En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

إعادة إعمار سوريا:هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

تستعد سوريا للدخول في واحدة من أعقد وأضخم عمليات إعادة الإعمار في الشرق الأوسط، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحرب التي ألحقت أضرارا واسعة بالبنية التحتية والمساكن والمنشآت الإنتاجية وشبكات الطاقة والنقل والمياه، وفي هذا السياق قدر البنك الدولي في تقييمه للأضرار المادية وإعادة الإعمار للفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، تكلفة إعادة بناء الأصول المتضررة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المقدر لعام 2024، ما يوضح أن إعادة إعمار سوريا لن تكون مشروعا وطنيا محدودا، وإنما ورشة اقتصادية إقليمية ودولية ستعيد تشكيل خريطة الاستثمار والتجارة والنقل والطاقة في المشرق العربي.

وتكشف أرقام البنك الدولي أن الأضرار المادية المباشرة بلغت نحو 108 مليارات دولار، استحوذت البنية التحتية على 52 مليار دولار منها، بينما قدرت احتياجات إعادة بناء المساكن بنحو 75 مليار دولار، والمنشآت غير السكنية بنحو 59 مليار دولار، وهي أرقام تعكس اتساع الفرص أمام شركات الإنشاءات والهندسة والطاقة والاتصالات والنقل والصناعات الدوائية والغذائية والخدمات المالية، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم المنافسة المنتظرة بين الشركات الأميركية والأوروبية والصينية والتركية والعربية والسورية، في سوق لن تحسمه القدرة على تنفيذ المشاريع وحدها، وإنما ستحدده أيضا شروط التمويل، والضمانات السيادية، والقدرة على إدارة المخاطر، والسرعة في التنفيذ، ومدى الارتباط بالاقتصاد المحلي.

سوق متعددة الأقطاب

لن تدخل الشركات الأجنبية إلى السوق السورية من البوابة نفسها، فلكل طرف مجموعة مختلفة من المزايا والأدوات، إذ تمتلك الشركات الصينية خبرة واسعة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، وقدرة على تقديم حزم متكاملة تجمع بين التمويل والتصميم والتنفيذ، بينما تستند الشركات الأوروبية إلى الخبرة الهندسية والمعايير الفنية والبيئية، وتتمتع الشركات الأميركية بقدرات متقدمة في التكنولوجيا والطاقة والخدمات المالية وإدارة المشاريع، في حين تمتلك الشركات التركية ميزة القرب الجغرافي والخبرة المتراكمة في أسواق المنطقة، فضلا عن قدرتها على تنفيذ مشاريع الإنشاءات بسرعة وتكلفة تنافسية نسبيا.

لكن هذا التنافس لن يكون اقتصاديا فقط، إذ ستتداخل معه اعتبارات سياسية وأمنية وقانونية تتعلق بمستقبل العقوبات، وشكل النظام المالي السوري، والجهات المانحة، وحقوق الملكية، وآليات التعاقد، والشفافية، وحماية الاستثمارات، ولذلك فإن أي تقدير لحصة الشركات العربية في إعادة الإعمار يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية، وهي أن حجم الفرص المتاحة لا يساوي تلقائيا حجم المشاريع القابلة للتنفيذ، فالفجوة بين الإعلان عن الاستثمارات وتحويلها إلى مشاريع فعلية قد تكون واسعة في الاقتصادات الخارجة من النزاعات.

وتتطلب إعادة الإعمار السورية نموذجا تمويليا متدرجا يبدأ بإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ثم ينتقل إلى البنية التحتية الإنتاجية، وبعد ذلك إلى المشاريع التجارية والاستثمارية القادرة على توليد الإيرادات، لأن تمويل شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس يختلف في طبيعته عن تمويل المدن الصناعية والمطارات والمناطق اللوجستية والمشاريع العقارية.

الأردن بوابة لوجستية

يمتلك الأردن فرصة استثنائية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، ليس بسبب القرب الجغرافي وحده، وإنما نتيجة امتلاكه مجموعة من المزايا المتكاملة التي يمكن أن تحول المملكة إلى منصة إقليمية للخدمات اللوجستية والهندسية والطبية والمالية، فالأردن يشكل ممرا طبيعيا بين سوريا ودول الخليج وموانئ البحر الأحمر، كما يتيح ميناء العقبة منفذا بحريا مهما أمام حركة السلع والمعدات ومواد البناء التي يمكن نقلها لاحقا برا إلى الأراضي السورية.

وتشير منصة “استثمر في الأردن” إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية في المملكة يستند إلى شبكة طرق تتجاوز 8,600 كيلومتر، وثلاثة مطارات دولية، وبنية مينائية متقدمة في العقبة، كما ارتفعت صادرات خدمات النقل إلى 1.82 مليار دولار عام 2025، بزيادة بلغت 91% مقارنة بعام 2021، وهي مؤشرات تعكس وجود قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في خدمة حركة التجارة وإعادة الإعمار الإقليمية.

ولا تقتصر الميزة الأردنية على النقل، فالمملكة تمتلك خبرة متراكمة في الخدمات الهندسية والاستشارات وإدارة المشاريع، كما يتمتع قطاعها الصحي والطبي بسمعة إقليمية، وتملك شركاتها الدوائية خبرة في التصنيع والتصدير إلى أسواق عربية ودولية، وهو ما يفتح مجالا أمام الأردن للمشاركة في إعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية وسلاسل توريد الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب تدريب الكوادر الصحية والفنية وإدارة المنشآت الطبية.

كما يمكن للجامعات والمعاهد الأردنية أن تؤدي دورا مهما في تأهيل الكوادر السورية، خصوصا في تخصصات الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية وتكنولوجيا المعلومات وإدارة المشاريع والعلوم الصحية، إذ إن إعادة الإعمار لا تحتاج إلى الإسمنت والحديد والآليات فقط، وإنما تحتاج إلى رأس مال بشري قادر على تشغيل المنشآت والمحافظة عليها بعد إنجازها.

وتعزز المنظومة الأمنية والاستقرار المؤسسي النسبي في الأردن قدرة المملكة على استضافة مراكز إقليمية للتنسيق اللوجستي والخدمات الهندسية والمالية، غير أن تحويل هذه المزايا إلى حصة فعلية من مشاريع إعادة الإعمار يتطلب تطوير آليات تمويل وتأمين ائتماني، وتأسيس ائتلافات بين الشركات الأردنية ونظيراتها العربية والدولية، حتى لا يبقى الدور الأردني محصورا في النقل والعبور والخدمات المساندة.

وقد بدأت عمليا خطوات رسمية لتعزيز هذا الدور، إذ طرحت وزارة الاستثمار الأردنية مشروع تطوير معبر جابر الحدودي مع سوريا بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفق نموذج التصميم والإنشاء والتمويل والتشغيل والصيانة، بهدف تحويل المعبر إلى مركز حدودي ولوجستي متكامل، وهو ما يمثل خطوة عملية نحو بناء البنية التحتية اللازمة لاستيعاب توسع حركة التجارة مستقبلا.

النموذج المصري

يمتلك الجانب المصري ميزة مختلفة تتمثل في الخبرة الواسعة للدولة والشركات المصرية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، خاصة في مجالات الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والإسكان ومحطات المياه والصرف الصحي والموانئ والمناطق الصناعية، وقد شهدت مصر خلال العقد الأخير توسعا كبيرا في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، ما أتاح لشركاتها الحكومية والخاصة تراكم خبرات فنية وإدارية في إدارة المشاريع ذات الحجم الكبير وفي بيئات تتطلب تنسيقا بين قطاعات متعددة.

وتظهر البيانات الرسمية المصرية حجم الإنفاق الاستثماري المنفذ، فقد بلغت قيمة الاستثمارات المنفذة في السنة المالية 2024/2025 نحو 2.12 تريليون جنيه مصري، مقارنة بنحو 1.63 تريليون جنيه في السنة المالية السابقة، وفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، كما بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصافية نحو 12.2 مليار دولار خلال السنة المالية نفسها، باستثناء قيمة صفقة رأس الحكمة، وهي مؤشرات توضح اتساع قاعدة النشاط الاستثماري والبنية المؤسسية المرتبطة بالمشاريع الكبرى.

غير أن الاستفادة من النموذج المصري في سوريا يجب ألا تقوم على نقل التجربة كما هي، فالسياق السوري يختلف من حيث حجم الدمار، وتوزيع السكان، ودرجة تضرر المؤسسات، والقدرة المحدودة على تمويل المشاريع، وطبيعة المخاطر الأمنية، لذلك فإن الدور المصري الأكثر فاعلية قد يتمثل في تقديم خبرة تنفيذية مرنة، وتطوير مشروعات قابلة للتجزئة، وتوفير شركات مقاولات واستشارات قادرة على العمل ضمن تحالفات دولية، إلى جانب نقل المعرفة في إدارة شبكات النقل والكهرباء والمياه والإسكان.

كما يمكن لمصر أن تشارك في إعادة تأهيل المناطق الصناعية وسلاسل الإنتاج الغذائي والدوائي، مستفيدة من قاعدة صناعية وسوق محلية كبيرة وخبرة في إدارة المشروعات الحكومية.

التمويل الخليجي

تملك دول الخليج العربي أداة قد تكون الأكثر حسما في معادلة إعادة الإعمار، وهي القدرة المالية، إذ تمتلك دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت صناديق سيادية ومؤسسات استثمارية قادرة على تمويل مشاريع طويلة الأجل، والدخول في شراكات مع الحكومات والشركات، وتحمل مراحل المخاطر الأولى في بعض القطاعات، شريطة توافر البيئة القانونية والسياسية المناسبة.

وتكمن أهمية التمويل الخليجي في أنه يستطيع الانتقال من نموذج المساعدات المباشرة إلى نموذج الاستثمار المنتج، عبر إنشاء صناديق مخصصة لإعادة إعمار سوريا، أو تأسيس شركات مشتركة في الطاقة والنقل والإسكان والصناعات الغذائية واللوجستية، أو تمويل مشاريع بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بحيث ترتبط الاستثمارات بعوائد مستقبلية من تشغيل الموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمناطق الصناعية.

لكن رأس المال الخليجي يحتاج إلى ضمانات سياسية وقانونية، وتقييمات جدوى دقيقة، ونظم مشتريات شفافة، وآليات لحماية المستثمرين، كما أن الصناديق السيادية لا تعمل بمنطق المنح المفتوحة، وإنما تبحث عن الاستدامة والعائد وإدارة المخاطر، ما يجعل الإصلاح المؤسسي والمالي في سوريا شرطا أساسيا لجذب التمويل طويل الأجل.

ومن هنا تبرز فرصة تشكيل تحالف عربي متكامل، يجمع التمويل الخليجي والخبرة التنفيذية المصرية والقدرات اللوجستية والهندسية الأردنية والخبرات المحلية السورية، مع الاستفادة من التكنولوجيا الأوروبية والآسيوية عند الحاجة، فالمنافسة مع الشركات الأجنبية لن تحسمها جنسية الشركة، وإنما قدرتها على تقديم منظومة متكاملة تشمل التمويل والتصميم والتنفيذ والتشغيل والتدريب ونقل المعرفة.

ميزة الشركات العربية

تمتلك الشركات العربية فرصا حقيقية للمنافسة، لكنها تواجه تحديات يمكن تجاوزها من خلال إنشاء ائتلافات عربية متخصصة، بدلا من تحرك كل شركة منفردة، ويمكن أن تتوزع الأدوار بين شركة خليجية توفر التمويل، وشركة مصرية تتولى التنفيذ، وشركة أردنية تدير الخدمات اللوجستية والهندسية والطبية، وشركات سورية تشارك في العمالة والتوريد والتشغيل، مع إمكانية إشراك شركات دولية في التكنولوجيا أو المعدات أو إدارة المخاطر.

كما ينبغي أن تستفيد الشركات العربية من القرب الثقافي واللغوي ومعرفة طبيعة الأسواق المحلية، وهي عناصر قد تخفض تكاليف التنسيق وتسرع عمليات التوظيف والتوريد، لكنها لا تعفيها من ضرورة الالتزام بالمعايير الدولية في الحوكمة والسلامة والشفافية وحماية البيئة.

في المحصلة، لن تكون إعادة إعمار سوريا سباقا بين شركات منفردة، وإنما اختبارا لقدرة المنطقة العربية على بناء منظومة اقتصادية متكاملة، فالأردن يستطيع أن يكون بوابة لوجستية ومركزا للخدمات الهندسية والصحية، ومصر قادرة على تقديم خبرة تنفيذية واسعة في البنية التحتية، ودول الخليج تمتلك أدوات التمويل والاستثمار، بينما توفر الشركات السورية المعرفة المحلية والعمالة والقدرة على الاندماج داخل الاقتصاد الوطني.

وإذا نجحت هذه العناصر في العمل ضمن إطار مؤسسي واضح، فقد تتمكن الشركات العربية من انتزاع موقع مؤثر في سوق إعادة الإعمار، ليس عبر منافسة الشركات الأجنبية في كل المجالات، وإنما عبر بناء تحالفات تتفوق في فهم البيئة المحلية، وتجمع بين التمويل والخبرة والقرب الجغرافي والقدرة على التنفيذ، أما إذا استمرت حالة التشتت وضعف التنسيق، فقد تتحول مليارات إعادة الإعمار إلى فرصة تستفيد منها الشركات الدولية الكبرى، بينما يكتفي الاقتصاد العربي بأدوار ثانوية في النقل والتوريد والخدمات المساندة.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.