En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

من المواطنة إلى الأمن الثقافي:قراءة في كتاب ثقافة المواطنة في مواجهة التطرف

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في سياق تاريخي تتقاطع فيه تحولات الهوية مع التطور المتسارع للفضاء الرقمي، وتتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي مع قضايا الوعي والثقافة والانتماء، يأتي كتاب «ثقافة المواطنة في مواجهة التطرف» للدكتورة إسراء أحمد إسماعيل ليقدم معالجة فكرية متعددة الأبعاد لإحدى أبرز الظواهر التي واجهت الدولة الوطنية الحديثة خلال العقود الأخيرة، وهي ظاهرة التطرف والإرهاب.

ويكتسب الكتاب أهمية خاصة لحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في مجال ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، فضلًا عن طرحه مقاربة تتجاوز التفسير الأمني التقليدي لظاهرة الإرهاب، فلا يقتصر على دراسة التنظيمات المتطرفة أو تحليل خطابها الأيديولوجي، بل يتجه إلى بحث السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تسهم في إنتاج التطرف، مع التركيز على العلاقة بين تراجع قيم المواطنة واتساع فرص الاستقطاب والتجنيد التي تستغلها الجماعات الراديكالية.

تنطلق الدراسة من افتراض نظري مفاده أن الإرهاب لا يمثل ظاهرة منفصلة عن السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ينشأ في إطارها، بل يرتبط، في بعض تجلياته، باختلالات تصيب منظومة الاندماج المجتمعي والانتماء والمشاركة العامة. فعندما تتراجع فرص المشاركة، ويضعف الشعور بالانتماء، وتنكمش مساحات الحوار والتعددية، وتتعرض الهوية الوطنية للتشظي، قد تتسع قابلية بعض الفئات الاجتماعية للتأثر بالخطابات المتطرفة التي تقدم نفسها بوصفها بديلًا عن الأطر الوطنية والمؤسسية القائمة.

وفي هذا الإطار، ترفض الدراسة اختزال مواجهة الإرهاب في التدابير الأمنية والعسكرية وحدها، من دون التقليل من أهمية هذه التدابير في حماية المجتمع ومواجهة التهديدات المباشرة. فالمعالجة المستدامة للتطرف تتطلب، إلى جانب الاستجابة الأمنية، سياسات تستهدف معالجة الظروف الاجتماعية والثقافية والمؤسسية التي قد توفر بيئة مواتية لانتشاره. ومن ثم، تبرز المواطنة بوصفها مدخلًا تحليليًا لفهم العلاقة بين الاستقرار المجتمعي ومواجهة التطرف.

يعيد الكتاب تناول مفهوم المواطنة من خلال تتبع أبعاده الفلسفية والتاريخية، بدءًا من تجلياته في الحضارات القديمة، مرورًا بالتحولات التي أفرزتها الثورات الديمقراطية الحديثة، وصولًا إلى موقعه في إطار الدولة الوطنية المعاصرة. ولا تقف الدراسة عند الحدود القانونية للمواطنة باعتبارها رابطة بين الفرد والدولة، بل تتعامل معها باعتبارها منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات والقيم والممارسات التي تؤسس لعلاقة قائمة على الاعتراف المتبادل والكرامة والمشاركة والانتماء.

وبهذا المعنى، لا تُختزل المواطنة في حيازة الجنسية أو التمتع بمجموعة من الحقوق الدستورية، وإنما تتجاوز ذلك إلى كونها ممارسة اجتماعية وثقافية وسياسية تتجسد في وعي الفرد بحقوقه وواجباته، وإدراكه لمسؤوليته تجاه مجتمعه، وشعوره بالاندماج في الإطار الوطني العام. وتكشف هذه المقاربة عن أهمية البعد الثقافي للمواطنة في دعم التماسك المجتمعي والحد من مظاهر التهميش والإقصاء.

تحتل قضية الهوية موقعًا محوريًا في التحليل الذي يقدمه الكتاب، إذ لا تتعامل الدراسة معها باعتبارها مفهومًا ثقافيًا مجردًا، بل بوصفها أحد العناصر المؤثرة في تشكيل الاستقرار السياسي والاجتماعي. وتوضح المؤلفة أن الجماعات المتطرفة تسعى إلى استثمار أزمات الهوية وتوظيفها في بناء انتماءات بديلة تتجاوز الأطر الوطنية، من خلال تقديم سرديات تمنح أتباعها إحساسًا بالتميز والخصوصية والانتماء إلى جماعة مغلقة.

وفي المقابل، تبرز أهمية بناء هوية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التنوع والاعتراف بالاختلاف، وترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الدين أو الأصل أو الانتماء الاجتماعي. فكلما اتسعت قدرة الدولة على دمج مكوناتها الاجتماعية ضمن إطار وطني مشترك، تراجعت فرص توظيف الانقسامات المجتمعية في إنتاج خطاب إقصائي أو متطرف.

تتمثل إحدى الإضافات الأساسية للكتاب في الانتقال من دراسة المواطنة بوصفها مفهومًا قانونيًا وسياسيًا إلى تحليلها باعتبارها ثقافة مجتمعية متكاملة. فالتحدي لا يرتبط فقط بمدى توافر الحقوق والضمانات المؤسسية، وإنما يمتد إلى طبيعة القيم الاجتماعية التي تحكم ممارسة هذه الحقوق والواجبات.

ومن هذا المنطلق، تطرح الدراسة مفهوم «ثقافة المواطنة» باعتباره إطارًا قيميًا يعزز التسامح والتعددية واحترام القانون وقبول الآخر والمشاركة في إدارة الشأن العام. وتكتسب هذه الثقافة أهميتها من قدرتها على الإسهام في بناء فرد يمتلك أدوات التفكير النقدي، وقادر على التمييز بين الخطابات المختلفة، ومقاومة النزعات الإقصائية والعنيفة. وبذلك، تصبح المواطنة عنصرًا وقائيًا ضمن منظومة أوسع لمواجهة التطرف، وليس مجرد نتيجة للسياسات العامة.

ينتقل الكتاب إلى مناقشة مفهوم المجال العام، باعتباره أحد المفاهيم المركزية في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر. فالمجال العام لا يمثل مجرد مساحة للنقاش السياسي، بل يشكل حيزًا تتفاعل داخله الأفكار والقيم والاتجاهات، ويتبلور من خلاله الوعي الجمعي والثقافة السياسية للمجتمع.

وتربط الدراسة بين فاعلية المواطنة وحيوية المجال العام، إذ إن قدرة الأفراد على التعبير والمشاركة وإدارة الاختلاف بصورة سلمية تمثل أحد الشروط المهمة لترسيخ قيم المواطنة. وفي المقابل، قد يؤدي انكماش المجال العام أو احتكاره أو إخضاعه لاستقطاب حاد إلى إضعاف قنوات الحوار المجتمعي، بما يتيح للخطابات المتطرفة استثمار مشاعر الإقصاء وانعدام التمثيل، وتقديم نفسها بوصفها بديلًا عن الأطر المؤسسية القائمة.

تتجلى القيمة التحليلية للكتاب بصورة أوضح عند انتقاله إلى دراسة المجال العام الافتراضي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. فالتفاعلات السياسية والاجتماعية لم تعد محصورة في المؤسسات التقليدية أو الفضاءات المادية، بل أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا متزايدًا في إنتاج الأفكار والهويات والانتماءات، وفي تشكيل الاتجاهات العامة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة المجال العام وآليات تشكله، بالنظر إلى ما تتيحه البيئة الرقمية من فرص للتعبير والتواصل، وما تفرضه في الوقت ذاته من تحديات تتعلق بانتشار المعلومات المضللة، والاستقطاب، وتضخم الخطابات المتشددة. ومن ثم، فإن دراسة العلاقة بين المواطنة والفضاء الرقمي تمثل مدخلًا مهمًا لفهم التحولات التي طرأت على عمليات التنشئة السياسية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة.

يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بقدرة التنظيمات الإرهابية على توظيف أدوات الاتصال الحديثة في نشر أفكارها واستقطاب الأفراد، موضحًا أن هذه التنظيمات لم تعد تعتمد بصورة حصرية على الخطاب العقائدي التقليدي، بل طورت أنماطًا اتصالية تستفيد من تقنيات الإنتاج الإعلامي والتسويق السياسي وصناعة الصورة الذهنية.

وتكمن أهمية هذا الطرح في الكشف عن أن الخطاب المتطرف لا يقتصر على تقديم مجموعة من الأفكار الأيديولوجية، وإنما يسعى كذلك إلى بناء هوية جماعية وتوفير إحساس بالانتماء، وتقديم تصورات للخلاص والمعنى والقوة. وتساعد هذه المقاربة على فهم بعض الآليات التي تجعل الخطابات المتطرفة قادرة على الوصول إلى فئات معينة، ولا سيما في البيئات التي تعاني من أزمات الانتماء أو التهميش أو ضعف الاندماج الاجتماعي.

يتناول الكتاب تجربة تنظيم داعش باعتبارها نموذجًا بارزًا لتوظيف الوسائط الرقمية في عمليات الدعاية والتجنيد والتعبئة. ولا يقتصر التحليل على البعد العسكري والأمني للتنظيم، بل يركز على بنيته الاتصالية والإعلامية، وكيفية استثماره للتقنيات الرقمية في إنتاج محتوى متعدد اللغات والمنصات، وتوظيف السرد البصري والرسائل العاطفية في تشكيل صورته الذهنية والترويج لخطابه.

ويكشف هذا التناول عن أهمية البعد الإعلامي في دراسة التنظيمات المتطرفة، إذ لم تعد الدعاية مجرد أداة ثانوية مرافقة للنشاط الميداني، بل أصبحت مكونًا أساسيًا في استراتيجيات الاستقطاب والتعبئة. ومن هنا، تبرز ضرورة تطوير مقاربات بحثية تجمع بين الدراسات الأمنية والإعلامية والاجتماعية لتحليل ديناميات التطرف في البيئة الرقمية.

يصل الكتاب في مراحله الأخيرة إلى مفهوم الأمن الثقافي، الذي يمثل أحد أبرز مرتكزاته النظرية. فالأمن، وفق هذا التصور، لا يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية، وإنما يشمل كذلك حماية المنظومة القيمية والثقافية التي يقوم عليها تماسك المجتمع واستقراره.

وفي هذا الإطار، تطرح الدراسة إشكالية العلاقة بين حماية الأمن العام وصون الحقوق والحريات التي تشكل جوهر المواطنة. وهي إشكالية تكتسب أهمية خاصة في ظل التحدي المتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات مكافحة الإرهاب من ناحية، وضمان سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات من ناحية أخرى.

وتؤكد هذه المقاربة أن المواجهة المستدامة للتطرف تتطلب عدم التعامل مع الأمن والمواطنة باعتبارهما هدفين متعارضين بالضرورة، بل النظر إليهما باعتبارهما عنصرين متكاملين ضمن منظومة الاستقرار الوطني. فتعزيز العدالة، وتوسيع نطاق المشاركة، ودعم الاندماج الاجتماعي، وترسيخ المساواة أمام القانون، تمثل جميعها عوامل يمكن أن تسهم في الحد من قابلية المجتمعات للتأثر بالخطابات المتطرفة.

لا يقتصر كتاب «ثقافة المواطنة في مواجهة التطرف» على تقديم وصف لظاهرة الإرهاب، بل يسعى إلى تفسير بعض البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي قد تسهم في نشأتها واستمرارها. ومن خلال الربط بين المواطنة والهوية والمجال العام والفضاء الرقمي والأمن الثقافي، يقدم الكتاب إطارًا تحليليًا متعدد الأبعاد لفهم العلاقة بين التطرف والتماسك المجتمعي.

وتتمثل الأهمية الأبرز لهذه المقاربة في تأكيدها أن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تقتصر على التدخلات الأمنية، بل يتعين أن تمتد إلى مؤسسات التنشئة والتعليم والإعلام والثقافة، وإلى مختلف المجالات التي تتشكل داخلها منظومة الوعي الوطني. فبناء مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، ومدرك لمسؤوليته المجتمعية، وقادر على التعامل النقدي مع الخطابات الإقصائية، يمثل أحد المداخل المهمة لتعزيز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة التطرف والعنف.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه إسهامًا فكريًا في حقل الدراسات المتقاطعة بين العلوم السياسية والدراسات الأمنية والثقافية، لما يطرحه من قضايا تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين المواطنة والاستقرار والأمن، في ظل بيئة دولية ومجتمعية تشهد تحولات متسارعة تفرض إعادة التفكير في أدوات بناء الدولة وتعزيز مناعتها المؤسسية والمجتمعية.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.