تعرضنا في المقال السابق لواقع البحث العلمي المصري خلال السنوات الماضية، وأشرنا إلى الطفرة الهائلة في المؤشرات الكمية للبحث العلمي المصري على المستوى الدولي والتي تعكس تطورًا كبيرًا لترتيب مصر في التصنيفات الدولية مقارنة بما كان عليه في 2014، حيث ارتفع عدد الأبحاث المصرية المنشورة في الدوريات الدولية من الفئة الأولى Q1 بصورة غير مسبوقة، وتحسن معامل التأثير العلمي للأبحاث المصرية H-index، كما أصبحت مصر الدولة الأولى إفريقيًا في عدد الأبحاث المنشورة دوليًا، وهو إنجاز يعكس حجم اهتمام الدولة المصرية والقيادة السياسية خلال العقد الماضي بتطوير الجامعات، ودعم الباحثين، وتوسيع برامج التمويل والتعاون الدولي.وبالرغم من أن هذه المؤشرات الكمية تعكس حضور الجامعات
والمراكز البحثية المصرية بصورة مميزة على خريطة البحث العلمي العالمية، إلا أن الأسئلة الأكثر أهمية وإلحاحا من هذا الحضور المميز هي: هل ترتبط هذه المخرجات البحثية الهائلة باحتياجات المجتمع الأساسية؟ وما مدى تأثير هذه الأبحاث في تحسين جودة حياة المواطنين وحل المشكلات القومية ذات الأولوية؟ فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي تقاس في عالمنا المعاصر بقدرته على تقديم حلول عملية للتحديات الوطنية، وتحويل المخرجات البحثية إلى ابتكارات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، وتساهم في تطوير الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والطاقة والبيئة وغيرها من القطاعات الحيوية.
وقد أشرنا في المقال السابق إلى عدد من الآليات لسد الفجوة بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع الأساسية، ومنها إعداد خطة أولويات بحثية على المستوى القومي تشارك في صياغتها جميع الجهات المعنية، مع تطبيق صارم لآليات متابعة وتقييم دقيقة لقياس مدى التزام الجامعات والمراكز البحثية بهذه الأولويات. كما أشرنا إلى أهمية التوسع في إنشاء حاضنات أعمال وتكنولوجية ومراكز الابتكار داخل الجامعات، ودعم إنشاء شركات جامعية بغرض تسويق المخرجات البحثية بما يعزز العلاقة بين الجامعات وقطاعات الإنتاج المختلفة. ولكن قبل كل ذلك تأتي مسألة تطوير منظومة الدراسات العليا على رأس آليات سد الفجوة المشار إليها، فهي أهم الآليات لإحداث نقلة نوعية في البحث العلمي المصري. فالغرض من الدراسات العليا ليس فقط حصول الدارس على الدرجة العلمية، ولكن الغرض الأهم هو إنتاج باحثين وعلماء ومبتكرين قادرين على إحداث التأثير المجتمعي وتلبية احتياجات الوطن، فإذا أردنا تطوير البحث العلمي بصورة حقيقية، وربطه باحتياجات المجتمع بشكل حقيقي، فلا بد أن نبدأ بتطوير منظومة الدراسات العليا أولًا.
إن التطورات المتسارعة في عالم اليوم نتيجة الثورة الصناعية الرابعة، ثم الثورة الصناعية الخامسة، وتطور المعرفة الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة، والتغير الجوهري في طبيعة الوظائف، تفرض علينا كمجتمع أكاديمي التركيز بصورة متزايدة على الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في أداء المهام التعليمية والبحثية ومحتوى برامج الدراسات العليا. ولذلك فإنه لم يعد من المقبول أن تستمر محتويات هذه البرامج بنفس الصورة التقليدية التي كانت عليها منذ عشرين أو ثلاثين عامًا، فمسألة إعداد باحث قادر على المنافسة عالميًا، يمتلك المهارات العلمية والتكنولوجية والرقمية التي تؤهله للإسهام في بناء اقتصاد المعرفة تتطلب منا جميعا وضع خطط لتطوير الدراسات العليا، مع تحديد مجموعة من الأولويات لإحداث نقلة نوعية في منظومتها.
الآلية الأولى للتطوير هي التحول من التعليم القائم على الحفظ والاسترجاع للمعلومات إلى التعلم القائم على البحث والتفكير النقدي وحل المشكلات، ففي عصر المعلومات والتكنولوجيا المتطورة أصبحت مهارات الباحث الحقيقي هي القدرة على تحليل الظواهر، واستخراج العلاقات بين المتغيرات، وتقديم حلول مبتكرة للمشكلات الواقعية، وليس القدرة على استرجاع معلومات متاحة في المراجع. ولذلك يجب أن تتطور أساليب التدريس والتقييم في برامج الدراسات العليا، لتركز بصورة أكبر على تنمية هذه المهارات، بدلاً من الدروس والامتحانات التقليدية التي في أغلبها تنمي وتقيس القدرة على استرجاع المعلومات فقط.
أما الآلية الثانية التي يجب التركيز عليها فهي تدريب طلاب الدراسات العليا على مناهج البحث العلمي الحديثة، إذ لا يزال عدد غير قليل من الخريجين يفتقرون إلى الإلمام الكافي بهذه المناهج، وليس لديهم القدرة في الغالب على اختيار المنهج الأنسب لطبيعة المشكلة البحثية ذات الاهتمام، أو صياغة الأسئلة العلمية بطريقة سليمة، أو الإجابة عنها بصورة منهجية منضبطة. إن توفير برامج تدريبية متخصصة ومستمرة في اختيار المناهج البحثية، واستخدام البرامج الإحصائية المتقدمة، وتحليل البيانات الضخمة، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي وفق الضوابط الأخلاقية والمعايير الأكاديمية، لم تعد من الأمور الثانوية أو تقع في نطاق الرفاهية، بل هي ضرورة ملحة إذا أردنا تخريج باحث قادر على ربط البحث العلمي بالمشكلات القومية وتقديم توصيات سليمة من الناحية العلمية. كما أن هذه المهارات أصبحت في عالمنا اليوم من أهم معايير جودة الإنتاج العلمي وإمكانية نشره في أرقى المجلات الدولية.
واتصالًا بهذه الآلية، تأتي أهمية ترسيخ ثقافة النشر الدولي بين طلاب الدراسات العليا باعتبارها جزءًا أصيلًا من عملية إعداد الباحث القادر على ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، وليس مجرد متطلب شكلي للحصول على الدرجة العلمية. فالنشر في المجلات الدولية المصنفة في قواعد البيانات الدولية يضمن المراجعة الدقيقة للبحوث من خبراء متخصصين في المجال، بما يسهم في رفع جودة البحوث، ويعزز مكانة الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية. وبالتالي فإن اشتراط نشر بحث مستخلص من الرسالة في مجلة علمية دولية، سواء في مرحلة الماجستير أو الدكتوراة، يعد خطوة مهمة نحو الارتقاء بمنظومة الدراسات العليا.
ومن الآليات المهمة أيضَا مسألة التوسع في الإشراف العلمي المشترك بالتعاون مع أساتذة متخصصين في الجامعات الدولية ذات السمعة المرموقة، بمن فيهم أساتذة الجامعات المصرية المعارين في هذه الجامعات أو علماء مصر المهاجرين العاملين بها. هذه الآلية تعزز مبادئ هامة للتعاون الدولي مثل تبادل الخبرات، والاطلاع على المدارس البحثية المختلفة، ورفع مستوى الرسائل العلمية، وبناء شراكات بحثية دولية مستدامة. فالتصنيفات الدولية للجامعات تعتمد بدرجة كبيرة على مدى التزام الجامعات بملف التعاون البحثي الدولي، والمشروعات المشتركة، والإشراف المتبادل بين الباحثين من مختلف الدول، وهي مبادئ يؤدي تطبيقها إلى تعزيز جودة الإنتاج العلمي وتأثيره العالمي.
وفي هذا الإطار يجب أن تشجع الجامعات طلابها في برامج الدراسات العليا نحو المشاركة في البحوث متعددة التخصصات والابتعاد بقدر الإمكان عن التركيز على تخصص وحيد، وذلك لأن معظم القضايا المعاصرة المرتبطة باحتياجات المجتمع والمشكلات القومية لا تندرج تحت مظلة تخصص علمي واحد، وإنما تتداخل في ثناياها تخصصات متعددة. فإذا نظرنا إلى قضايا مثل تغير المناخ، والتحول الرقمي، والرعاية الصحية، والمدن الذكية والمستدامة، سنجد أن التعامل مع ما تواجه من تحديات يستلزم التعاون بين خبراء من تخصصات مختلفة مثل الهندسة والطب والاقتصاد والجغرافيا والذكاء الاصطناعي، وليس تخصص وحيد.
والآلية الأخرى هي مسألة تطوير الخطط البحثية للكليات والتي يجب أن تؤكد على مسألة ربط رسائل الماجستير والدكتوراة بالأولويات الوطنية واحتياجات قطاعات الإنتاج والخدمات، بحيث تصبح هذه الرسائل وسيلة لحل المشكلات الحقيقية، وليست مجرد إضافات نظرية توضع على رفوف المكتبات دون فائدة حقيقية. عندما يحدث ذلك سوف يكون هناك حافز لدى القطاع الخاص والمؤسسات الإنتاجية والخدمية للمساهمة في تمويل البحث العلمي، للاستفادة من مخرجاته. فعندما يدرك أصحاب المصلحة أن البحث العلمي يمكن أن يسهم في معالجة مشكلة واقعية أو تطوير قطاع إنتاجي، تزداد دافعيتهم للمساهمة في تمويله، ومن هنا يمكن أن تتحول الجامعة إلى شريك رئيسي في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأخيرا يجب أن تركز الجامعات على مسألة إكساب المهارات البحثية الشاملة للطلاب، وخصوصا المهارات المرتبطة بمناهج البحث، وليس التركيز على إكسابهم المعرفة التخصصية فقط. هناك مجموعة متكاملة من المهارات التي يجب أن يكتسبها الباحث لكي يكون باحث جيد، وتشمل التفكير النقدي، والتحليل الإحصائي، وتحليل البيانات الضخمة، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والكتابة العلمية باللغة الإنجليزية، والعرض والتواصل العلمي، وإدارة المشروعات البحثية، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، إلى جانب الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي ومبادئ النزاهة الأكاديمية.
وفي الختام، نؤكد على أن تطوير منظومة الدراسات العليا يعتبر المدخل الحقيقي لبناء قاعدة علمية قوية في وطننا العزيز، وهذه القاعدة ستمثل الجزء الهام في تعزيز منظومة الاقتصاد القائم على المعرفة، وزيادة القدرة التنافسية للدولة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وإذا نجحنا في إعداد باحث متميز من خلال برامج الدراسات العليا، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لنهضة علمية مستدامة تستطيع أن تنقل الجامعات المصرية من مؤسسات لنقل المعرفة إلى مؤسسات لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.