لا يشكّل تآكل “حل الدولتين” والانسداد الكامل للأفق السياسي أزمة للفلسطينيين وحدهم، بل يمثّل في عمقه تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني، وتحدياً وجودياً يتجاوز حدود التضامن القومي إلى مصالح الدولة العليا. فالأردن، الذي تربطه الجغرافيا والتاريخ، الديموغرافيا والمصالح بالضفة الغربية، يجد نفسه اليوم في عين العاصفة الإقليمية، حاملاً عبء التداعيات المباشرة لغياب التمثيل السياسي الفاعل للشعب الفلسطيني. في هذا السياق، تتبدى جلياً أطروحة إدوارد سعيد حول “تداخل الجغرافيات وتطابق الثقافات”؛ إذ لا يمكن تفكيك الجغرافيا السياسية لشرق النهر وغربه دون إحداث تصدع وجودي في بنية الكيانين معاً.
وليس خفياً أن القراءات الإستراتيجية تُشير إلى أن غياب مشروع الدولة الفلسطينية القابلة للحياة يحمل تهديداً بعودة السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لعَمّان، وهو شبح “الوطن البديل” والتهجير الناعم أو القسري لسكان الضفة الغربية . يجد هذا المخطط أصوله النظرية في الأدبيات الصهيونية التأسيسية، وتحديداً في عقيدة زئيف جابوتنسكي (الأب الروحي لليمين الإسرائيلي) ومقولته الشهيرة عام 1929: “للأردن ضفتان؛ هذه لنا، وتلك أيضاً لنا”. ومع استمرار التوسع الاستيطاني وتضييق الخناق الاقتصادي والأمني هناك، تخشى الدوائر السياسية الأردنية من ضغوط ديموغرافية تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب الجغرافيا الأردنية. يتطابق هذا التوجس مع “خطة الحسم” التي يعلنها اليمين الإسرائيلي المعاصر على لسان بتسلئيل سموتريتش، الذي صرّح علناً في باريس عام 2023 ملوحاً بخارطة تضم الأردن بأكمله: “الحل هو تخيير العرب في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بين العيش تحت الحكم الإسرائيلي كمواطنين بلا حقوق، أو الهجرة إلى الدول المجاورة (وعلى رأسها الأردن)”. هذا الواقع يضع الهوية الوطنية والاستقرار الداخلي أمام اختبارات قاسية في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ضاغطة وشح في الموارد.
تتعدد السيناريوهات البديلة المطروحة في أروقة مراكز الأبحاث الدولية، وتتفق جلّها في فرض الكلفة على عمان. ويبرز هنا خطر إعادة إنتاج “الخيار الأردني” عبر صيغ قانونية معدلة تسعى لتوكيل عَمّان بمسؤوليات أمنية وإدارية داخل “كانتونات” معزولة ومفتتة في الضفة الغربية، تحت مسميات “الكونفدرالية أو الفيدرالية الفوقية” . لطالما كان هذا الطرح محركاً للرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية، وهو ما صاغه صراحة رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون في مذكراته وتصريحاته قائلاً: “إسرائيل ليس لديها مشكلة ديموغرافية مع الفلسطينيين، لأن فلسطين قائمة بالفعل، واسمها الأردن. إن إقامة دولة فلسطينية في الأردن هو الحل الطبيعي والتاريخي”.
ترفض الدولة الأردنية هذه المقاربات بحسم؛ نظراً لكونها هندسة قانونية تهدف إلى إعفاء القوة المحتلة من التزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وتحوّل الأردن إلى “وكيل أمني” لإدارة الكثافة السكانية الفلسطينية دون منح هذه التجمعات حيزاً سيادياً حقيقياً، وهو ما يمثل تصفية للقضية الوطنية الفلسطينية وتهديداً لسيادة الأردن في آن. وفي حال التدحرج نحو سيناريو “الدولة الواحدة” بنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، فإن الأردن سيكون محاطاً بحدود غربية ملتهبة تمتد لأكثر من 300 كيلومتر، تعيش حالة غليان مستمر واستنزاف عسكري وأمني دائم يرهق ميزانية الدولة. يتقاطع هذا الاستنزاف مع عقيدة بنيامين نتنياهو المعروضة في كتابه “مكان تحت الشمس”، والتي تقوم على صياغة ترتيبات أمنية إقليمية تُبقي على السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة غرب نهر الأردن، وتجاوز الحقوق الفلسطينية السيادية، مما يحوّل الحدود الشرقية للنهر إلى خط تماس ملتهب في بيئة فوضوية، علاوة على ذلك، يمس غياب الأفق السياسي خطاً أحمر آخر يتعلق بالوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ومع تسارع محاولات تهويد المدينة وتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم فيها، ستجد القيادة الأردنية نفسها في معركة دبلوماسية شرسة للحفاظ على هذه الشرعية الدينية والسياسية، وسط إدراك عميق بأن المعركة لم تعد مجرد خلاف حدودي، بل هي مواجهة وجودية لتثبيت اللاءات الملكية الثلاث: “لا للوطن البديل، لا للتوطين، ولا للتنازل عن القدس والمقدسات”، وهذا بالضبط جوهر الخطاب الملكي التاريخي في الأمم المتحدة.
أمام هذا الانسداد التاريخي في الأفق السياسي، لم يعد الأردن يملك ترف الانتظار أو الاعتماد على الوعود الدولية التقليدية التي تجاوزتها الوقائع على الأرض؛ فالكارثة القادمة المتمثلة في تصفية القضية الفلسطينية على حسابه جغرافياً وديموغرافياً تتطلب الانتقال من استراتيجية “إدارة الأزمة” والدفاع السلبي إلى استراتيجية “الهجوم الدبلوماسي” والتحصين الداخلي الشامل. لضمان البقاء وحماية الأمن القومي، وهذا يستند على تبني مقاربة ترتكز على أربعة مسارات متوازية:
أولاً، تمتين الجبهة الداخلية وتسريع التحديث حيث يمثل الاستقرار الداخلي خط الدفاع الأول للمملكة؛ ما يستدعي المضي قدماً في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي، و بناء توافق وطني متين وتوسيع المشاركة السياسية يسهمان في تحصين الهوية الوطنية الأردنية الجامعة، ويمنعان أي محاولات خارجية للعب على إثارة الفتن الداخلية عند اشتداد الضغوط الخارجية.
ثانياً، تنويع التحالفات الدولية والإقليمية الخشنة: لم يعد الاستناد الحصري إلى الشراكات التقليدية مع القوى الغربية كافياً لحماية مصالح الأردن الحيوية، خاصة في ظل التحولات السياسية العميقة في تلك الدول وتماهيها أحياناً مع الأجندات الإسرائيلية اليمينية. يحتاج الأردن إلى الانفتاح الأوسع على القوى الصاعدة اقليميا ودوليا لبناء شبكة أمان دبلوماسية متعددة الأطراف، واستثمار أوراق القوة الجيوسياسية للمملكة كصمام أمان لاستقرار الشرق الأوسط لمنع فرض أي حلول أحادية عليه.
ثالثاً، دعم “الصمود الفلسطيني” كخط دفاع متقدم: إن المصلحة الأردنية العليا تقتضي تعزيز صمود الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس بكل الوسائل المتاحة، لمنع الهجرة الناعمة الناتجة عن التضييق المعيشي. يشمل ذلك تسهيل التبادل التجاري، ودعم المؤسسات الحيوية في القدس، والمساهمة الفاعلة في دعم السلطة الوطنية الفلسطينية لتكون مرجعية وطنية فاعلة فقوة الموقف الفلسطيني هي قوة مباشرة للأردن.
رابعاً، الاستعداد الجاد لسيناريو يقوم به العدو الصهيوني بضم الضفة الغربية بشكل احادي وانهاء حل الدولتين، فالدبلوماسية الأردنية يجب أن تجهز الأطر القانونية والسياسية للتعامل مع سيناريو “الدولة الواحدة” القائم على النضال الحقوقي ومناهضة الفصل العنصري (الأبارتهايد)، ونقل المعركة إلى الساحة الدولية عبر محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية، لضمان ألا تدفع المملكة ثمن غياب الدولة الفلسطينية . إن تفادي الكارثة القادمة لا يكمن في إنكار المؤشرات، بل في إعادة تموضع الدولة الأردنية سياسياً، والتحول إلى لاعب يفرض شروطه على طاولة الإقليم، مستنداً إلى جبهة داخلية صلبة ووعي جمعي خطورته تفوق خطورة السلاح. الدفاع عن الأردن اليوم يبدأ من الدفاع عن الحق الفلسطيني و هذا مبدأ ثابت لدى القيادة الهاشمية، وبناءً عليه تصبح إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود 1967 مصلحة أردنية عليا ومباشرة.