تعيش القضية الفلسطينية في وجدان كل عربي في كافة الأقطار، وشكلت النكبة الفلسطينية علامة فارقة في تاريخ الوطن العربي ومستقبله، وجاء الاحتلال الإسرائيلي في قلب الأمة ليكون غصة إلى يومنا هذا، ولكن هذا لم يمنع من تعمق القضية الفلسطينية في أعماق الأجيال العربية، ومنذ أن نشأت الأنظمة العربية الحديثة، مرت العلاقات العربية والفلسطينية بتصاعد وانحناء وفق طبيعة المنعطف السياسي، ولكن تبقى مركزية القضية الفلسطينية شاغل كل عربي، أفراداً وتجمعات وأنظمة.
لا شك بأن النظام العربي الرسمي لعب دوراً أساسياً في إنشاء وولادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإن هذه الولادة ترتب عليها أن تعترف الأنظمة العربية بمنظمة التحرير وتوفر لها كل أشكال الدعم السياسي والعسكري والمعنوي والمالي، والذي من خلال هذا الدعم أنشأت أجهزة تشبه أجهزة الدولة التي مثلت الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
واُعْتُبِرَت الثورة الفلسطينية المعاصرة إحدى الثورات الملهمة في العصر الحديث، وكانت عنواناً لكافة الثوار وأحرار العالم، حيث اعتبرت هذه الثورة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين من الاحتلال الغاشم الذي ارتكب المجازر بحق شعب أعزل واستولى على الأرض الفلسطينية لإقامة دولة إسرائيل المزعومة، إلا أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم، بل قام بتنظيم صفوفه وشتاته لكي يسترد أرضه من المغتصبين الصهاينة، والذي تلقى الدعم غير المحدود من الأنظمة العربية ومن الشعوب التي لم تبخل في تقديم الدعم بكافة أشكاله وأنواعه، حتى انخرط المواطن العربي في صفوف الثورة الفلسطينية التي انطلقت من أجل تحرير فلسطين.
مرت العلاقات الفلسطينية العربية بالكثير من الأزمات والمنعطفات السياسية الخطيرة التي انعكست سلباً على التعاطي مع القضية الفلسطينية، رغم التأييد المستمر لدعم تحرك القيادة الفلسطينية سياسياً في المحافل الدولية لإقرار الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.
ولا يمكن نفي أن حالة الانقسام في النظام الرسمي العربي قد ألقت بظلالها الثقيلة على القضية، فشكلت عامل تهديد لوحدة التمثيل السياسي الفلسطيني، وعائقاً أمام الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
قد لا تتسع مساحة المقال لسرد كافة مجريات الأحداث العربية خلال تلك الحقبة، إلا أن ثمة محطات تاريخية لا يمكن القفز عنها لما تركته من أثر عميق على مستقبل الأجيال في المنطقة، وفي مقدمتها “الربيع العربي” التي شكلت منعطفاً فارقاً، فقد أدى التغيير السياسي في عدد من الأنظمة العربية وانشغال الشعوب بثوراتها الداخلية إلى إثارة جدل واسع بين الكتاب وأصحاب الفكر والرأي؛ هل ما جرى كان نابعاً حصراً من حاجة ملحة للتغيير السياسي والتعطش نحو الديمقراطية، أم جاء ثمرة لتدخلات خارجية استهدفت هندسة المنطقة وفق مصالحها الجيوسياسية والاستراتيجية؟
وعلى الرغم من تبدل ملامح المنطقة وتحولات طبيعة التعاطي مع القضية الفلسطينية وفقاً للأولويات والأوزان النسبية لكل نظام، ظلت القضية الفلسطينية تمثل الحلقة المركزية والحيز الجامع لوجدان الأنظمة والشعوب العربية على حد سواء، مهما تباينت وتيرة التفاعل معها وسط هذه التحولات المتسارعة.
ولا بد من التطرق إلى أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها المستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور؛ إذ شكلت علامة فارقة في طبيعة المواجهة العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي. ورغم وجود دعم وتأييد عربي للتحرك السياسي الفلسطيني تجسد في حالة الإجماع على إسناد الحراك الدبلوماسي في المحافل الدولية وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية إلا أن ما جرى في السابع من أكتوبر أفرز حالة من التباين في التوافق العربي الفلسطيني حول طبيعة هذا العمل المقاوم.
وفي ظل رد الفعل الإسرائيلي غير المسبوق الذي تمثل في حرب إبادة جماعية بقطاع غزة، وتطهير عرقي واستهداف مباشر للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، استدعى الأمر تحركاً عربياً طارئاً لوقف جرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني، وقد جرى تنسيق مكثف على مدار الساعة لوقف حمام الدم، وإفشال مخططات الاحتلال الرامية إلى تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وعلى الرغم من بذل جهود عربية مشتركة على المستويين الإقليمي والدولي لاحتواء هذا الإجرام غير المسبوق، فقد توجت الجهود الدبلوماسية بدور محوري وبرعاية مصرية وقطرية خاصة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، مما يعكس حرصاً عربياً راسخاً على تثبيت الشعب الفلسطيني في أرضه، وإحباط النوايا والمخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهديد الأمن القومي العربي وإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق ما أعلنه مراراً رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وفي خضم هذه التحولات والمنعطفات، ظل الدور المصري والأردني يمثل أحد أهم مرتكزات الدعم العربي للقضية الفلسطينية، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك الأمن القومي للدولتين مع مستقبل القضية الفلسطينية. فقد حافظت مصر، على مدار العقود الماضية، على حضورها الفاعل في مختلف مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يقتصر دورها على الدعم السياسي والدبلوماسي، بل امتد إلى خوض الحروب دفاعاً عن الحقوق العربية والفلسطينية، واستضافة ورعاية جولات الحوار والمصالحة الفلسطينية، والعمل المتواصل من أجل وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم.
كما اضطلعت القاهرة بدور محوري في إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، والتحرك في المحافل الإقليمية والدولية من أجل تثبيت الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وبالتوازي، شكل الأردن سنداً تاريخياً وسياسياً للقضية الفلسطينية، انطلاقاً من الروابط الجغرافية والديموغرافية والتاريخية العميقة، وظل موقفه ثابتاً في الدفاع عن حل الدولتين ورفض التهجير والوطن البديل، فضلاً عن دوره في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ورعايتها الهاشمية. ومن هنا، فإن مصر والأردن لا ينظران إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً منفصلاً، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر استمرار مواقفهما الرافضة لأي ترتيبات تستهدف تصفية القضية أو فرض واقع جديد على حساب الحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني.
ولم يقتصر الدعم العربي للقضية الفلسطينية على مصر والأردن، بل امتد بصورة واضحة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي، التي حافظت، رغم التحولات الإقليمية وتباين أولوياتها السياسية، على دعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض محاولات تصفية القضية أو فرض التهجير القسري. فقد احتلت القضية الفلسطينية موقعاً متقدماً في السياسة الخارجية السعودية، وبرز ذلك بصورة خاصة من خلال المبادرة العربية للسلام التي طرحتها المملكة عام 2002، والتي قدمت إطاراً عربياً متكاملاً لتحقيق السلام على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. كما واصلت الرياض تحركاتها السياسية والدبلوماسية لدعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتعزيز الموقف العربي والدولي الرافض للاستيطان والتهجير.
ومن جانبها، قدمت دولة الإمارات دعماً سياسياً وإنسانياً للقضية الفلسطينية، وأسهمت في جهود الإغاثة والمساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، إلى جانب مواقفها المعلنة الداعية إلى حماية المدنيين ورفض التهجير والحفاظ على حل الدولتين.
وكذلك واصلت دول الخليج، وفي مقدمتها قطر والكويت وسلطنة عُمان والبحرين، بأشكال متفاوتة، دعم القضية الفلسطينية سياسياً وإنسانياً، فيما لعبت قطر دوراً بارزاً في الوساطة بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والتوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين. ويعكس هذا الحضور الخليجي أن القضية الفلسطينية، رغم تغير موازين القوى وتعدد الأجندات الإقليمية والدولية، لا تزال تحتفظ بمكانتها في منظومة الأمن والسياسة العربية، وأن الخلاف في الأدوات والمقاربات لا يعني بالضرورة التخلي عن الحقوق الفلسطينية أو عن مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي ختام القول، لا شك أن العلاقات العربية الفلسطينية قد مرت بمراحل من المد والجزر وفق المنعطفات والمحطات التاريخية الفارقة في عمر المنطقة، إلا أن القضية الفلسطينية ستظل الهاجس الأكبر لكل عربي، ولن يستكين أي عربي حر وشريف إلا بتحرير فلسطين وعودة الأرض والشعب إلى أصحابهما، ورغم كل الخلافات والتباينات العربية فإن ذلك لا ينفي بحال أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية والأساسية الراسخة في وجدان الأمة والشعوب العربية جمعاء.