط هل ستبقى ايران، وإنما أي إيران ستبقى، وفي أي شرق أوسط؟ Top of FormBottom of FormTop of FormBottom of Form