En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

غزة بين استراتيجية “الأمر الواقع” والسنوات العجاف

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

بعد السابع من اكتوبر والصدمة التي غيرت المجتمع الإسرائيلي لم يكن الرد و العدوان  المستمر منذ اكثر من ثلاث سنوات على قطاع غزة مجرد رد فعل عسكري عابر أو جولة قتال محكومة بسقوف زمنية تقليدية، حيث إن التدقيق في السلوك الميداني والسياسي للاحتلال يكشف بوضوح عن استراتيجية بنيوية عميقة تهدف صراحةً إلى تكريس الوضع الراهن، وإبقاء قطاع غزة غارقاً في واقعه المأساوي مدة تتراوح بين 4 إلى 7 سنوات، هذه الفترة الزمنية ليست اعتباطية، بل تمثل المدى اللازم لفرض واقع ديموغرافي وأمني جديد يقوم على “أسرلة” الجغرافيا وتفكيك المكون المجتمعي الفلسطيني بالكامل.

تثبت المعطيات أن عقيدة الأمن الإسرائيلية تحولت بعد السابع من اكتوبر من مفهوم “الردع ” إلى مفهوم “الجغرافيا الامنة عبر الحدود” وتحييد احتماليات التهديد المستقبلي وإنهائها بشكل حاسم دون الاعتماد على اي تفاهمات تبين لها انها لم تردع المقاومة عن التخطيط لكسرها ، هذا التغيير المنهجي انعكس  على  غزة عبر شق محاور عسكرية مثل “محور نتساريم” ومحور “فيلادلفيا”، وتحويل غزة  إلى كانتونات معزولة تفصل الشمال عن الجنوب، هذا التقسيم وما تبعة من إنشاءات وطرق ليس مؤقتا بل فرض استراتيجية “الأمر الواقع” الجيوسياسي لفترة طويلة وربما للأبد.حيث يسعى العدو الصهيوني  لاستغلال هذه السنوات  لتحقيق ما يلي:

  1. قضم الأرض وتحجيم البشر: إحكام السيطرة العسكرية على ما يزيد عن 60% إلى 70% من مساحة القطاع، وتأمين أحزمة ومناطق عازلة محروقة غير قابلة للحياة، بما يخنق الكثافة السكانية ويدفع بالمدنيين نحو حواف ضيقة جداً.
  2. الاستثمار الفوضوي في الإعمار المعطل: التلاعب بملف إعادة الإعمار، ورهنه ببيئات اشتراطية معقدة عبر مشروعات دولية متعثرة لإطالة أمد الكارثة الإنسانية، وجعل العيش في الخيام والبيئات المفتتة حالة دائمة تُنهك الحاضنة الشعبية.
  3. تجميد الحل السياسي: تحويل غزة إلى ملف إنساني وأمني بحت خارج حسابات “حل الدولتين”، مع فصلها التام والنهائي عن الضفة الغربية لتقويض أي اتصال جغرافي فلسطيني مستقبلي.

تنطلق الذهنية الحاكمة في تل أبيب من فرضية مفادها أن الاستنزاف الطويل والمستمر لسنوات طويلة كفيل بقتل الروح  الفلسطينية المقاومة وتدجين المجتمع. ودفع اعداد وازنة منه للتفكير بالهجرة وبالتالي التخلص من العبء الديمغرافي وتنفيذ أحلام رابين الذي تمنى ان تغرق غزة في البحر وهذا ما ينفذه نتنياهو حرفيا وإن بشكل مجازي ، يهاجر الفلسطينيون وتسرق أراضيهم ومن يبقى يتم إحاطته بعوازل ومنظومات أمنية تضمن عدم قدرتهم على مجرد التفكير في المقاومة.

غير أن القراءة العميقة للتاريخ والواقع تؤكد أن هذا “الأمن التكتيكي” الذي تحاول إسرائيل صياغته بالنار واقتطاع الأراضي ليس سوى وهم سرعان ما يتبدد.

إن الجغرافيا التي تُسلب بالقوة المفرطة، وسياسة الأرض المحروقة التي تتبعها إسرائيل بهدف إبقاء غزة غارقة في رمادها لسنوات مقبلة، لن تنتج استقراراً للمحتل. بل على العكس تماماً، فإن هذه السنوات من الحصار المشدد والتجويع والتقسيم ستكون هي الوقود الاستراتيجي والدافع الأخلاقي والوجودي لولادة موجات أشد ضراوة من الرفض والمقاومة. فالأحزمة الأمنية والخراب لا يصنعان الأمان، وصناعة اليأس لا تلغي إرادة الشعوب، بل تحولها إلى انفجارات حتمية تنسف خطط السنوات المقبلة قبل أن تبدأ عجلاتها في الدوران.

 هل يتحول الإعمار إلى استعمار جديد؟

يوضح المفكر والاقتصادي غونتر فرانك  في كتابه الشهير عقيدة الصدمة كيف تستغل القوى المهيمنة الأزمات الكبرى المتمثلة في الحروب والكوارث لتمرير سياسات اقتصادية واجتماعية لم تكن الشعوب لتقبل بها في الظروف الطبيعية. ما يحدث في غزة اليوم هو التجسيد الحي لهذه النظرية. ففي  قلب المأساة المستمرة في قطاع غزة، تتبدى ملامح مشهد قاتم يتجاوز مجرد العمليات العسكرية المباشرة إلى ما يمكن وصفه  بـ “خطة منهجية لإعادة هندسة القطاع”، تتقاطع فيها مصالح قوى دولية مع المصلحة الاسرائيلية لتجريد الفلسطيني من أصوله، وأرضه، وحتى من حقه في العودة إلى بيت حقيقي، تحت لافتة “مشاريع الإعمار” البراقة، حيث تتزايد المخاوف الشعبية من أن ما يُشاع حول رصد مئات المليارات لإعادة الإعمار ليس سوى “حقنة تخدير موضعي”. الشواهد التاريخية تدعم هذا القلق بوضوح؛ فبعد الغزو الأمريكي للعراق، رُصدت مئات المليارات تحت مسمى “إعادة الإعمار”، ليتبخر معظمها في دهاليز الشركات الأمنية والاستشارية الأجنبية، دون أن يرى المواطن العراقي سوى مشاريع وهمية أو بنى تحتية هشة. السيناريو نفسه يلوح في أفق غزة من خطة اعادة اعمار على الطريقة الغربية، حيث يُخشى أن يتحول الإعمار إلى مشاريع “مخيمات فاخرة أو مدن مؤقتة دائمة” (كأفكار مشاريع رفح الخضراء وغيرها)، والتي تهدف في جوهرها إلى مأسسة اللجوء وتحويل الخيمة من رمز مؤقت للمأساة إلى واقع معيشي دائم يسلب الأرض ويسحب البساط من تحت أصحابها الأصليين.

إن النظرة الفاحصة للتوزيع الجغرافي للمخططات المقترحة تكشف عن أبعاد تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة إلى أهداف اقتصادية محضة. في الفلسفة السياسية، يجادل ديفيد هارفي بأن الرأسمالية تتوسع من خلال “التراكم بالنزاع” ، أي مصادرة الأراضي والثروات العامة وتحويلها إلى ملكيات خاصة لخدمة النخبة.

تتجلى هذه الفلسفة في الهواجس الدائرة حول حقول غاز غزة ،و الثروة الكامنة قبالة الشواطئ والتي تُسيل لعاب اسرائيل و الولايات المتحدة، وسط مخاوف من وضع اليد عليها وحرمان الفلسطينيين من سيادتهم الاقتصادية.

كذلك شمال القطاع كمنطقة لوجستية: الأحاديث المتداولة حول رغبة واشنطن وتل أبيب في تحويل مناطق الشمال إلى ساحات تجارية وصناعية تخدم ميناء عسقلان، ليكون حلقة الوصل الأساسية في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). هذا الطرح يعني عملياً محو الهوية السكانية للشمال وتحويله إلى امتداد للمشاريع الرأسمالية الغربية.

و لا يمكن تجاهل خطط إعادة الاستيطان في الجنوب، حيث تعد عودة الخطاب الاستيطاني الإسرائيلي لتهديد أراضي جنوب القطاع، مكملاً لحلقة السيطرة على الأرض والمنافذ.

في مواجهة هذا المخطط الاقتصادي الشرس، تبرز الآليات القانونية الدولية كحائط صد أساسي يحمي قطاع غزة وموارده من المصادرة أو التلاعب؛ فحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، يُصنف القطاع كأرض محتلة، مما يفرض قيوداً صارمة تمنع قوة الاحتلال أو أي أطراف خارجية من تغيير الوضع القانوني للملكيات الخاصة أو السيطرة على الأصول العامة. علاوة على ذلك، تؤكد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالسيادة الدائمة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال على مواردها الطبيعية، أن حقل “غزة مارين” والشواطئ المحيطة به هي ملكية فلسطينية خالصة لا يجوز التصرف بها أو استغلالها دون موافقة القيادة الفلسطينية الشرعية، مما يجعل أي محاولة لتقاسم هذه الثروات خارج هذا الإطار باطلة قانونياً وعرضة للملاحقة القضائية الدولية.

وتدعم السوابق القضائية هذا الموقف الحامي للثروات؛ إذ يزخر التاريخ المعاصر بشواهد أُرغمت فيها شركات كبرى ودول على التراجع تفعيلاً للمواثيق الدولية

فمثلا رأي محكمة العدل الدولية بشأن ناميبيا (1971): الذي قضى ببطلان أي عقود أو امتيازات تمنحها سلطة الاحتلال (جنوب أفريقيا حينها) لاستخراج المعادن هناك، مما جمد الاستثمارات غير الشرعية.

* إجراءات الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية: حيث شُكلت لجان متخصصة وضعت قوائم سوداء وفرضت عقوبات على الشركات الدولية المتورطة في النهب غير القانوني لثروات البلاد (مثل الكولتان والماس) مستغلة ظروف الحرب الفوضوية.

* مقاطعة شركتي “ألستوم” و”فيوليا” الفرنسيتين: إثر دعاوى رفعتها منظمات حقوقية ضد مشاركتهما في قطار القدس الخفيف، مما دفع “فيوليا” للانسحاب الكامل من المشاريع المقامة على أراضٍ محتلة تفادياً للخسائر القانونية الفادحة ولحماية سمعتها الدولية.

هذه النماذج تؤكد أن استباحة أصول غزة وغازها لن تكون نزهة سهلة أمام شباك الملاحقة القضائية العالمية.

بالتوازي مع الحماية القانونية، تتلاقى المواقف الرسمية العربية والدولية لإعادة الإعمار عند رؤية موحدة تقطع الطريق أمام محاولات مأسسة اللجوء أو تحويل غزة إلى مجرد كانتونات إنسانية؛ إذ تتبنى الدول العربية المانحة (وفي مقدمتها دول الخليج ومصر) بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، موقفاً حازماً يربط تقديم أي دعم مالي أو لوجستي شامل لإعادة الإعمار بوجود أفق سياسي واضح لا رجعة فيه يؤدي إلى حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً. و ترفض هذه القوى بشكل قاطع تمويل “حلول مؤقتة” أو تكرار تجارب التدخلات السابقة التي لا تضمن استدامة البناء، معتبرة أن أي مشروع إعمار يجب أن يخدم السيادة الفلسطينية الكاملة على الأرض والمنافذ، وليس تسيير مخططات وممرات اقتصادية خارجية على حساب ديموغرافيا القطاع وهويته.

المخاوف لا تتوقف عند حدود الحجر، بل تمتد لتستهدف البشر. الحديث عن تراجع أعداد سكان القطاع الفعليين جراء الهجرة القسرية الصامتة أو النزوح الدائم يمثل لب الصراع. إنها محاولة لإفراغ الأرض من ثقلها الديموغرافي لتسهيل عملية “تقاسم الغنائم” بين القوى الكبرى، بعيداً عن أي أفق سياسي يمنح الفلسطينيين حق تقرير المصير أو إقامة دولتهم المستقلة.في المقابل، وأمام هذا التحليل الحاد للمخاوف، تحاول المواقف الرسمية المعلنة دولياً نفي هذه السيناريوهات السوداوية؛ حيث تؤكد الإدارة الأمريكية مراراً رفضها لاقتطاع أي جزء من القطاع أو إعادة احتلاله، وتعتبر التهجير خطاً أحمر. لكن يبقى السؤال  معلقاً: هل تنجح التطمينات الدولية في كبح جماح وحش “رأس مالية الكوارث”، أم أن المخططات التي تحاك خلف الكواليس ستجعل من غزة ضحية جديدة لصراع الممرات الدولية وثروات الغاز؟ إن الوعي الشعبي بهذه المخاوف، والتمسك الشديد بالأرض، يظلان حائط الصد الأخير أمام تحويل قطاع غزة إلى مجرد “منطقة لوجستية” مجردة من أهلها وسيادتها. ولا غالب إلا الله.

د.حيدر البستنجي

د.حيدر البستنجي

كاتب وباحث واستشاري أردني، وعضو رابطة الكتاب الأردنيين، ومتخصص في الشأن السياسي الإسرائيلي، وله اهتمامات بحثية وأدبية تجمع بين التحليل السياسي والإبداع الثقافي. أصدر مجموعتين شعريتين ومجموعة قصصية، إلى جانب كتابه «الصوت والصدى»، وتتناول كتاباته قضايا سياسية وفكرية وأدبية مرتبطة بتطورات المنطقة.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.