شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في توزيع القوة السياسية والاقتصادية، أدت إلى بروز قوى ومراكز جديدة تسعى إلى التأثير في قواعد الحوكمة العالمية وآليات صنع القرار الدولي. وفي هذا السياق، برز تجمع بريكس بوصفه أحد أبرز مظاهر التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية، لا سيما مع اتساع عضويته وتنامي قدرته الاقتصادية والسياسية وتطور آليات التعاون بين أعضائه. فمن الملاحظ، أن دور المجموعة لم يعد مقتصرًا على التنسيق الاقتصادي، وإنما امتد إلى طرح رؤى ومواقف مشتركة بشأن إصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز التعددية، وإعادة توزيع القوة داخل النظام العالمي، وهو ما يثير تساؤلًا قانونيًا حول مدى قدرة هذه التحولات على التأثير في بنية النظام القانوني الدولي وقواعده.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة لبنية الحوكمة الدولية القائمة، ولا سيما ما يتعلق بعدم التناسب بين التوزيع الحالي للسلطة داخل المؤسسات الدولية وبين التحولات التي شهدها المجتمع الدولي. فقد دعت دول بريكس بصورة متكررة إلى إصلاح مؤسسات الأمم المتحدة، وتعزيز تمثيل الدول النامية، وإعادة النظر في بنية مجلس الأمن، فضلًا عن التأكيد على احترام مبدأ المساواة في السيادة بين الدول ورفض الانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي. كما برزت مواقف المجموعة بشأن العقوبات الاقتصادية الأحادية، وإصلاح النظام المالي الدولي، وتعزيز استخدام العملات الوطنية في المبادلات الدولية، وإنشاء مؤسسات مالية بديلة، باعتبارها مؤشرات على سعي متزايد إلى تقليص الاختلالات القائمة في النظام الاقتصادي والقانوني الدولي. والحق، لا تقتصر دلالة صعود بريكس على إعادة توزيع القوة بين الدول، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمصادر القانون الدولي نفسه. فإذا كانت التحولات في موازين القوى لا تنشئ، بذاتها- قواعد قانونية جديدة- فإن الممارسة المتكررة للدول ومواقفها المشتركة قد تسهم، متى اقترنت بالاعتقاد بالإلزام القانوني، في تطور قواعد العرف الدولي، كما يمكن للأطر المؤسسية التي تنشئها الدول أن تؤدي دورًا في خلق معايير وقواعد جديدة تحكم العلاقات بينها. وتأسيسًا على ذلك، تثير ظاهرة بريكس إشكالية رئيسية تتمثل في مدى إسهامها الفعلي في إعادة تشكيل النظام القانوني الدولي، وحدود قدرتها على الانتقال من التأثير في موازين القوة الدولية إلى التأثير في القواعد والمؤسسات القانونية التي تحكم المجتمع الدولي.
أولًا- البريكس وتطور بنية النظام القانوني الدولي:
نشأت مجموعة بريكس في سياق التحولات العميقة التي شهدها توزيع القوة في النظام الدولي، حيث لم تعد البنية التقليدية للنظام العالمي تعكس بصورة كاملة الوزن السياسي والاقتصادي للدول الصاعدة، ولا سيما في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد بدأت المجموعة بصيغة “BRIC” التي جمعت البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل انضمام جنوب أفريقيا إليها عام 2011، ثم شهدت لاحقًا توسعًا مهمًا في عضويتها، بما عزز وزنها الديموغرافي والاقتصادي والسياسي. ولا تكمن أهمية هذا التطور في اتساع عدد الدول المنضوية تحت مظلة المجموعة فحسب، وإنما في انتقالها تدريجيًا من إطار للتنسيق الاقتصادي بين الاقتصادات الصاعدة إلى منصة أوسع للتنسيق السياسي والدبلوماسي والتعبير عن رؤى مشتركة بشأن مستقبل النظام الدولي. ومن ثم، أصبحت بريكس أحد أبرز المؤشرات على الانتقال من نظام هيمنت عليه مراكز قوة محدودة إلى بيئة دولية تتعدد فيها مراكز التأثير وصناعة القرار.
وهذا قد يدفعنا إلى القول بأن دلالة صعود البريكس أضحت تتجاوز حدود إعادة توزيع القوة المادية، لتصل إلى البنية المعيارية والقانونية للنظام الدولي. فالدول الأعضاء تنطلق في خطابها المشترك من التأكيد على مركزية ميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، ورفض استخدام القوة أو التهديد باستخدامها بالمخالفة لأحكام الميثاق. ومن الناحية القانونية، تكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة لأنها لا تمثل مجرد خيارات سياسية لدول المجموعة، وإنما تتقاطع مع قواعد ومبادئ أساسية في القانون الدولي العام. ومن ثم، فإن خطاب التجمع يمكن النظر إليه باعتباره محاولة لإعادة التأكيد على الطابع العالمي للقواعد الدولية في مواجهة ما تراه دول المجموعة من تطبيق انتقائي أو غير متوازن لهذه القواعد، بحيث لا تكون قوة الدولة أو موقعها الجيوسياسي معيارًا لتحديد نطاق التزاماتها القانونية الدولية. ولعل البعد الأهم في هذا السياق يظهر في مفهوم التعددية الذي تتبناه البريكس في خطابها وممارستها الدولية. فالمجموعة تقدم نفسها باعتبارها داعمًا لنظام دولي متعدد الأطراف يقوم على مشاركة أوسع للدول في صنع القرار العالمي، بدلًا من نظام تتحدد قواعده بصورة أساسية من خلال مجموعة محدودة من القوى الكبرى. غير أن التعددية التي تدافع عنها البريكس لا ينبغي الخلط بينها وبين مجرد تعدد مراكز القوة؛ فالتعددية بالمعنى القانوني تفترض احترام المؤسسات والقواعد الدولية المشتركة، والمساواة بين الدول، وإتاحة فرص متكافئة للمشاركة في عملية صنع القرار. ومن هنا، فإن القيمة القانونية لمشروع البريكس لا تقاس فقط بقدرتها على موازنة النفوذ الغربي، وإنما بمدى قدرتها على ترجمة مفهوم التعددية إلى ممارسات مؤسسية وقواعد عامة قابلة للتطبيق على جميع الدول دون انتقائية.
فالدول الأعضاء تنتقد عدم التناسب بين الهياكل المؤسسية القائمة وبين الواقع الدولي المعاصر، وتطالب بإعطاء الدول النامية، ولا سيما الدول الأفريقية، تمثيلًا أكثر عدالة في المؤسسات الدولية. ويبرز مجلس الأمن في مقدمة هذه المؤسسات، باعتباره الجهاز المسؤول بصورة رئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن منظور قانوني، لا يتعلق الأمر بمجرد مطالبة سياسية بزيادة عدد المقاعد، وإنما يرتبط بإشكالية أعمق تتصل بشرعية تمثيل المجتمع الدولي داخل المؤسسات التي تملك سلطة اتخاذ قرارات ذات آثار قانونية وسياسية واسعة. كما تكتسب مواقف البريكس من مبدأ عدم التدخل واستخدام القوة أهمية خاصة في تقييم أثرها على تطور القانون الدولي. فالتأكيد المتكرر على سيادة الدول وعدم التدخل يعبر عن تمسك دول المجموعة بالتصور التقليدي للمساواة في السيادة، في مواجهة اتجاهات توسعت في تفسير بعض الاستثناءات المرتبطة بالتدخل الدولي وحماية حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وغيرها. غير أن الأهمية القانونية لهذه المواقف لا تتحدد بمجرد صدورها في البيانات السياسية، إذ إن الانتقال من الموقف السياسي إلى قاعدة قانونية يتطلب توافر عناصر الممارسة الدولية والاعتقاد بالإلزام القانوني متى كان الأمر متعلقًا بتكوين قاعدة عرفية. لذلك، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا المقام ليس ما إذا كانت البريكس تملك خطابًا قانونيًا مختلفًا، وإنما ما إذا كانت الممارسة الفعلية لدولها، مجتمعة ومنفردة، تسهم في إعادة تشكيل الاتجاهات العامة للقانون الدولي، أم أن التباينات بين مواقف الدول الأعضاء وممارساتها تحول دون تكوين اتجاه قانوني متماسك. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى البريكس باعتبارها فاعلًا مؤثرًا في عملية تطور القانون الدولي، دون افتراض أنها أصبحت مصدرًا مستقلًا للقواعد القانونية الدولية. فالبيانات والإعلانات المشتركة الصادرة عن المجموعة قد تتزايد قيمتها القانونية إذا اقترنت بممارسات متكررة ومتسقة من جانب الدول الأعضاء، مع الاعتقاد بأن هذه الممارسة صارت ملزمة قانونًا. وعندئذ يمكن أن تصبح مواقف البريكس جزءًا من البيئة التي تتشكل داخلها قواعد العرف الدولي، خصوصًا في المجالات التي لا تزال قواعدها قيد التطور، مثل الحوكمة الاقتصادية الدولية، والتدابير القسرية الأحادية، واستخدام العملات الوطنية، وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف.
ثانيًا- البريكس إعادة تشكيل مؤسسات وقواعد الحوكمة الدولية:
يمثل إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية أحد أبرز المجالات التي تحاول فيها البريكس الانتقال من مجرد التعبير عن عدم الرضا عن النظام الدولي القائم إلى ممارسة تأثير فعلي في بنيته المؤسسية. ويتصدر إصلاح مجلس الأمن هذه الأجندة، بالنظر إلى أن تركيبته الحالية تعكس ظروفًا تاريخية تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكثر مما تعكس التوزيع المعاصر للقوة والسكان والاقتصاد. ومن ثم، تدفع دول البريكس باتجاه توسيع التمثيل داخل المجلس، مع إيلاء اهتمام خاص بزيادة حضور الدول النامية وأفريقيا، وبما يحقق قدرًا أكبر من التمثيل الجغرافي والسياسي. وتكشف هذه المطالب عن محاولة لإعادة تعريف شرعية التمثيل في مؤسسات الأمن الجماعي، بحيث لا تظل صناعة القرارات الدولية الكبرى رهنًا بهيكل مؤسسي لا يعكس بصورة كافية واقع المجتمع الدولي المعاصر. ويمتد تأثير البريكس إلى إعادة تشكيل الحوكمة الاقتصادية والمالية الدولية من خلال إنشاء مؤسسات وآليات بديلة أو مكملة للمؤسسات التقليدية، وفي مقدمتها بنك التنمية الجديد وترتيبات الاحتياطي الطارئ. ولا تكمن أهمية هذه المؤسسات في توفير مصادر تمويل إضافية فحسب، وإنما في اختبار إمكانية بناء مؤسسات مالية دولية أكثر تعبيرًا عن أولويات الاقتصادات الناشئة والدول النامية. ويكتسب هذا المسار دلالة قانونية لأن المؤسسات المالية التي تنشئها الدول لا تعمل خارج النظام القانوني الدولي، بل تستند إلى اتفاقات منشئة تحدد اختصاصاتها وهياكلها وآليات اتخاذ القرار فيها. ومن ثم، فإن توسع هذه المؤسسات قد يؤدي تدريجيًا إلى تنويع مراكز وضع المعايير الاقتصادية والمالية الدولية وتقليص الاعتماد الحصري على المؤسسات التي تشكلت في إطار النظام المالي الدولي التقليدي.
وفي مجال الجزاءات والتدابير الاقتصادية الأحادية، تسعى البريكس إلى تحدي أحد أكثر مظاهر عدم التوازن إثارة للجدل في الحوكمة الدولية المعاصرة. إذ تؤكد دول المجموعة بصورة متكررة رفض التدابير القسرية الأحادية التي لا تستند إلى تفويض من مجلس الأمن، وتدعو إلى جعل استخدام الجزاءات الدولية أكثر ارتباطًا بآليات الأمم المتحدة والقانون الدولي. وتكتسب هذه المسألة أهمية قانونية لأنها تثير التداخل بين سيادة الدول، ومبدأ عدم التدخل، وقواعد مسؤولية الدول، ومفهوم التدابير المضادة. غير أن الأثر الأهم لموقف البريكس يتمثل في قدرتها على تدويل النقاش حول مشروعية العقوبات الأحادية وتحويله من خلاف سياسي بين الدول إلى مسألة تتصل بمستقبل قواعد الحوكمة الاقتصادية الدولية وحدود استخدام القوة الاقتصادية خارج إطار مجلس الأمن. كما تعمل المجموعة على التأثير في بنية النظام النقدي والمدفوعات الدولية من خلال تشجيع استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية والمالية، والبحث في تطوير آليات دفع وتسوية تقلل الاعتماد على النظم المالية التي تهيمن عليها عملات ومؤسسات محددة. ولا يعني ذلك، من الناحية القانونية، أن المجموعة بصدد إلغاء النظام النقدي الدولي القائم، وإنما يعكس اتجاهًا نحو تعزيز قدرة الدول على ممارسة سيادتها الاقتصادية بعيدًا عن المخاطر السياسية والقانونية المرتبطة بالاعتماد المفرط على بنية مالية دولية محددة. وإذا تطورت هذه الآليات إلى ترتيبات مؤسسية مستقرة، فقد تسهم في إعادة توزيع القدرة على إنتاج القواعد والمعايير المنظمة للتجارة والتمويل والمدفوعات الدولية، بما يجعل الحوكمة الاقتصادية العالمية أكثر تعددية من حيث مراكز صنع القرار.
ويكشف مجموع هذه التحركات عن أن تأثير البريكس في الحوكمة الدولية لا يقوم أساسًا على إنشاء نظام قانوني بديل مكتمل، وإنما على إعادة تشكيل موازين التأثير داخل النظام القائم وإنشاء مساحات مؤسسية جديدة إلى جواره. فالمجموعة تتحرك في اتجاهين متوازيين: (الأول) إصلاحي يستهدف المؤسسات القائمة، ولا سيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن، و(الثاني) مؤسسي يقوم على إنشاء ترتيبات جديدة في المجالات المالية والاقتصادية. وتكمن أهمية هذا المسار في أنه قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تعدد مراكز إنتاج المعايير الدولية وتراجع احتكار قلة من القوى لتحديد أجندة الحوكمة العالمية. ومع ذلك، فإن قدرة البريكس على إحداث تحول قانوني مستدام ستظل مرتبطة بمدى اتساق ممارسات أعضائها، وقدرتهم على تحويل المطالب السياسية المشتركة إلى قواعد ومؤسسات تحظى بقبول أوسع من نطاق المجموعة نفسها؛ إذ إن إعادة توزيع القوة لا تعني تلقائيًا إعادة صياغة القانون الدولي، ما لم تتحول القوة السياسية والاقتصادية إلى ممارسة مؤسسية ومعيارية قادرة على إنتاج أثر قانوني مستقر.
ثالثًا- البريكس ومستقبل النظام القانوني الدولي متعدد الأقطاب:
يرتبط مستقبل البريكس بقدرتها على الانتقال من كونها تجمعًا يعكس التحولات في موازين القوة الدولية إلى فاعل مؤثر في إنتاج القواعد والمعايير القانونية الدولية. فالتعددية القطبية لا تعني، من المنظور القانوني، مجرد وجود عدة قوى كبرى، ولكن تفترض تعدد مراكز التأثير في صياغة قواعد النظام الدولي وتفسيرها وتطويرها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على وحدة الإطار القانوني الدولي. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تسهم البريكس في الدفع نحو نظام أكثر توازنًا في عملية صنع القرار الدولي، شريطة أن تستند مطالبها إلى قواعد عامة قابلة للتطبيق على جميع الدول، لا إلى مجرد إعادة توزيع الامتيازات بين قوى صاعدة وقوى قائمة. وتكمن أهمية هذا التحول في إمكانية انتقال دول الجنوب من موقع المشاركة المحدودة في صياغة القواعد الدولية إلى موقع أكثر فاعلية في تحديد مضمونها وأولويات تطويرها. غير أن تحقيق ذلك لا يخلو من تحديات تتعلق مدى قدرة التجمع على المحافظة على وحدة القانون الدولي في ظل تعدد مراكز القوة. فالتعددية القطبية قد تؤدي- إذا لم تقترن بإطار مؤسسي وقيمي مشترك- إلى تزايد التجزؤ القانوني وظهور مجموعات متنافسة تسعى كل منها إلى تطوير قواعد ومعايير تخدم مصالحها الخاصة. ومن ثم، فإن مستقبل البريكس لن يقاس بقدرتها على إنشاء ترتيبات موازية للمؤسسات القائمة فقط، وإنما بقدرتها على جعل هذه الترتيبات متوافقة مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والقواعد العامة للقانون الدولي. ويظل هذا الأمر حاسمًا لتجنب تحول التعددية من وسيلة لتحقيق قدر أكبر من التوازن والتمثيل إلى مصدر جديد لتعدد المعايير القانونية وتضاربها.
علاوة على ذلك، يتوقف التأثير المستقبلي للتجمع على قدرته على تحويل التوافق السياسي بين أعضائه إلى ممارسة قانونية ومؤسسية مستقرة. لذلك، فإن امتلاك البريكس كتلة اقتصادية وسياسية كبيرة لا يكفي وحده لإعادة تشكيل القانون الدولي، ما لم تنجح دولها في تطوير ممارسات متماسكة بشأن القضايا الدولية المتعددة. وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يتحول ثقل المجموعة من قوة تفاوضية إلى عامل مؤثر بصورة مستدامة في تطور القواعد القانونية الدولية. وفي ضوء ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا لمستقبل النظام القانوني الدولي هو التعددية داخل إطار قانوني دولي موحد، وليس نشوء نظامين قانونيين دوليين متوازيين؛ فمن غير المرجح أن تحل البريكس محل الأمم المتحدة أو أن تنشئ منظومة قانونية منفصلة عن القانون الدولي العام، لكنها تستطيع أن تصبح مركزًا مؤثرًا في إعادة توزيع القوة المعيارية والمؤسسية داخل النظام القائم. وسيعتمد نجاح هذا المسار على قدرة المجموعة على تحقيق التوازن بين الدفاع عن مصالح أعضائها والمساهمة في صياغة قواعد ذات طابع عام، وعلى مدى استعدادها لتقديم نموذج مؤسسي يتجاوز الاعتراض على الهيمنة إلى المشاركة الفعلية في بناء نظام دولي أكثر تمثيلًا وتوازنًا وشرعية.
خاتمة:
يتضح- إذن- في ضوء ما تقدم، أن تجمع البريكس لا يمثل مجرد انعكاس لتحول موازين القوة الاقتصادية والسياسية، وإنما يعبر عن اتجاه متنام نحو إعادة النظر في بنية الحوكمة الدولية وآليات إنتاج القرار والقواعد المنظمة للعلاقات الدولية. فقد استطاعت المجموعة أن تطرح نفسها بوصفها صوتًا معبرًا عن الدول النامية، وأن تدفع باتجاه إصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز المساواة في السيادة، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار العالمي، فضلًا عن تطوير ترتيبات اقتصادية ومالية تسهم في تقليل الاعتماد على مراكز القوة التقليدية. ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني، في ذاتها، نشوء نظام قانوني دولي بديل؛ إذ تظل فعالية البريكس القانونية مرتبطة بقدرتها على تحويل مواقفها السياسية ومبادراتها المؤسسية إلى ممارسات متسقة وقواعد تحظى بقبول دولي أوسع. ومن ثم، فإن مستقبل النظام القانوني الدولي يتجه، على الأرجح، نحو تعددية أكثر وضوحًا في مراكز التأثير وصناعة القواعد، دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكك الإطار القانوني الدولي الموحد. وتتمثل القيمة الحقيقية للبريكس في قدرتها على المساهمة في إعادة التوازن داخل هذا الإطار، لا في استبداله بمنظومة قانونية موازية. وسيظل نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة دول المجموعة على تقديم بدائل مؤسسية ومعيارية قابلة للتطبيق، تجمع بين احترام ميثاق الأمم المتحدة ومتطلبات التعددية والعدالة في الحوكمة العالمية.