تدخل إسرائيل انتخابات الكنيست السادس والعشرين في 27 أكتوبر 2026 في مشهد سياسي يطرح سؤال يتجاوز المنافسة التقليدية بين الأحزاب والمرشحين: هل يستطيع النظام السياسي الإسرائيلي إنتاج حكومة مستقرة فعلا أم أن إسرائيل تقترب مرة أخرى من نمط الجمود الذي حكم الحياة السياسية بين عامي 2019 و2022؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن انتخابات 2026 تأتي بعد فترة مختلفة نسبيا عن السنوات التي سبقتها، فمن المقرر أن يكمل الكنيست الحالي ولايته القانونية الكاملة لأول مرة منذ عام 1988، بعد 13 حالة متتالية جرى فيها حل الكنيست قبل انتهاء مدته. ومع ذلك، يشير تحليل البروفيسور “عوفر كينج” من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن إسرائيل لا تزال من بين أكثر الديمقراطيات البرلمانية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعرضا للانتخابات المتكررة بمتوسط انتخابات كل سنين ونصف في الفترة من 1996 إلى 2026 وهو معدل يضعها في المرتبة قبل الأخيرة بين دول المنظمة متجاوزة اليونان فقط.
هذا التناقض الظاهري بين اكتمال الولاية البرلمانية من جهة واستمرار التصنيف المرتفع لتكرار الانتخابات من جهة أخرى يكشف أن اكتمال الولاية الحالية لا يعني بالضرورة أن الأسباب البنيوية للأزمة قد اختفت.
بل يمكن النظر إلى انتخابات 2026 باعتبارها اختبار جديد لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على كسر الحلقة التي أنتجت أزمة 2019–2022.
والفرضية التي نتناولها هنا هي أن احتمال عودة الجمود السياسي لا يرتبط فقط بنتيجة الانتخابات وإنما بمدى تشابه البيئة السياسية الجديدة مع الشروط التي أنتجت الأزمة السابقة:
- غياب أغلبية واضحة
- تعدد مراكز القوة
- صعوبة تشكيل ائتلاف من 61 عضو
- الانقسام داخل المعسكرات نفسها
- تأثير الأحزاب الصغيرة ونسبة الحسم في تحويل الأصوات إلى مقاعد
أزمة انتخاب حكومة إسرائيلية 2019–2022
كانت انتخابات أبريل 2019 نقطة البداية لسلسلة غير مسبوقة من الأزمات، فبعد الانتخابات لم يتمكن بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة وانتهى الأمر بحل الكنيست وإجراء انتخابات جديدة في سبتمبر من العام نفسه، وكانت تلك المرة الأولى في تاريخ كيان الاحتلال الإسرائيلي التي تُجرى فيه انتخابات مرتين خلال عام واحد، لكن الانتخابات الثانية لم تحسم المأزق بل بقيت الخلافات بين معسكر نتنياهو ومعسكر خصومه إلى جانب الخلافات داخل كل معسكر تحول دون تشكيل ائتلاف مستقر.
وفي انتخابات مارس 2020 حصل الليكود على 36 مقعد بينما حصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على 58 مقعد فقط مقابل 55 مقعد للأحزاب التي عارضت تشكيل حكومة برئاسته (أزرق أبيض 33 والقائمة المشتركة 15 وحزب العمل 7)، ورغم أن هذا المعسكر الأخير لم يمتلك أغلبية 61 أيضا فإن الفوارق الأيديولوجية بين مكوناته حالت دون تحويل أي أغلبية محتملة إلى حكومة، وأدت هذه الحالة إلى حل وسط غير مسبوق بين نتنياهو وبيني جانتس وتشكيل حكومة تناوب بينهما. غير أن انعدام الثقة بين الطرفين والخلاف حول الميزانية أديا في النهاية إلى انهيار التجربة وحل الكنيست.
ثم جاءت انتخابات مارس 2021 التي أفرزت بدورها نتيجة غير حاسمة قبل أن يتمكن نفتالي بينيت ويائير لابيد من تشكيل ائتلاف من ثمانية أحزاب ذات توجهات سياسية وأيديولوجية متباينة بدعم من القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس وهو عامل حاسم يجب ألا نغفله في تحليل آليات تشكيل الحكومات في إسرائيل، ورغم أن حكومة بينيت–لابيد نجحت في إنهاء حكم نتنياهو مؤقتا فإنها لم تستطع الحفاظ على أغلبية مستقرة. ففي أبريل 2022 انسحبت عضو الكنيست عيديت سيلمان من الائتلاف ثم انسحبت جايدا ريناوي زعبي في مايو ليصبح الائتلاف عمليا عند 59 عضو.
وفي يونيو 2022 انتهت التجربة وتم حل الكنيست. ولذلك أشار “يوحنان بلسنر” رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في يونيو 2022 إلى أن الأزمة السياسية الأسوأ في إسرائيل لم تنتهي عندما أدت هذه الحكومة اليمين وإنما تراجعت فحسب لتعود عندما فشل هذا الائتلاف في إيجاد سبيل للاستمرار، وهنا تظهر النقطة الأهم بالنسبة إلى انتخابات 2026: الأزمة لم تكن مرتبطة بنتيجة انتخابية واحدة وإنما كانت تتكرر لأن النظام كان عاجز عن تحويل النتائج الانتخابية إلى ائتلاف مستقر.
وهذا ما يفسر لماذا يرى “كينج” أن الظاهرة لم تكن حادث استثنائي بل نتيجة خلل بنيوي في قدرة النظام السياسي على إنتاج حكومات.
ثانيًا: كيف تحولت انتخابات 2022 إلى نتيجة شبه متعادلة ؟
انتخابات الأول من نوفمبر 2022 التي أنتجت الكنيست الخامس والعشرين بدت في البداية وكأنها أنهت الأزمة، فقد حصل الليكود على 32 مقعد بينما حصلت أحزاب المعسكر المؤيد لنتنياهو مجتمعة على 64 مقعد من أصل 120 وهو ما منح نتنياهو أغلبية واضحة لتشكيل حكومة، لكن قراءة النتيجة من زاوية عدد الأصوات تكشف صورة أكثر تعقيد، فوفق تحليل المعهد الإسرائيلي للديمقراطية كان الفارق في الأصوات بين معسكر نتنياهو ومعسكر خصومه يقارب 30 ألف صوت فقط أي أقل من مقعد برلماني واحد، ومع ذلك تحولت هذه النتيجة شبه المتعادلة إلى فارق كبير في المقاعد بلغ 64 مقعد لصالح معسكر نتنياهو.
فقد فشل حزب ميرتس (حزب يساري صهيوني) في تجاوز هذه النسبة بعدما حصل على 3.16% فقط من الأصوات. أما حزب بلد (حزب عربي قومي) فلم يترشح أساسا في تلك الانتخابات بعدما انسحب من القائمة المشتركة وقرر خوض الانتخابات منفردا ثم انسحب، ونتيجة لذلك، أُهدر نحو 290 ألف صوت كان معظمها محسوب على المعسكر المناهض لنتنياهو مما ساعد في تحويل فارق ضئيل في الأصوات إلى أغلبية مريحة لصالح معسكر اليمين.
وفي المقابل دخلت أحزاب معسكر نتنياهو الانتخابات في وضع أكثر انضباط ونجحت في تقليل مخاطر ضياع الأصوات خاصة بعد اندماج الصهيونية الدينية مع حزب عوتسما يهوديت في قائمة واحدة.
لكن هذا لم يكن انتصار انتخابي كاسح من حيث حجم التأييد الشعبي ولا نتيجة استراتيجية ذكية من نتنياهو وحده بقدر ما كان نتيجة تفاعل بين ثلاثة عوامل:
- تركيب القوائم المتنافسة
- تفرق أحزاب المعارضة
- آلية نسبة الحسم التي حولت فارق ضئيل في الأصوات إلى أغلبية مريحة في المقاعد
وهنا تكمن أهمية انتخابات 2026، فآلية نسبة الحسم ليست في صالح طرف بعينه وإنما هي آلية محايدة يمكن أن تنقلب نتائجها حسب ظروف كل انتخابات، فإذا توزعت الأصوات في 2026 على عدد أكبر من القوائم وسقطت بعض القوائم – خاصة تلك المحسوبة على معسكر نتنياهو هذه المرة – تحت نسبة الحسم فإن العامل نفسه الذي ساعد نتنياهو في 2022 يمكن أن يمنعه في 2026 من الوصول إلى 61 مقعد حتى لو كان الفارق في التصويت الشعبي محدود.
انتخابات 2026 وعودة الشروط القديمة بأدوات جديدة:
لا يبدو المشهد الانتخابي الحالي نسخة طبق الأصل من أزمة 2019–2022 لكنه يحمل بعض آلياتها الأساسية.
أولاً: التشظي السياسي، فبعد إغلاق باب تقديم القوائم في سبتمبر 2026 تقدم 38 قائمة للمنافسة في الانتخابات بينما تشير التقديرات والاستطلاعات إلى أن عدد القوائم القادرة فعليا على دخول الكنيست أقل بكثير.
ثانياً: عدم وجود معسكر واحد يملك حتى الآن طريق واضح إلى أغلبية 61، ففي استطلاع نًشر بعد إغلاق القوائم حصل الليكود على 23 مقعد مقابل 23 لحزب «يَشَر» بقيادة جادي أيزنكوت و15 لحزب «بِيَحَد» بقيادة نفتالي بينيت و10 لحزب «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيجدور ليبرمان و10 لشاس و9 ليهدوت هتوراه و8 للديمقراطيين و7 للقائمة العربية المشتركة و6 لعوتسما يهوديت و5 لراعم و4 للصهيونية الدينية.
والنتيجة الأهم ليست من يتصدر الاستطلاع وإنما أن الخريطة لا تنتج أغلبية حكم واضحة بصورة تلقائية.
ثالثاً: هو تعدد مراكز القوة داخل المعسكرات نفسها، ففي معسكر اليمين لم يعد نتنياهو يتحرك في مواجهة خصم واحد كما لم يعد قادر على افتراض وحدة كاملة داخل المعسكر الذي قاد حكومته. وقد حاول قبل إغلاق القوائم دفع الأحزاب اليمينية والدينية إلى توحيد صفوفها لتجنب إهدار الأصوات لكن المحاولة لم تنتهي إلى توحيد كامل حيث اندمجت الصهيونية الدينية بقيادة إيتمار بن جفير مع حزب «زهوت» بقيادة موشيه فايجلين، بينما رفض بن جفير العودة إلى تحالف سابق مع بتسلئيل سموتريتش، كما رفض عوفر وينتر دعوات الاندماج معهم وقرر خوض الانتخابات بشكل مستقل.
ونتيجة لذلك، ظل حزبه «عَمخا يسرائيل» يتأرجح تحت نسبة الحسم في معظم الاستطلاعات ما يجعله مصدر محتمل لأصوات ضائعة بالكامل.
أما المعسكر المناهض لنتنياهو فلا يبدو بدوره كتلة واحدة، فإلى جانب أيزنكوت يوجد زعماء معارضين أخرين منهم نفتالي بينيت ويائير جولان وأفيجدور ليبرمان وهو ما يعني أن التحدي أمام نتنياهو لا يتمثل فقط في خسارة أصوات لصالح منافس واحد وإنما في احتمال نشوء عدة مراكز قادرة على إعادة تشكيل الخريطة الائتلافية بعد الانتخابات، وهنا تحديدا يمكن أن تبدأ إعادة إنتاج أزمة 2019–2022 لكن بآليات مختلفة: فبينما كان الجمود السابق ناتج عن استحالة التحالف بين نتنياهو وجانتس/لابيد قد يكون الجمود الجديد ناتج عن استحالة التحالف بين أيزنكوت وبنيت أو بين أيزنكوت وليبرمان أو بسبب رفض أيزنكوت التحالف مع الأحزاب العربية، وهذا فرق جوهري في طبيعة الأزمة.
معضلة الـ61 مقعد في النظام الإسرائيلي
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعا في قراءة الانتخابات الإسرائيلية هو التعامل مع الحزب صاحب العدد الأكبر من المقاعد باعتباره الفائز النهائي.. لكن في النظام الإسرائيلي الحزب الأكبر لا يستطيع الحكم منفرد بل من يستطيع أن يصل للحكم هو من يستطيع بناء ائتلاف – ائتلاف قوي يمكنه تأمين أغلبية برلمانية أو على الأقل صيغة تسمح للحكومة بالعمل والاستمرار، وهذا ما أثبتته انتخابات 2020 و2021 بوضوح: في بعض الحالات امتلك معسكر نتنياهو عدد كبير من المقاعد لكنه لم يمتلك 61مقعد بينما امتلك خصومه أغلبية عددية دون القدرة على تحويلها إلى ائتلاف بسبب الانقسامات الأيديولوجية والسياسية.
لذلك فإن السؤال المركزي في انتخابات 2026 هو: من يستطيع الوصول إلى 61؟ ومن يستطيع الحفاظ على هذه الأغلبية بعد تشكيل الحكومة؟ وهذا فارق جوهري، فقد أثبتت تجربة حكومة بينيت–لابيد أن الوصول إلى 61 لا يعني بالضرورة الاستقرار إذ يمكن لائتلاف ضيق ومتناقض أيديولوجيا أن يسقط بمجرد فقدان عدد محدود من أعضائه.
وفي هذا السياق تكتسب الأحزاب الصغيرة -مثل إسرائيل بيتنو بقيادة ليبرمان والأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراه بـ19 مقعد متوقعة) والأحزاب العربية (12 مقعد متوقعة) – أهمية تفوق حجمها الانتخابي لأنها قد تصبح صاحبة القدرة على ترجيح الكفة في أي ائتلاف محتمل.
ثلاثة سناريوهات محتملة بعد انتخابات 2026
بناء على هذه المعطيات يمكن تصور ثلاثة سناريوهات رئيسية
السيناريو الأول: إعادة إنتاج أزمة 2019–2022
يخرج أي معسكر دون 61 مقعد وتبدأ مفاوضات ائتلافية معقدة، يصبح عدد محدود من الأحزاب الصغيرة صاحب القدرة على ترجيح الكفة بينما تمنع الخلافات الأيديولوجية أو الشخصية بعض التحالفات، وفي حال فشل جميع البدائل، تعود إسرائيل إلى أزمة تشكيل حكومة بما يفتح الباب أمام احتمال انتخابات جديدة.
السيناريو الثاني: تشكيل حكومة بأغلبية ضيقة
يتمكن أحد المعسكرين من جمع 61 مقعد لكن الحكومة حينها ستكون شديدة الهشاشة بحيث يصبح كل عضو في الائتلاف ذا قيمة سياسية استثنائية، في هذه الحالة تكون إسرائيل قد تجنبت تكرار الأزمة الانتخابية مباشرة لكنها لم تتجاوز بالضرورة أزمة الاستقرار الحكومي.
السيناريو الثالث: كسر الحلقة
تنتج الانتخابات كتلة قادرة على بناء ائتلاف أكثر تماسك أو تظهر صيغة تعاون تتجاوز الاصطفافات الحالية، وفي هذه الحالة تصبح انتخابات 2026 نقطة تحول حقيقية وليس مجرد جولة جديدة من دورة الجمود.
ختاماً لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن إسرائيل ستكرر أزمة 2019–2022 كما لا تسمح باعتبار الانتخابات المقبلة مجرد امتداد آلي لها. لكن المقارنة بين المرحلتين تكشف أن عدد من الآليات التي أنتجت الأزمة السابقة لا يزال قائم كما ذكرنا..
وفي المقابل هناك متغيرات جديدة يمكن أن تغير النتيجة أهمها ظهور أكثر من مركز قوة داخل معسكر المعارضة (أيزنكوت وبنيت وليبرمان وجولان) واستمرار الانقسام داخل اليمين (بن جفير ووينتر وسموتريتش) وتغير صورة نتنياهو بعد سنوات الحرب والأزمات السياسية والأمنية، لذلك فإن انتخابات 2026 يجب أن تُقرأ باعتبارها اختبار للنظام السياسي الإسرائيلي أكثر من كونها مجرد اختبار انتخابي لنتنياهو أو منافسيه، فإذا أنتجت الانتخابات كتلة واضحة وقابلة للحكم يمكن القول إن إسرائيل تجاوزت بالفعل إرث 2019–2022.
أما إذا أنتجت برلمان مجزأً دون أغلبية واضحة فإن أزمة السنوات السابقة قد لا تكون انتهت أصلا وإنما كانت قد دخلت مرحلة هدنة مؤقتة، والفارق بين النتيجتين لن تحدده بالضرورة الجهة التي ستحتل المركز الأول وإنما القدرة على تحويل نتيجة الانتخابات إلى ائتلاف يملك 61 مقعد ثم الحفاظ على هذه الأغلبية بعد أن يبدأ الحكم.