En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

صراع الفضاء والتسلح الجديد.. مليارات في المدار وإعادة تشكيل موازين الهيمنة

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم يعد الفضاء الخارجي مجرد امتداد للتنافس العلمي بين الدول، فقد أصبح أحد أهم المكونات المادية للقدرة على إنتاج القوة الاقتصادية والعسكرية وممارستها، إذ تعتمد شبكات الاتصالات العالمية، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاستطلاع العسكري، ومراقبة حركة السفن والطائرات، والتنبؤات الجوية، وإدارة سلاسل الإمداد، على بنية تحتية فضائية تتجاوز قيمتها المباشرة حدود قطاع الفضاء نفسه، ومن ثم فإن الصراع على المدار الأرضي لم يعد منفصلا عن الصراع على الأسواق والتكنولوجيا وأمن الطاقة والقدرة على إدارة الأزمات الدولية.

تتجه القوى الكبرى إلى إعادة تعريف الفضاء بوصفه مجالا استراتيجيا تتقاطع فيه ثلاثة مستويات من القوة، أولها القدرة على الوصول إلى المدار وإطلاق الأقمار الصناعية وتشغيلها، وثانيها القدرة على حماية هذه الأصول وتعطيل قدرات الخصوم، وثالثها امتلاك منظومات القيادة والسيطرة التي تحول البيانات الفضائية إلى قرارات عسكرية واقتصادية، وفي هذا السياق يتخذ التنافس الأميركي الصيني الروسي صورة سباق طويل الأمد على التفوق التكنولوجي، حيث لا تقاس القوة بعدد الصواريخ أو الأقمار الصناعية وحده، وإنما بمدى قدرة الدولة على دمج هذه المنظومات في شبكة متماسكة يصعب اختراقها أو تعطيلها.

قبة استراتيجية

يجسد مشروع «القبة الذهبية لأميركا» هذا التحول في التفكير الاستراتيجي، فهو تصور لمنظومة دفاع صاروخي وطنية متعددة الطبقات تجمع بين المستشعرات الأرضية والبحرية والفضائية، وقدرات التتبع والإنذار المبكر، ووسائل الاعتراض التي تستهدف التعامل مع تهديدات صاروخية متنوعة، بما فيها الصواريخ الباليستية والمناورات المتقدمة والصواريخ فرط الصوتية، وتتمثل الفكرة الأساسية في الانتقال من الدفاع عن نقاط محددة إلى بناء شبكة واسعة قادرة على اكتشاف التهديد والتعامل معه عبر مراحل مختلفة من رحلته.

وتكمن أهمية المشروع الاقتصادية والاستراتيجية في أن مكوناته المحتملة لا تنتمي إلى صناعة واحدة، فهي تحتاج إلى الأقمار الصناعية، ومركبات الإطلاق، وأجهزة الاستشعار، والبرمجيات المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة الاتصالات الآمنة، والذكاء الاصطناعي، والصواريخ الاعتراضية، وهو ما يجعل المشروع أداة محتملة لإعادة توجيه الاستثمارات الصناعية الأميركية نحو قطاعات تكنولوجية ذات قيمة استراتيجية مرتفعة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام التزامات مالية هائلة قد تمتد لعقود.

وتقدم دراسة مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي الصادرة في 12 مايو 2026 مرجعا مهما لفهم هذه المعضلة، فقد قدر المكتب تكلفة منظومة دفاع صاروخي وطني ذات خصائص مماثلة للتوجهات الواردة في الأمر التنفيذي الذي أطلق مشروع القبة الذهبية بنحو 1.2 تريليون دولار على مدى عشرين عاما بأسعار عام 2026، مع تجاوز تكاليف اقتناء المكونات تريليون دولار، بينما تحدث مسؤولو المشروع عن تقدير يقارب 185 مليار دولار لتنفيذ البنية المستهدفة خلال العقد الأول، ويعود التباين إلى اختلاف نطاق المنظومة وافتراضات التصميم، وتؤكد الدراسة أن تقديراتها توضيحية وليست ميزانية نهائية للمشروع

وتحمل هذه الفجوة بين التقديرين دلالة تتجاوز حجم الأرقام، إذ تكشف أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من تصور سياسي واسع إلى منظومة قابلة للتنفيذ والتمويل، فكلما اتسعت مساحة التغطية وتعددت التهديدات وازدادت الحاجة إلى عناصر فضائية، ارتفعت تكاليف التطوير والتشغيل والصيانة والاستبدال، كما أن المنظومة لا يمكن أن تكون حصنا مطلقا أمام هجوم واسع النطاق، وهو ما أشار إليه مكتب الميزانية في تحليله، محذرا من أن نظاما من هذا النوع لن يكون درعا منيعا في مواجهة القدرات الصاروخية الكبيرة التي قد تمتلكها روسيا أو الصين.

سباق متصاعد

تأتي القبة الذهبية في بيئة دولية يتسع فيها الإنفاق العسكري وتتزايد فيها أهمية التقنيات الفضائية، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة حقيقية بلغت 2.9% عن عام 2024، فيما أنفقت الولايات المتحدة والصين وروسيا مجتمعة نحو 1.48 تريليون دولار، أي ما يعادل 51% من الإنفاق العسكري العالمي، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وتكشف هذه الأرقام عن تركيز غير مسبوق للموارد العسكرية في أيدي القوى الكبرى، رغم أن الإنفاق الفضائي لا يمثل سوى جزء من هذه الموازنات.

وتستند المنافسة إلى منطق استراتيجي يقوم على أن امتلاك قدرة هجومية أو دفاعية في الفضاء قد يغير حسابات الخصم قبل اندلاع أي مواجهة، فالدولة القادرة على حماية أقمارها وتعطيل منظومات خصومها تستطيع التأثير في دقة الصواريخ، وكفاءة الاتصالات، وفاعلية الاستطلاع، وسرعة اتخاذ القرار، غير أن هذا المنطق ينتج معضلة أمنية متصاعدة، إذ قد تعتبر دولة ما منظومة دفاعية ضرورية لحماية أمنها، بينما تراها دولة أخرى منصة محتملة لشن هجوم استراتيجي، فترد بتطوير قدرات مضادة، وهكذا يتحول الاستثمار في الردع إلى محفز لسباق تسلح جديد.

ويزداد تعقيد المشهد مع انتشار الأنظمة ذات الاستخدام المزدوج، فالقمر الصناعي الذي يوفر خدمات اتصالات تجارية يمكن أن يدعم العمليات العسكرية، وتقنيات الإطلاق المدني قد تخدم برامج استراتيجية، والذكاء الاصطناعي المستخدم في تحليل الصور الفضائية يمكن أن يتحول إلى أداة للاستهداف العسكري، ما يجعل الفصل بين الاقتصاد الفضائي المدني والاقتصاد العسكري أكثر صعوبة، ويمنح الدول التي تتحكم في سلاسل التكنولوجيا المتقدمة قدرة على فرض معاييرها وشروطها على الأسواق العالمية

كلفة الردع

تكمن المعضلة الاقتصادية الأعمق في أن سباق التسلح الفضائي لا ينتج بالضرورة علاقة خطية بين حجم الإنفاق ومستوى الأمن المتحقق، فالدول التي تستثمر في منظومات دفاعية متقدمة تواجه خصوما يستطيعون تطوير وسائل اختراق أو تشويش أو استهداف أقل كلفة نسبيا، ما يخلق ما يعرف في الاقتصاد الاستراتيجي بمشكلة اختلال تكلفة الهجوم والدفاع، حيث قد تحتاج الدولة إلى إنفاق مبالغ ضخمة لحماية منظومة معقدة، بينما يستطيع الخصم استثمار موارد أقل لتعطيل مكون محدد فيها.

وتزداد هذه المعضلة وضوحا في الدفاع ضد الصواريخ الباليستية والمناورة، إذ يتطلب اعتراض التهديد منظومات استشعار متطورة وصواريخ اعتراضية باهظة الثمن، بينما يمكن للمهاجم تنويع مسارات الهجوم واستخدام وسائل خداعية أو تشويشية تزيد صعوبة الاعتراض، وهذا لا يعني أن الدفاع الصاروخي عديم الجدوى، وإنما يؤكد أن فعاليته يجب أن تقاس ضمن منظومة متكاملة من الردع والدبلوماسية والقدرات الدفاعية، لا باعتباره ضمانة تقنية مطلقة.

وتقدم دراسة مكتب الميزانية في الكونغرس نموذجا مهما لهذه الإشكالية، فقد أوضحت أن منظومة الدفاع الصاروخي الوطني المفترضة قد تتطلب أكثر من تريليون دولار لاقتناء مكوناتها خلال عشرين عاما، بينما يمكن أن تستمر تكاليف التشغيل والاستبدال والتحديث في الارتفاع مع تغير طبيعة التهديدات، وهو ما يطرح سؤالا اقتصاديا جوهريا حول استدامة الإنفاق، ومدى قدرة الصناعة الدفاعية على توفير هذه التقنيات بالسرعة المطلوبة، والجدوى النسبية لتوجيه هذه الموارد إلى منظومات دفاعية متعددة الطبقات مقارنة بالبدائل الاستراتيجية الأخرى.

صناعة القوة

يمنح التنافس الفضائي الدول الرائدة فرصة لإعادة بناء صناعاتها على أساس تقنيات متقدمة، فالإنفاق العسكري على الأقمار الصناعية والرقائق وأنظمة الدفع والاتصالات قد يحفز الابتكار ويخلق طلبا على المهارات الهندسية والعلمية، كما يمكن أن يؤدي إلى انتقال بعض التقنيات إلى الاستخدامات المدنية، وقد أسهمت برامج فضائية وعسكرية تاريخية في تطوير تقنيات أصبحت جزءا من الاقتصاد العالمي، غير أن الاستفادة الاقتصادية من هذا المسار ليست تلقائية، إذ تتوقف على طبيعة المؤسسات، ودرجة المنافسة، وآليات نقل المعرفة، وقدرة القطاع الخاص على تحويل الابتكارات إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.

وتشير بيانات مؤسسة اقتصاد الفضاء إلى أن الاقتصاد الفضائي العالمي بلغ نحو 613 مليار دولار عام 2024 وفقا لتقديرات مؤسسة Space Foundation، وهو رقم يشمل الأنشطة التجارية والحكومية المرتبطة بالفضاء، ولا يقتصر على الإنفاق العسكري، ويعكس اتساع السوق التي تتنافس فيها الشركات على خدمات الإطلاق والاتصالات والاستشعار عن بعد، لكن هذا النمو يرافقه تركيز كبير للقدرات الصناعية والمالية في عدد محدود من الدول والشركات، ما يجعل التحكم في البنية التحتية الفضائية مصدرا محتملا للنفوذ الاقتصادي والسياسي.

وهنا يظهر أحد أهم التحولات في طبيعة الهيمنة العالمية، فالقوة لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك المعدات العسكرية، وإنما بالسيطرة على منظومة القيمة التي تبدأ من البحث العلمي وتصنيع الرقائق، وتمتد إلى تطوير البرمجيات وإنتاج الأقمار الصناعية وإطلاقها وتشغيلها، ثم توظيف البيانات في الخدمات التجارية والعسكرية، ومن يسيطر على هذه السلسلة يستطيع التأثير في شروط الوصول إلى التكنولوجيا، وتحديد المعايير التقنية، وتشكيل شبكات الاعتماد الاقتصادي التي تربط الدول الأقل تقدما بمراكز الإنتاج العالمية.

هيمنة رقمية

تكتسب السيطرة على الفضاء أهمية خاصة في ظل انتقال الاقتصاد العالمي نحو الاعتماد الكثيف على البيانات والاتصالات والبنية التحتية الرقمية، فالأقمار الصناعية تدعم أنشطة اقتصادية واسعة، من النقل البحري والجوي إلى الزراعة وإدارة الكوارث والخدمات المالية، وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصاد الفضائي يوفر بنية تحتية أساسية وخدمات تدعم صنع القرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل سلامة هذه البنية مصلحة عالمية تتجاوز الحسابات العسكرية للدول الكبرى.

ومن هذا المنطلق، فإن التنافس على الفضاء يعيد إنتاج مفهوم جديد للهيمنة، يقوم على القدرة على التحكم في تدفقات المعلومات والخدمات الحيوية، فالدولة التي تعتمد على منظومات ملاحة أو اتصالات أو بيانات فضائية مملوكة للخارج قد تواجه مخاطر اقتصادية وسيادية في حال اندلاع أزمة دولية، حتى دون تعرض أراضيها لهجوم مباشر، كما أن حرمان دولة من الوصول إلى خدمات فضائية حيوية قد يؤثر في قدرتها على إدارة الموانئ والنقل والطاقة والاتصالات والاستجابة للكوارث.

وتتضاعف أهمية هذه المسألة مع توسع الشركات التجارية التي تقدم خدمات فضائية ذات استخدامات مدنية وعسكرية في آن واحد، إذ يثير ذلك أسئلة حول حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات الخاصة في الأزمات الدولية، والمسؤولية القانونية عن الأصول الفضائية، ومدى قدرة الحكومات على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، خصوصا عندما تصبح البنية التحتية التجارية جزءا من الحسابات العسكرية للقوى المتنافسة.

فجوة تنموية

تتحمل الدول النامية تبعات هذا التنافس من موقع اقتصادي غير متكافئ، فمعظمها لا يمتلك القدرات التمويلية والتكنولوجية اللازمة لتطوير منظومات فضائية متقدمة، كما أن محدودية الإنفاق على البحث والتطوير وضعف البنية الصناعية قد يحرمانها من المشاركة في سلاسل القيمة الجديدة، ويحولانها إلى مستهلك للخدمات والتقنيات التي تنتجها القوى الكبرى، وهذا الوضع يعمق الفجوة بين الدول المالكة للتكنولوجيا والدول التي تعتمد على استيرادها.

وتقدم مؤشرات البنك الدولي حول الاقتصاد الرقمي دليلا على اتساع التفاوت في توزيع منافع التكنولوجيا، إذ استحوذت أكبر ستة اقتصادات على نحو 70% من القيمة المضافة العالمية في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات وفقا لتقرير البنك الدولي عن التقدم الرقمي، وهو مؤشر لا يقيس الاقتصاد الفضائي تحديدا، لكنه يوضح درجة تركيز الأنشطة الرقمية عالية القيمة في مجموعة محدودة من الاقتصادات، ويمكن إسقاط دلالته على التحدي الأوسع الذي تواجهه الدول النامية في بناء قدراتها التكنولوجية.

وفي المقابل، يستطيع التعاون الفضائي السلمي أن يوفر للدول النامية أدوات مهمة للتنمية، فبيانات الاستشعار عن بعد تساعد في إدارة الموارد المائية ومراقبة المحاصيل والتنبؤ بالكوارث، كما تتيح خدمات الاتصالات الفضائية توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت في المناطق النائية، غير أن تحقيق هذه المنافع يتطلب سياسات دولية تضمن إتاحة البيانات وتطوير القدرات المحلية، بدلا من تكريس تبعية طويلة الأجل لمزودي التكنولوجيا الخارجيين.

بيئة مهددة

لا تقتصر مخاطر عسكرة الفضاء على التكاليف المالية أو التفاوت التكنولوجي، إذ قد تؤدي العمليات المضادة للأقمار الصناعية إلى إنتاج حطام مداري يهدد الأقمار الأخرى، بما فيها الأصول المدنية التي تعتمد عليها الاقتصادات حول العالم، وقد حذرت الأمم المتحدة من مخاطر الأنشطة التي تضر باستدامة الفضاء الخارجي، فيما تواصل الدول النقاش حول منع سباق التسلح الفضائي ووضع قواعد للسلوك المسؤول.

وتزداد حساسية هذه المسألة مع ارتفاع كثافة النشاط في المدار الأرضي المنخفض، إذ أشارت تقديرات أممية وخبراء في إدارة حركة الأجسام الفضائية إلى وجود أكثر من 14 ألف قمر صناعي في المدار عام 2024، إلى جانب ملايين القطع من الحطام الفضائي، فيما يمكن للتصادمات أو عمليات التدمير المتعمدة أن تزيد مخاطر تعطيل البنية الفضائية العالمية، وتفرض تكاليف إضافية على مشغلي الأقمار الصناعية والدول التي تعتمد على خدماتها.

ويمثل الحطام الفضائي نموذجا واضحا لمشكلة اقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية، إذ قد تتسبب عملية عسكرية تنفذها دولة واحدة في الإضرار بأصول فضائية تابعة لدول أخرى، وهو ما يشبه في جوهره مشكلة الآثار الخارجية السلبية، حيث يتحمل المجتمع الدولي جزءا من تكلفة قرار تتخذه جهة منفردة، وتحتاج معالجة هذه المشكلة إلى قواعد ملزمة وشفافية أكبر في العمليات الفضائية، وآليات لتبادل بيانات التتبع والإنذار، والتزام واضح بالحد من الاختبارات التي تنتج حطاما مدارا.

نظام متصدع

يأتي سباق الفضاء في مرحلة تتراجع فيها قدرة المؤسسات الدولية على إدارة التنافس الاستراتيجي، إذ تتعارض المصالح الأمنية للقوى الكبرى مع الحاجة إلى قواعد مشتركة تحمي الاستخدام السلمي للفضاء، وقد أظهرت النقاشات الأممية حول منع سباق التسلح الفضائي صعوبة التوصل إلى توافقات واسعة بشأن تعريف الأسلحة الفضائية وآليات التحقق والرقابة، خصوصا مع تنامي القدرات ذات الاستخدام المزدوج.

وتكمن خطورة هذا الفراغ التنظيمي في احتمال تحول المنافسة التقنية إلى سباق تسلح يصعب ضبطه، فكل دولة تسعى إلى حماية أصولها الفضائية قد تطور قدرات يمكن أن يفسرها الخصوم على أنها أدوات هجومية، ومع غياب الشفافية الكافية، قد تؤدي المناورات أو الاختبارات أو عمليات الاقتراب المداري إلى سوء تقدير يرفع احتمالات التصعيد، ما يجعل بناء الثقة وتبادل المعلومات ضرورة استراتيجية لا خيارا دبلوماسيا ثانويا.

وتحتاج الدول النامية في هذا السياق إلى حضور أكبر في صياغة قواعد الحوكمة الفضائية، إذ لا ينبغي أن تقتصر المفاوضات على القوى التي تمتلك القدرات العسكرية والتكنولوجية الكبرى، وإنما يجب أن تشمل مصالح الدول التي تعتمد على الفضاء في التنمية والاتصالات وإدارة الموارد، فاستدامة الفضاء قضية تنموية عالمية، وليست شأنا أمنيا محصورا في عواصم القوى العظمى.

معادلة مستقبلية

يكشف صراع الفضاء عن انتقال المنافسة الدولية إلى مرحلة تتشابك فيها القوة العسكرية مع القدرة الصناعية والسيطرة على البيانات والابتكار التكنولوجي، ويجسد مشروع القبة الذهبية الأميركية أحد أبرز النماذج على هذا التحول، بما يطرحه من طموحات دفاعية ضخمة وتكاليف مالية محتملة تمتد لعقود، غير أن تقييم المشروع وغيره من البرامج الفضائية العسكرية يتطلب تجاوز الخطاب السياسي إلى تحليل دقيق لتكاليف دورة الحياة، والفاعلية العملياتية، ومخاطر التصعيد، والآثار الاقتصادية بعيدة المدى.

إن استمرار سباق التسلح الفضائي دون قواعد دولية فاعلة قد يعيد إنتاج نمط من الهيمنة يتركز فيه النفوذ التكنولوجي والاقتصادي لدى مجموعة محدودة من القوى، فيما تواجه الدول النامية قيودا أكبر على الوصول إلى المعرفة والبنية التحتية الفضائية، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي يتمثل في تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الوطني ومقتضيات الاستقرار المالي، وبين حماية المصالح الاستراتيجية للدول وضمان أن يظل الفضاء موردا مشتركا يخدم التنمية البشرية والاقتصادية.

فالمستقبل لن تحدده فقط قدرة الدول على نشر الأقمار الصناعية أو تطوير الصواريخ الاعتراضية، وإنما ستحدده أيضا قدرتها على إدارة تكلفة القوة، ومنع تحول التكنولوجيا إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار، وتأسيس نظام دولي يضمن أن تتحول إنجازات الفضاء إلى فرص تنموية متاحة على نطاق أوسع، لا إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الفجوة بين من يصنعون التكنولوجيا ومن يضطرون إلى شرائها.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.