من أكثر القضايا التي تثير نقاشا واسعًا بين المتخصصين هي وضع البحث العلمي المصري، حيث تتباين الآراء بصورة واضحة بين فريقين، فريق يرى أن البحث العلمي المصري حقق إنجازات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، وفريق يعتقد أن ما تحقق كان أقل من الطموحات المتوقعة.
والحقيقة الأكثر موضوعية تكمن بين الرأيين؛ فالبحث العلمي المصري بالفعل شهد تطورًا كبيرًا على المستوى الدولي من حيث حجم الأبحاث المنشورة في مجلات دولية من الفئات الأعلى، وكذلك حجم الاستهادات بها في أبحاث أخرى، وتقدم كبير في التصنيفات الدولية نتيجة لذلك، لكن من ناحية أخرى فأن التأثير الاجتماعي لهذا الإنتاج البحثي ما زال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف مردوده الاقتصادي وأثره التنموي.
شهدت السنوات العشر الأخيرة نقلة كبيرة في وضع البحث العلمي المصري من حيث حجم الإنتاج العلمي والانتشار الدولي. فقد نجحت الجامعات المصرية ومراكز البحث العلمي في مضاعفة معدلات النشر العلمي في المجلات الدولية المرموقة المفهرسة بقواعد البيانات العالمية المعترف بها، وعلى رأسها «سكوبس» و«كلاريفيت». وأصبحت مصر اليوم تحتل مكانة متقدمة على خريطة البحث العلمي العالمية مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
وفقًا لتصنيف «سيماجو» الدولي فإن مصر تحتل المرتبة الأولى إفريقيًا والمركز الخامس والعشرين عالميًا في مؤشرات النشر العلمي، بحجم نشر سنوي يقترب من 40 ألف بحث دولي منشور في أرقى المجلات الدولية، بعدما كانت مصر تحتل المركز الأربعين عالميًا عام 2016، هذا التقدم الكبير لم يأتي بالصدفة، ولكنه كان انعكاسًا مباشرًا للجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة المصرية والجامعات والمراكز البحثية في دعم منظومة البحث العلمي وتشجيع النشر الدولي من خلال مكافآت مالية كبيرة، وكذلك تعزيز التعاون البحثي والشراكات مع المؤسسات الأكاديمية العالمية.
كما انعكست هذه الجهود على التصنيفات الدولية للجامعات المصرية والتي شهدت تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2016 كان عدد الجامعات المصرية المدرجة في تصنيف التايمز البريطاني هو ثلاثة جامعات فقط، أما الآن فقد ارتفع العدد إلى ست وثلاثين جامعة مصرية، وهو ما يمثل زيادة تبلغ اثني عشر ضعفًا خلال أقل من عشر سنوات.
لم يقتصر الأمر على ترتيب الجامعات في التصنيفات العامة فقط، بل امتد إلى تحقيق مراكز متقدمة عالميًا في عدد من التخصصات العلمية الدقيقة. فقد نجحت بعض الجامعات المصرية، وفي مقدمتها جامعة القاهرة، في الظهور ضمن أفضل خمسين جامعة عالميًا في عدد من التخصصات، ومنها تخصص الأدوية والسموم الذي حققت فيه جامعة القاهرة المركز الثالث عشر ضمن أفضل الجامعات العالمية وفق تصنيف يو أس نيوز الأمريكي، مما يعكس جودة المخرجات البحثية في عدد من التخصصات العلمية في جامعاتنا المصرية.
وبالرغم من كل هذه الإنجازات المتحققة، فإن هناك زاوية أخرى لا تقل أهمية ويجب النظر لها بعين الاعتبار وهي مدى التأثير المجتمعي لهذا الإنتاج البحثي، وهي زاوية لا تقل أهمية عن زيادة حجم وجودة النشر العلمي إن لم تكن اهم. فالهدف الأسمى للبحث العلمي لا يجب أن يتمثل فقط في زيادة أعداد الأبحاث المنشورة أو تحسين ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية، وإنما يجب أن يتمثل في مدى قدرة هذه الأبحاث على تلبية احتياجات المجتمع ومعالجة المشكلات القومية الملحة والمساهمة في دعم خطط التنمية. فالمجتمع يحتاج إلى أبحاث تقدم حلولًا عملية للمشكلات التي تواجه قطاعات الصناعة والزراعة والصحة والطاقة والمياه والبيئة وغيرها من القطاعات الحيوية.
وغالبية مؤشرات التصنيفات الدولية لا تستطيع قياس هذا الهدف بصورة مناسبة وتعتمد بصورة أساسية على المعايير الكمية، مثل عدد الأبحاث المنشورة وعدد الاستشهادات العلمية بها، لأنه ليس من السهل قياس هذا الأثر الاجتماعي للبحث العلمي ومدى مساهمته في حل المشكلات المجتمعية بصورة دقيقة، ولذلك قد نرى أن جامعة ما ظهر لها ترتيب متقدم في التصنيفات الدولية دون أن يكون لها مساهمة حقيقية في إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الجميع يتفق على أن البحث العلمي الحقيقي هو الذي ينتج أفكارًا جديدة، ويقود إلى براءات اختراع، ويولد شركات ناشئة، ويسهم في تطوير المنتجات والخدمات، وهذا هو الذي يجب أن يميز الآداء البحثي للجامعات والمراكز البحثية، وليس مجرد المعايير الكمية فقط بالرغم من أهميتها بطبيعة الحال، وفي هذا الإطار فهناك حاجة إلى بذل جهود أكبر لتعزيز منظومة الابتكار وريادة الأعمال وربط الجامعات بالصناعة ومؤسسات الإنتاج، فرغم التحسن الملحوظ الذي حققته مصر في مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث تقدمت من المركز 107 عالميًا عام 2016 إلى المركز 86 عالميًا في أحدث التقارير، فإن المؤشر يكشف في الوقت نفسه عن وجود فجوة بين قوة المخرجات العلمية من ناحية، ومستويات التمويل والاستثمار في الابتكار من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق يبرز التساؤل الجوهري الذي يسأله الكثيرون وهو كيف يمكن تحويل المخرجات البحثية إلى قيمة اقتصادية وابتكارات؟ وكيف يمكن تجسير الفجوة بين الأكاديميا من ناحية واحتياجات المجتمع وقطاعات الإنتاج والخدمات من ناحية أخرى؟
الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة، والعمل على تحقيقها يتطلب جهودًا مضنية تتمثل في الانتقال من مرحلة التركيز على إنتاج المعرفة إلى مرحلة توظيفها لخدمة الأهداف المجتمعية، وذلك من خلال تبني سياسات أكثر ارتباطًا باحتياجات الدولة التنموية، ويتطلب تحقيق الأهداف الاعتماد على عدد من الآليات في خطة استراتيجية قومية يتم توفير التمويل اللازم لها.
وفي مقدمة هذه الأليات وضع خطة أولويات بحثية قومية واضحة يتم صياغتها بالتعاون مع الجهات المعنية أصحاب المصلحة وبالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص، بهدف توجيه الجهود البحثية نحو القضايا القومية الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا، على أن يكون هناك مجموعة من مؤشرات الأداء وآليات المتابعة لقياس النتائج والعائد التنموي، وفي هذا الإطار يجب مشاركة القطاع الصناعي في صياغة الخطة البحثية لضمان ارتباط الأبحاث بالتحديات الفعلية التي تواجه الصناعة والإنتاج، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ والاستثمار.
أما الآلية الثانية فتتمثل في إنشاء وتفعيل حاضنات الأعمال والحاضنات التكنولوجية ومكاتب نقل التكنولوجيا بالجامعات باعتبارهم أهم الأدوات القادرة على الربط بين مخرجات الأبحاث والتجارب المعملية من ناحية والأسواق من ناحية أخرى، وكذلك تحويل الابتكارات والأفكار البحثية إلى منتجات وخدمات وشركات ناشئة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني،
والآلية الثالثة تتمثل في التوسع في دعم الشركات الجامعية التي أتاحها قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم 23 لسنة 2018، باعتبارها أهم آلية حديثة لتحويل المخرجات البحثية إلى مشروعات اقتصادية ذات قيمة مضافة. هذه الشركات تستطيع أن تلعب دورًا هامًا في تسويق المخرجات البحثية لمنسوبيها من الباحثين والعلماء الذين لا يستطيعون الوصول إلى الصناعة وقطاعات الاقتصاد الأخرى بأنفسهم، ويحتاجون إلى كيان مؤسسي يسهل لهم التواصل الفعال لتسويق أفكارهم الابتكارية.
أما الآلية الرابعة فتتمثل في تطوير منظومة الحوافز الأكاديمية والترقيات والتي تحتاج إلى تحقيق التوازن بين التميز البحثي والجدوى التطبيقية، بحيث يتم تشجيع المتقدمين للترقيات من أعضاء هيئات التدريس على تنفيذ المشروعات التطبيقية التي تقدم حلولًا واقعية للتحديات الوطنية، فلم يعد من المقبول أن تكون الوسيلة الوحيدة لتقييم عضو هيئة التدريس المتقدم للترقية هو عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية، بل يجب أن تتضمن معايير التقييم إعطاء وزنًا أكبر للأبحاث التي تحقق أثرًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا واضحًا، أو تسهم في حل مشكلة قومية أو تطوير قطاع إنتاجي أو خدمي، هذا لا يعني مطلقًا الإخلال بأهمية النشر الدولي ومعايير الجودة الأكاديمية، بل يعني تحقيق التوازن بين متطلبات النشر الدولي وتلبية احتياجات المجتمع، فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد قائم على المعرفة لم تكتف بإنتاج الأبحاث، وإنما نجحت في تحويلها إلى براءات اختراع وابتكارات وشركات ومنتجات وفرص عمل
ومن ثم يمكن القول إن البحث العلمي المصري حقق بالفعل تقدمًا كبيرًا في المؤشرات الكمية العالمية، وأصبح يمتلك حضورًا دوليًا واضحًا ومؤثرًا، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على تعظيم الأثر التنموي والاقتصادي للبحث العلمي، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاعات الإنتاج والخدمات، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، وزيادة الاستثمارات الموجهة للبحث والتطوير. كما أن القطاع الخاص يجب أن يقوم بدور أكثر فاعلية في دعم البحث العلمي والابتكار، باعتبار أن الاستثمار في البحث العلمي هو أفضل استثمار استراتيجي طويل المدى ينعكس على الإنتاجية والتنافسية والنمو الاقتصادي.