في لحظات التحول الكبرى تعيد الدول تعريف مصالحها قبل ان تعيد تعريف سياساتها، والعالم يعيش اليوم واحدة من اكثر مراحله اضطرابا منذ نهاية الحرب الباردة، حروب ممتدة في ظل صراعات على الممرات التجارية، اعادة تشكيل لسلاسل الامداد، عقوبات اقتصادية، تنافس على الطاقة والتكنولوجيا، وتصاعد متسارع في منطق التكتلات الاقتصادية والسياسية، وفي مثل هذا العالم تصبح قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومصالحها مرتبطة بقدرتها على بناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات التي تمنحها خيارات اكبر وقدرة اعلى على امتصاص الصدمات.
من هنا تبرز الحاجة الى اعادة التفكير في مفهوم التكامل العربي بعيدا عن التصورات التي ربطت التعاون العربي بمشروعات سياسية تتجاوز حدود الدولة الوطنية او تتدخل في بنيتها الداخلية، فالمنطقة العربية لا تحتاج الى صيغة تنتقص من استقلال الدول او تفرض عليها نمطا سياسيا واحدا، إنما ما تحتاجه هو مشروع واضح يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع بناء مستوى متقدم من التنسيق الاقتصادي والسياسي في القضايا التي تمس المصالح العربية المشتركة، وهذه هي نقطة البداية لاي تصور واقعي للتكامل العربي في القرن الحادي والعشرين.
الدولة الوطنية هي الوحدة السياسية التي ينبغي ان ينطلق منها اي مشروع عربي حديث، فقوة النظام الاقليمي العربي لن تأتي من اضعاف الدول وانما من تعزيز قدرتها على الصمود والنمو والتفاوض وحماية مصالحها، وعندما تصبح الاقتصادات العربية اكثر ترابطا تصبح كل دولة اقل تعرضا للصدمات الخارجية، ويصبح مجموع الدول اكثر قدرة على مواجهة الضغوط الدولية والاقليمية، فالتكامل في هذا السياق لا ينتقص من السيادة و لكنه يضيف اليها عمقا اقتصاديا واستراتيجيا يجعل القرار الوطني اكثر قدرة على الصمود.
لدينا في العالم العربي سوق هائلة وتشير بيانات البنك الدولي الى ان عدد سكان العالم العربي تجاوز 492.6 مليون نسمة في عام 2024، فيما بلغ الناتج المحلي الاجمالي نحو 3.7 تريليون دولار، وهذه الارقام ينبغي ان تغير طريقة النظر الى السوق العربية فنصف مليار مستهلك يمثل قاعدة طلب ضخمة يمكن ان تمنح المنتجات العربية مساحة واسعة للنمو، وتدعم الاستثمار في الصناعة والتكنولوجيا والخدمات والزراعة والنقل واللوجستيات اذا جرى التعامل مع المنطقة كسوق مترابطة، كما ان اتساع السوق العربية يمكن ان يمنح الشركات المحلية فرصة للوصول الى حجم انتاج اكبر، وخفض التكاليف، وتحسين قدرتها التنافسية عالميا.
والسؤال الذي يستحق ان يطرح بجدية هو، لماذا لا يكون المصنع العربي قادرا على النظر الى المنطقة العربية كلها كسوق طبيعية لمنتجاته؟ ولماذا تبقى بعض الدول العربية مستوردة لسلع تستطيع دول عربية اخرى انتاجها بكفاءة؟ ولماذا تخرج رؤوس الاموال العربية بحثا عن فرص استثمارية في الخارج بينما توجد داخل المنطقة فجوات كبيرة في الصناعة والطاقة والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا؟، ان هذه الاسئلة تقود الى جوهر المشكلة فالقضية لا تتعلق بندرة الموارد بقدر ما تتعلق بضعف الترابط بين عناصر القوة.
هناك دول تمتلك رؤوس اموال وقدرات استثمارية هائلة، ودول تمتلك موارد طبيعية وطاقة، ودول تتمتع بقاعدة صناعية، واخرى لديها اراض زراعية وموارد بشرية، ودول تقع على اهم الممرات التجارية في العالم، وعندما تجتمع هذه العناصر في منظومة اقتصادية مترابطة، تصبح القيمة الناتجة عنها اكبر كثيرا من مجموعها منفردا، وقد تنتج دولة مكونات صناعية وتوفر اخرى التمويل وتقدم ثالثة التكنولوجيا وتوفر رابعة المواد الخام، ثم يعاد تصدير المنتج النهائي الى السوق العربية والعالمية، وهنا تتحول الحدود الى نقاط اتصال داخل منظومة انتاج واحدة مع بقاء السيادة السياسية لكل دولة كاملة.
التكامل المطلوب يمكن ان يبدأ من خطوات عملية تتمثل في تسهيل حركة السلع، تخفيض العوائق غير الجمركية، تطوير الربط اللوجستي، توحيد بعض المواصفات والمعايير، تشجيع الاستثمارات العابرة للحدود، وربط سلاسل الانتاج، وتطوير تمويل عربي للمشروعات الاستراتيجية، وتجربة دول مجلس التعاون تقدم مؤشرا مهما على امكانية هذا المسار، فقد اشار صندوق النقد الدولي الى ارتفاع حصة التجارة في القيمة المضافة من التجارة البينية الخليجية من نحو 5% عام 2005 الى 15% عام 2021، وهو تطور يعكس انتقالا تدريجيا من مجرد تبادل السلع الى مشاركة اكبر في انتاج القيمة نفسها.
وتزداد اهمية هذا النموذج في ظل الازمات العالمية فالحروب الحديثة اثبتت ان الامن الاقتصادي اصبح جزءا مباشرا من الامن القومي، وتعطيل ممر بحري يمكن ان يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، والحرب في منطقة زراعية يمكن ان تؤثر في اسعار الغذاء عالميا، والعقوبات يمكن ان تعيد تشكيل التجارة والتمويل، والاضطرابات الجيوسياسية يمكن ان تنتقل بسرعة الى التضخم والعملات والاستثمار، وقد دفعت المنطقة العربية ثمنا كبيرا لهذه التحولات، اذ تشير بيانات منظمة الاغذية والزراعة الى ان نحو 77.5 مليون شخص في الدول العربية عانوا الجوع خلال عام 2024، فيما واجه نحو 197.7 مليون شخص انعداما متوسطا او شديدا في الامن الغذائي، وهي ارقام تجعل التكامل في الغذاء والزراعة والنقل والتخزين والتمويل قضية امن قومي بالمعنى الاقتصادي للكلمة.
ومن هنا تأتي اهمية التنسيق السياسي العربي، فلا حاجة الى توحيد السياسات الخارجية للدول العربية في كل الملفات، ولا الى انتاج موقف واحد تجاه كل ازمة دولية، فلكل دولة حساباتها ومصالحها وعلاقاتها وخصوصيتها، والمطلوب هو بناء مساحة مشتركة للمصالح الاستراتيجية، احترام السيادة، رفض التدخل في الشؤون الداخلية، حماية الامن العربي، حماية الممرات التجارية، وتعزيز الامن الغذائي والطاقة، وتنسيق المواقف عندما تتعرض المصالح العربية المشتركة لضغوط خارجية، فهذا المستوى من التنسيق لا ينتقص من القرار الوطني وانما يمنحه عمقا اقليميا اوسع.
الدبلوماسية هنا تصبح امتدادا للقوة الاقتصادية، فالدولة التي تمتلك سوقا محدودة تتفاوض وفق حجم سوقها، اما مجموعة من الدول التي تمثل سوقا تقارب نصف مليار نسمة وتمتلك موارد طاقة ورؤوس اموال وممرات تجارية وموقعا جغرافيا استثنائيا، فتمتلك مساحة تفاوضية مختلفة، والقوة في هذه الحالة لا تحتاج الى خطاب صدامي، لان النفوذ الحقيقي يظهر عندما تصبح لدى الآخرين مصلحة في الحفاظ على علاقاتهم مع الدول المندمجة في تكتلات اقتصادية، وكلما توسعت المصالح الاقتصادية العربية المشتركة زادت قدرة الدول على التفاوض من موقع اكثر توازنا.
ومن هنا ايضا يمكن فهم العلاقة بين التكامل العربي والامن القومي، فالفراغ الاقليمي لا يبقى فراغا، وعندما لا تقدم الدول العربية مشروعا اقتصاديا وسياسيا اقليميا قائما على التنمية والاستقرار والتجارة والاستثمار، ستظهر مشاريع اخرى لملء المساحة، وبعض هذه المشاريع يحمل تصورات سياسية وامنية تتعارض مع المصالح العربية، وتسعى الى توسيع النفوذ عبر الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية او عبر توظيف الانقسامات الداخلية في دول المنطقة، ومواجهة هذه المشاريع لا تحتاج الى الدخول في صراعات مفتوحة مع كل طرف اقليمي، وانما تحتاج قبل كل شيء الى بناء مشروع عربي قوي يقدم بديلا اكثر استقرارا وكفاءة وجاذبية.
المشروع العربي القوي لا يحتاج الى مهاجمة المشاريع الاخرى حتى يقوض قدرتها على التمدد، يكفي ان يقدم بديلا قادرا على خلق الفرص وتحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار، فعندما توجد شبكة عربية للطاقة، وسوق عربية اوسع، وسلاسل امداد عربية، واستثمارات عابرة للحدود، وممرات نقل مترابطة، ومشروعات غذائية مشتركة، ومنظومة تمويل واستثمار قادرة على تمويل المشاريع الكبرى، تصبح المنطقة اكثر قدرة على حماية مصالحها، وتصبح قدرة المشاريع المنافسة على اختراق المجال العربي اقل، لان الاقتصادات والمجتمعات تجد امامها خيارات عربية اكثر قوة وفاعلية.
لقد تغيرت طبيعة المنافسة الدولية فالقوة العسكرية ما زالت مهمة، والقوة السياسية ما زالت حاسمة، لكن الاقتصاد اصبح واحدا من اهم مصادر النفوذ، والدول الكبرى تستخدم الاسواق والاستثمارات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والطاقة والتمويل كادوات في سياستها الخارجية، وفي هذه البيئة يصبح من الصعب على الدول العربية ان تعظم نفوذها وهي تتعامل مع قدراتها الاقتصادية بصورة منفصلة، خصوصا ان العالم يتجه بسرعة نحو التكتلات وتعظيم القوة من خلال اتساع السوق وتكامل الموارد.
المرحلة المقبلة تحتاج الى رؤية عربية اكثر نضجا، دول وطنية قوية ذات سيادة كاملة، تتعاون في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحها، وتنسق مواقفها حيث تكون مصالحها الجماعية مهددة، وتفتح اسواقها تدريجيا امام منتجات بعضها وتربط بنيتها التحتية، وتستثمر فوائضها في بناء قدرات انتاجية عربية، وتطور منظومة مشتركة للامن الغذائي والطاقة والنقل والتكنولوجيا، هذا النموذج يحترم الدولة الوطنية ويعززها، ويجعل التكامل وسيلة لرفع القدرة التفاوضية، وتعزيز النمو، وتوسيع الاسواق، وتقليل المخاطر، وتحقيق الامن الاقتصادي، وبناء وزن عربي قادر على التأثير في النظام الدولي.
في النهاية، لا تكمن قيمة التكامل العربي في ان العرب يستطيعون ان يكونوا اكبر اذا اجتمعوا فقط، وانما في ان العالم نفسه اصبح اكثر حاجة الى التكتلات، بينما ما زالت المنطقة العربية تمتلك مقومات تكتل اقتصادي وجيوسياسي كبير، فالدول العربية تستطيع ان تحافظ على استقلال قرارها، وفي الوقت ذاته تستند الى محيط اقتصادي وسياسي يمنحها عمقا استراتيجيا اوسع، ويمكن للاقتصاد العربي ان يتحول من مجموعة اسواق متجاورة الى شبكة مصالح متبادلة، ويمكن للدبلوماسية العربية ان تنتقل من التعامل المنفرد مع الازمات الى تنسيق المواقف في القضايا التي تمس الامن والمصالح المشتركة.
والسؤال الذي سيحسم موقع العالم العربي في السنوات المقبلة ليس حجم ما نملكه، فقد عرفنا منذ زمن اننا نملك الكثير، السؤال الحقيقي هو هل نملك القدرة السياسية والاقتصادية على تحويل ما نملكه الى قوة منظمة، فاذا نجحنا في ذلك، يمكن للدولة العربية ان تدخل النظام الدولي وهي اكثر مناعة، واكثر استقلالا في قرارها، واوسع في اسواقها، واقوى في تفاوضها، ويصبح التكامل العربي مشروعا للمستقبل، لا حلما من الماضي، ومشروعا يحمي الدولة الوطنية من خلال تقوية اقتصادها، ويحمي الامن القومي من خلال بناء المصالح المشتركة، ويمنح العالم العربي قدرة حقيقية على الانتقال من موقع التأثر بالتحولات الدولية الى موقع اكثر قدرة على التأثير فيها.