En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

جرينلاند في قلب التنافس الدولي:الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم تعد جرينلاند جزيرة جليدية نائية في أقصى شمال العالم، فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة تقاطع بين الأمن القومي الأميركي، والطموحات الأوروبية في القطب الشمالي، والمصالح الصينية في المعادن الحيوية، والحضور العسكري الروسي المتنامي، وفي قلب هذا التنافس تقف مساحة جغرافية هائلة يسكنها نحو 57 ألف نسمة، لكنها تمتد على أكثر من 2.16 مليون كيلومتر مربع، ويغطي الجليد قرابة 80% من أراضيها، وفقا لبيانات الأمم المتحدة وإحصاءات جرينلاند، وهو تناقض جغرافي يفسر لماذا تبدو الجزيرة محدودة اقتصاديا في الوقت الراهن، بينما تتجاوز قيمتها الاستراتيجية حدود حجم اقتصادها بأضعاف هائلة.

تكمن أهمية جرينلاند في موقعها بين أميركا الشمالية وأوروبا، وعلى مقربة من الممرات البحرية المتغيرة في القطب الشمالي، فضلا عن وجودها ضمن المجال الحيوي لشبكة الإنذار المبكر ومراقبة التحركات الجوية والبحرية العابرة لشمال الأطلسي، كما أن موقعها يمنح القوة التي تمتلك نفوذا واسعا فيها قدرة أكبر على مراقبة الفجوة البحرية الممتدة بين جرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، وهي منطقة شديدة الأهمية في حسابات حركة الغواصات والردع الاستراتيجي بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.

الأمن الأميركي

تنظر واشنطن إلى جرينلاند من زاوية تتجاوز الموارد الطبيعية، فالمسألة الأساسية ترتبط بموقع الجزيرة في خطوط الاقتراب المحتملة من أميركا الشمالية، وبقدرتها على دعم منظومات الرصد الفضائي والإنذار الصاروخي ومراقبة النشاط العسكري الروسي في المحيط المتجمد الشمالي، وتستضيف الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية الأميركية، التي تؤدي وظائف مرتبطة بالإنذار المبكر وتتبع الأقمار الصناعية والعمليات الفضائية

وتمنح الاتفاقيات الدفاعية القائمة بين الولايات المتحدة والدنمارك واشنطن وجودا عسكريا في جرينلاند منذ عقود، ما يعني أن القيمة العسكرية للجزيرة لا تتطلب بالضرورة انتقال السيادة عليها إلى الولايات المتحدة، إذ يمكن تحقيق جزء كبير من الأهداف الأمنية عبر توسيع البنية التحتية العسكرية، وتعزيز أنظمة المراقبة، وتطوير المطارات والموانئ، وتكثيف التعاون مع الدنمارك وسلطات الحكم الذاتي في جرينلاند

ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة طرح قضية جرينلاند باعتبارها محاولة للحصول على ضمانات استراتيجية أوسع، وليس فقط سعيا إلى امتلاك مساحة جغرافية جديدة، وقد كشفت التطورات الأخيرة عن اتجاه نحو اتفاق يعزز الوجود العسكري الأميركي مع الإبقاء على جرينلاند ضمن السيادة الدنماركية، مع اشتراطات تستهدف منع الخصوم الاستراتيجيين، خصوصا روسيا والصين، من إنشاء حضور عسكري فيها، غير أن هذا الترتيب لا يصبح نهائيا قبل استكمال الإجراءات السياسية والقانونية المطلوبة في الدنمارك وجرينلاند.

الثروة المؤجلة

تملك جرينلاند موارد معدنية تفسر جزءا مهما من التنافس الدولي حولها، وتشمل الرواسب المحتملة للعناصر الأرضية النادرة، والنيكل، والكوبالت، والليثيوم، والغرافيت، واليورانيوم، ومعادن أخرى تدخل في إنتاج البطاريات، والمحركات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والمعدات العسكرية، والإلكترونيات المتقدمة، لكن تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية فعلية يواجه عقبات كبيرة تتعلق بالمناخ القاسي، وبعد مواقع التعدين عن الموانئ، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وضعف البنية التحتية، ومحدودية العمالة المتخصصة

وتقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية موارد جرينلاند من العناصر الأرضية النادرة بنحو 1.5 مليون طن، وهي كمية تمنح الجزيرة أهمية محتملة في تنويع مصادر الإمداد العالمية، لكنها لا تعني وجود احتياطيات تجارية جاهزة للاستخراج، فالفرق بين الموارد الجيولوجية والاحتياطيات القابلة للاستغلال اقتصاديا بالغ الأهمية، خصوصا في منطقة تتطلب استثمارات ضخمة في الطرق والموانئ والطاقة ومرافق المعالجة، كما أن استخراج المعادن النادرة لا ينهي مشكلة الاعتماد على الصين ما لم تتوافر قدرات مستقلة للفصل والتكرير والتصنيع الوسيط.

وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل هيمنة الصين على مراحل أساسية من سلاسل إمداد المعادن النادرة، إذ لا يكفي امتلاك الخام في الأرض لتغيير موازين القوة، فالقيمة الاستراتيجية الكبرى تكمن في القدرة على تحويله إلى مواد صناعية عالية النقاء ومغناطيسات ومكونات تدخل في الصناعات المتقدمة، ولهذا تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى الوصول إلى موارد جرينلاند ضمن استراتيجية أوسع لتقليل المخاطر المرتبطة بتركيز المعالجة العالمية في الصين.

الحضور الأوروبي

تتعامل أوروبا مع جرينلاند باعتبارها جزءا من المجال الاستراتيجي للمملكة الدنماركية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن القطب الشمالي أصبح مسرحا مباشرا للأمن الأوروبي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وانضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي، وما ترتب على ذلك من توسع المجال الجغرافي للتنسيق الدفاعي في الشمال الأوروبي

ورغم أن جرينلاند ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي، فقد كانت جزءا من الجماعة الأوروبية حتى عام 1985، ولا تزال تستفيد من علاقات مؤسسية وتمويلية عبر المملكة الدنماركية، كما ترى بروكسل في الجزيرة فرصة لتطوير شراكات في الطاقة المتجددة، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والمعادن الحيوية، والبحث العلمي، والبنية التحتية القطبية.

وقد أعلنت المفوضية الأوروبية عن حزمة استثمارية بقيمة 200 مليون يورو لتعزيز التعاون مع جرينلاند والدنمارك، مع التركيز على المعادن الحيوية والاتصالات الفضائية والطاقة المتجددة، في إشارة إلى أن الرد الأوروبي على الضغوط الأميركية لا يقتصر على البيانات السياسية، وإنما يتجه نحو توسيع الحضور الاقتصادي والمؤسسي في الجزيرة، مع التأكيد على أن مستقبل جرينلاند يجب أن يحدده سكانها.

لكن قدرة أوروبا على التحرك تظل مرتبطة بمحدودية بنيتها التحتية القطبية، وبالحاجة إلى تمويل طويل الأجل، وبالتوازن الدقيق بين حماية البيئة وتشجيع التعدين، فضلا عن ضرورة التنسيق مع الولايات المتحدة داخل حلف الأطلسي، ولذلك فإن الهدف الأوروبي لا يتمثل في تحويل جرينلاند إلى منطقة نفوذ منافسة لواشنطن، بقدر ما يتمثل في منع احتكار القرار الاستراتيجي حول الجزيرة من طرف واحد.

الحسابات الصينية

تتعامل الصين مع القطب الشمالي باعتباره مجالا متزايدا للأبحاث العلمية، والطرق البحرية، والوصول إلى الموارد الطبيعية، وقد وصفت نفسها في وثائقها الرسمية بأنها دولة قريبة من القطب الشمالي، رغم أنها ليست دولة قطبية وهو توصيف يعكس رغبتها في اكتساب شرعية سياسية واقتصادية للمشاركة في ترتيبات المنطقة.

وتتمثل الأدوات الصينية الأساسية في الاستثمار، والتعاون العلمي، وتطوير قدرات كاسحات الجليد، والدخول في سلاسل إمداد المعادن، غير أن محاولات الشركات الصينية توسيع حضورها في جرينلاند واجهت تحفظات من السلطات الدنماركية والجرينلاندية بسبب المخاوف الأمنية، خصوصا عندما ارتبطت المشاريع بالمطارات أو الموانئ أو الرواسب المعدنية ذات القيمة الاستراتيجية

وتكمن قوة الصين الحقيقية في قدرتها على المعالجة الصناعية، وليس بالضرورة في السيطرة المباشرة على الأراضي، فقد تستطيع بكين الاستفادة من موارد جرينلاند عبر عقود شراء طويلة الأجل أو شراكات صناعية أو اتفاقيات معالجة خارج الجزيرة، ولذلك فإن منع الاستثمارات الصينية في المناجم لا يحسم وحده مسألة النفوذ الصيني، ما لم ترافقه استراتيجية غربية متكاملة لبناء قدرات بديلة في التكرير والتصنيع.

الضغط الروسي

أما روسيا فإنها تنظر إلى القطب الشمالي باعتباره مجالا أمنيا واقتصاديا مركزيا، إذ تمتلك أطول ساحل قطبي في العالم، وتستثمر منذ سنوات في القواعد العسكرية والموانئ وكاسحات الجليد والبنية التحتية المرتبطة بطريق البحر الشمالي، الذي يمكن أن يصبح أكثر أهمية مع تراجع الجليد البحري وتغير مواسم الملاحة

لا تملك موسكو نفوذا مباشرا في جرينلاند، لكنها تستفيد من موقع الجزيرة في الحسابات العسكرية لشمال الأطلسي، فوجودها بين أميركا الشمالية وأوروبا يجعلها جزءا من معادلة الردع والمراقبة في المنطقة، كما أن تنامي التعاون الروسي الصيني في القطب الشمالي يثير مخاوف غربية من تحول التعاون الاقتصادي إلى نفوذ استراتيجي طويل الأجل.

مع ذلك ينبغي تجنب تصوير روسيا والصين باعتبارهما تمتلكان قدرة فورية للسيطرة على جرينلاند، فالعوائق الجغرافية والسياسية والأمنية كبيرة، كما أن الجزيرة تقع ضمن مملكة الدنمارك، وترتبط المنظومة الأمنية المحيطة بها بحلف شمال الأطلسي، ما يجعل أي محاولة لإنشاء حضور عسكري روسي أو صيني فيها عالية التكلفة والمخاطر.

اقتصاد السيادة

تطرح جرينلاند معضلة اقتصادية عميقة، فهي تمتلك مساحة شاسعة وثروات معدنية محتملة وموقعا استراتيجيا نادرا، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الصيد والتحويل الغذائي والدعم المالي الدنماركي، وتشير بيانات إحصاءات جرينلاند إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 22.9 مليار كرونة دنماركية عام 2023، بينما بلغت قيمة صادرات السلع والخدمات قرابة 9.35 مليارات كرونة، ويظل قطاع الصيد المصدر الرئيسي للإيرادات الخارجية، وهو ما يعكس الفجوة بين الإمكانات الجيولوجية الكبيرة والقاعدة الإنتاجية الفعلية المحدودة.

ومن هنا،فإن مستقبل جرينلاند لا يتوقف على الجهة التي ستفرض نفوذها السياسي، وإنما على قدرتها على تحويل الاهتمام الدولي إلى استثمارات مسؤولة ترفع الإنتاجية، وتخلق فرص العمل، وتطور البنية التحتية، وتحمي البيئة، وتمنح السكان المحليين حصة حقيقية من العائد الاقتصادي

في المحصلة، لا تدور المنافسة على جرينلاند حول جزيرة جليدية فحسب، وإنما حول مستقبل القطب الشمالي نفسه، ومن يملك القدرة على مراقبة ممراته، وتأمين موارده، والتحكم في بنيته التحتية، والتأثير في قواعده الاقتصادية والأمنية، فالولايات المتحدة تريد ضمان عمقها الدفاعي، وأوروبا تسعى إلى تثبيت حضورها في مجالها الجغرافي الاستراتيجي، والصين تبحث عن موطئ قدم في سلاسل الإمداد القطبية، بينما تعمل روسيا على حماية مجالها العسكري والاقتصادي في الشمال.

لكن المعادلة الأكثر حساسية تتمثل في أن جرينلاند ليست سلعة قابلة للتداول بين القوى الكبرى، إذ إن مستقبلها يرتبط بحقوق سكانها وترتيبات السيادة الدنماركية، وأي مشروع اقتصادي أو أمني لا يأخذ هذه الحقيقة في الحسبان سيظل معرضا للتعثر، مهما بلغت الموارد المتوقعة أو المصالح الجيوسياسية المحيطة به، ولذلك فإن القوة الحقيقية في جرينلاند لن تقاس فقط بمن يرفع علمه فيها، وإنما بمن يستطيع بناء شراكة طويلة الأجل تجعل سكان الجزيرة أصحاب مصلحة رئيسيين في مستقبلها الاقتصادي والاستراتيجي.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.