En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

ترامب وزيلينسكي.. هل تعيد واشنطن رسم مستقبل القيادة الأوكرانية؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

تطرح دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تغيير القيادة الأوكرانية، أو البحث عن بديل للرئيس فولوديمير زيلينسكي، تساؤلات تتجاوز الخلاف الشخصي بين الرئيسين إلى طبيعة الرؤية الأمريكية لمستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، وحدود الدعم الغربي لكييف، وإمكانية إعادة صياغة التوازنات السياسية التي تحكم مسار التسوية، فمثل هذه الدعوة، إذا اقترنت بمواقف أمريكية عملية بشأن الدعم العسكري والضمانات الأمنية، قد تعكس تحولًا في طريقة إدارة واشنطن للصراع، من التركيز على تمكين أوكرانيا من مواصلة المواجهة إلى الضغط باتجاه قيادة أكثر استعدادًا للتفاوض وفق الشروط التي تراها الإدارة الأمريكية قابلة للتنفيذ.

قيود دستورية

لكن من الضروري التمييز بين الدعوة السياسية إلى تغيير زيلينسكي وبين القدرة الفعلية على إحداث تغيير في القيادة الأوكرانية. فالرئاسة الأوكرانية تستند إلى اعتبارات دستورية وسياسية داخلية، كما أن استمرار الأحكام العرفية وتعقيدات إجراء الانتخابات في ظل الحرب يفرضان قيودًا على أي انتقال سياسي. ولذلك، لا يمكن التعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها قرارًا أمريكيًا قادرًا وحده على تحديد مستقبل القيادة في كييف، بل ينبغي قراءتها باعتبارها أداة ضغط محتملة لإعادة ترتيب خيارات أوكرانيا التفاوضية، واختبار مدى استعداد مؤسساتها السياسية للتكيف مع التحولات في الموقف الأمريكي.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن زيلينسكي لم يعد يتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية مع روسيا فحسب، بل باعتبارها أيضًا معركة للحفاظ على استقلال القرار الأوكراني، وضمان استمرار الدعم الغربي، والحصول على ترتيبات أمنية تحول دون تجدد الهجوم الروسي مستقبلًا. ومن ثم، فإن أي حديث عن استبداله يثير سؤالًا جوهريًا: هل تستهدف واشنطن تغيير الشخص الذي يمثل أوكرانيا على طاولة المفاوضات، أم تغيير النهج السياسي الذي يحكم موقف كييف من التسوية؟ فالمعضلة الأمريكية قد لا تكون مرتبطة بزيلينسكي في حد ذاته بقدر ارتباطها بمدى استعداد القيادة الأوكرانية لقبول تسوية تتضمن تنازلات صعبة، في مقابل ضمانات أمنية ومكاسب سياسية واقتصادية يمكن تقديمها باعتبارها أساسًا لإنهاء الحرب.

تضارب المصالح

وتكشف التطورات التي شهدتها الأيام الماضية عن أن الخلاف بين ترامب وزيلينسكي يرتبط بصورة مباشرة بتعارض الأولويات بين واشنطن وكييف. فقد أعلن ترامب التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إتاحة إمدادات من الديزل الروسي للأسواق، بنحو 300 ألف طن ثم 500 ألف طن في نوفمبر، في محاولة لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود، ثم دعا إلى اختيار رئيس أوكراني جديد يكون قادرًا على التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وجاء ذلك في أعقاب انتقادات زيلينسكي للترتيب الأمريكي الروسي، وتحذيره من أن تخفيف القيود على صادرات الطاقة الروسية قد يوفر لموسكو موارد إضافية لتمويل عملياتها العسكرية.

ومن ثم، فإن الربط بين الدعوة إلى تغيير زيلينسكي واتفاق الديزل ليس مجرد تزامن سياسي، بل يكشف عن تحول في ترتيب المصالح داخل الحسابات الأمريكية. فالإدارة الأمريكية تبدو أكثر استعدادًا للتعامل مع الحرب من منظور تكاليفها المباشرة على الاقتصاد الأمريكي، بدلًا من استمرار إعطاء الأولوية لاعتبارات الضغط الاستراتيجي على روسيا. ومع ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، تصبح قدرة الإدارة على إظهار نتائج اقتصادية ملموسة جزءًا من حساباتها الداخلية، بما قد يدفعها إلى اختبار تفاهمات مع موسكو حتى إن أثارت اعتراضات أوكرانية وأوروبية.

شروط الدعم

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت التخلي عن أوكرانيا، وإنما يشير إلى إعادة تقييم شروط الدعم وحدوده. فترامب يسعى إلى دفع كييف نحو وقف استهداف منشآت الطاقة الروسية، باعتبار أن هذه الهجمات تزيد الضغوط على سوق الوقود، بينما ترى أوكرانيا أن ضرب البنية التحتية النفطية يمثل إحدى الوسائل المتاحة لتقليص الموارد التي تمول بها روسيا الحرب. وهنا تتعارض رؤيتان للأمن: رؤية أمريكية تركز على احتواء التكلفة الاقتصادية للمواجهة، ورؤية أوكرانية تعتبر الضغط على الاقتصاد الروسي وسيلة لتعويض الفارق في القدرات العسكرية.

وتستفيد موسكو من هذا التعارض في توسيع هامش حركتها الدبلوماسية والاقتصادية. فإمكانية استئناف تدفقات الديزل إلى الأسواق، أو تخفيف بعض القيود المرتبطة بقطاع الطاقة، تمنح روسيا فرصة لتحويل احتياجات السوق إلى ورقة تفاوضية مع واشنطن. ولا يعني ذلك أن روسيا أصبحت قادرة على التحكم في أسعار الوقود الأمريكية، إذ تتداخل في تحديدها عوامل عديدة، من بينها أسعار النفط العالمية وقدرات التكرير والنقل وحجم الطلب. غير أن توفير إمدادات إضافية في لحظة اضطراب الأسواق قد يمنح موسكو وزنًا تفاوضيًا أكبر، خصوصًا عندما تتزامن احتياجات الطاقة مع ضغوط انتخابية داخل الولايات المتحدة.

أوراق موسكو

وتتضح هنا إحدى المفارقات الأساسية في السياسة الأمريكية: فبينما تواصل واشنطن النظر إلى روسيا باعتبارها خصمًا استراتيجيًا في سياق الحرب الأوكرانية، فإنها قد تجد مصلحة اقتصادية في التوصل إلى ترتيبات محددة معها. ويعكس ذلك أن التنافس الدولي لا يمنع بالضرورة التعاون الانتقائي عندما تتقاطع المصالح، وأن العقوبات ليست أداة ثابتة بمعزل عن الظروف الاقتصادية، بل قد تصبح موضوعًا للمراجعة عندما ترتفع تكاليف استمرارها أو تتغير أولويات الإدارة. ومع ذلك، فإن تخفيف بعض القيود لا يساوي بالضرورة تطبيع العلاقات الأمريكية الروسية، ولا يشير وحده إلى تسوية الخلافات المتعلقة بأوكرانيا والأمن الأوروبي.

وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الروسية أهمية إضافية، سواء عبر التواصل المباشر مع واشنطن أو من خلال استثمار المصالح المشتركة في قطاع الطاقة. فموسكو لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق اختراق سياسي شامل كي تستفيد من التحول في الموقف الأمريكي؛ إذ يكفيها أن تنجح في تقليص درجة التنسيق بين واشنطن وكييف، أو في تخفيف بعض القيود الاقتصادية، أو في دفع الإدارة الأمريكية إلى التعامل مع مطالبها باعتبارها جزءًا من أي تسوية مستقبلية. كما أن التفاهمات المحدودة بشأن الطاقة قد توفر قناة اتصال تساعد على إبقاء الحوار السياسي مفتوحًا، من دون أن تعني أن الطرفين توصلا إلى توافق بشأن مستقبل أوكرانيا.

مأزق كييف

وفي المقابل، يواجه زيلينسكي معضلة سياسية واستراتيجية معقدة. فقبول تسوية لا تتضمن ضمانات أمنية كافية قد يضعف موقفه داخليًا ويثير مخاوف من أن تتحول التنازلات المؤقتة إلى مدخل لضغوط روسية جديدة. أما رفض المقترحات الأمريكية، فقد يفاقم الخلاف مع الحليف الذي تظل قدراته العسكرية والاستخباراتية عنصرًا مؤثرًا في قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب. ولذلك، فإن مستقبل القيادة الأوكرانية لن يتحدد فقط بمدى رضا ترامب عنها، بل أيضًا بقدرة المؤسسات السياسية الأوكرانية على بناء توافق بشأن شروط إنهاء الحرب، وبمدى استعداد الدول الأوروبية لتوفير دعم بديل أو ضمانات أمنية أكثر استدامة.

ولا ينبغي إغفال أن الدعوة الأمريكية إلى تغيير الرئيس الأوكراني تثير إشكالية تتعلق بمبدأ السيادة السياسية. فاختيار القيادة يظل حقًا للشعب الأوكراني، كما أكد وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها ردًا على تصريحات ترامب. ومن شأن ممارسة ضغط خارجي مباشر لتغيير القيادة أن تضعف شرعية أي تسوية لاحقة إذا بدا أنها فُرضت على أوكرانيا تحت وطأة الحاجة إلى الدعم. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب يفرض على كييف مراجعة خياراتها، لكنه لا يمنح أي طرف خارجي حق تحديد شكل نظامها السياسي أو هوية من يتولى قيادته.

اختبار التسوية

وعلى الرغم من ذلك، فإن قدرة روسيا على تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب استراتيجية مستدامة ستظل مرتبطة بمسار الحرب وبمدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات تتجاوز قطاع الطاقة. فالتفاهمات الاقتصادية قد تخفف بعض الضغوط، لكنها لا تحسم الخلافات المتعلقة بالأراضي الأوكرانية والضمانات الأمنية وترتيبات الردع في أوروبا. كما أن اعتراضات الحلفاء الأوروبيين قد تحد من قدرة واشنطن على إعادة تشكيل سياسة العقوبات بصورة منفردة، خاصة إذا اعتبرت العواصم الأوروبية أن تخفيف القيود يمنح موسكو موارد إضافية من دون مقابل سياسي واضح.

وبناءً على ذلك، فإن دعوة ترامب إلى تغيير زيلينسكي يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن محاولة أمريكية لإعادة تشكيل شروط التسوية، أكثر من كونها مؤشرًا حاسمًا على قرب تغيير القيادة الأوكرانية. وهي تكشف في الوقت نفسه عن انتقال مركز الثقل في إدارة الأزمة نحو حسابات أكثر ارتباطًا بالتكلفة الاقتصادية والانتخابات والمصالح المباشرة، إلى جانب الاعتبارات الأمنية التقليدية. أما روسيا، فتسعى إلى استثمار هذا التحول لتوسيع هامش التفاوض واستعادة بعض المساحة الاقتصادية والدبلوماسية التي قيدتها العقوبات. لكن الاختبار الحقيقي سيظل في ما إذا كانت هذه التقاطعات قادرة على إنتاج تسوية متوازنة تنهي الحرب وتوفر ضمانات قابلة للتنفيذ، أم أنها ستؤدي إلى زيادة الضغوط على كييف من دون معالجة الأسباب الاستراتيجية التي تجعل الصراع قابلًا للتجدد.

د.مونيكا وليم

د.مونيكا وليم

باحثة وأكاديمية مصرية متخصصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزميلة أكاديمية بالعلوم الروسية، تتمحور اهتماماتها البحثية حول الشؤون الروسية، وأمن الطاقة، وتوازنات القوى، والتحولات في النظام الدولي، وتطور التعددية القطبية والعلاقات الروسية–العربية، لديها خبرة بحثية وأكاديمية في قضايا السياسة الدولية والأمن الإقليمي.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.