En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

مصر وبريكس:من تنويع الشراكات إلى تعزيز المكانة في النظام الدولي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في عالم يتغير فيه شكل الاقتصاد الدولي بوتيرة متسارعة، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم اقتصاداتها، ولا بحجم احتياطياتها من العملات الاجنبية، ولا حتى بقدرتها على الوصول الى الاسواق العالمية، وانما بقدرتها على تنويع خياراتها الاقتصادية والسياسية وامتلاك اكثر من مسار للتجارة والاستثمار والتمويل، بحيث لا تتحول العلاقة مع طرف دولي واحد الى مصدر للاعتماد المفرط او نقطة ضعف في لحظات الازمات

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عضوية مصر في مجموعة بريكس التي دخلت حيز التنفيذ في يناير 2024، باعتبارها خطوة تتجاوز الحسابات التقليدية للانضمام الى تجمع اقتصادي، لتصبح جزءا من استراتيجية اوسع تستهدف توسيع المجال الحيوي للاقتصاد المصري وتعزيز قدرته على الحركة داخل نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية الاقتصادية والمالية

والاهم هنا ان السياسة المصرية لا تنطلق من فكرة الانتقال من محور الى محور، ولا من الرغبة في استبدال شراكة دولية باخرى، وانما من قاعدة اكثر واقعية وهي تعظيم المصالح المصرية في عالم متعدد المراكز، ولذلك فان انضمام القاهرة الى بريكس لا يحمل في جوهره رسالة خصومة تجاه الولايات المتحدة او اوروبا، تماما كما ان الشراكة المصرية مع واشنطن وأوروبا لا تعني ان القاهرة مطالبة بالابتعاد عن الصين او الهند او روسيا او بقية الاقتصادات الصاعدة.

هذه النقطة تحديدا هي التي تمنح العضوية المصرية قيمتها الاستراتيجية، فمصر ترتبط اصلا بعلاقات اقتصادية عميقة مع الغرب والاتحاد الاوروبي هو اكبر شريك تجاري لها، حيث بلغت تجارة السلع بين الطرفين نحو 32.3 مليار يورو في 2025، فيما مثل الاتحاد الاوروبي 24.6% من اجمالي تجارة مصر، كما بلغ رصيد الاستثمارات الاوروبية في مصر نحو 37.1 مليار يورو في 2024 وفقا للمفوضية الاوروبية ، وفي مارس 2024 ارتقت العلاقة المصرية الاوروبية الى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة، مدعومة بحزمة مالية واستثمارية قدرها 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027.

وفي الاتجاه الاخر لا تقل اهمية العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة، فقد بلغ حجم تجارة السلع والخدمات بين البلدين نحو 16.1 مليار دولار في 2025، بزيادة 28.9% عن عام 2024، وفقا لبيانات الممثل التجاري الامريكي ، وهذه الارقام وحدها تكشف ان التفكير في عضوية بريكس باعتبارها ابتعادا عن الغرب يتجاهل طبيعة الاقتصاد المصري نفسه، فمصر لا تحتاج الى اختيار طرف والغاء طرف اخر، مصر تحتاج الى توسيع شبكة المصالح.

من هذا المنطلق  تظهر اولى المكاسب المهمة من بريكس، وهي تنويع الاسواق التجارية، فبحسب بيانات المنشورة ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول بريكس الى نحو 50.8 مليار دولار في 2024، بزيادة 19.5% عن العام السابق، كما تمثل دول بريكس ستة من اكبر عشرة شركاء تجاريين لمصر ، وهذا يعني ان العضوية لا تضيف لمصر اسواقا نظرية فقط، وانما ترتبط بالفعل بكتلة تجارية ضخمة يمكن توسيعها خلال السنوات المقبلة، والفرصة الاهم ليست فقط في زيادة حجم التجارة، وانما في تغيير طبيعة التجارة المصرية مع هذه الاسواق.

الصادرات المصرية الى دول بريكس تشمل قطاعات مثل المجوهرات والاحجار الكريمة بقيمة تقارب 2.1 مليار دولار، والفواكه والخضروات بنحو 1.4 مليار دولار، والالات والمعدات الكهربائية بنحو 627 مليون دولار، والوقود والزيوت المعدنية بنحو 520 مليون دولار، ومنتجات الحديد والصلب بنحو 450 مليون دولار في 2024

وهنا تستطيع مصر الانتقال من مجرد زيادة الصادرات الى بناء سلاسل قيمة اكثر عمقا، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وقاعدة التصنيع لديها، وقربها من الاسواق الافريقية والعربية، وقدرتها على الوصول الى البحر المتوسط والبحر الاحمر، وقناة السويس التي تمنحها ميزة لوجستية استثنائية في حركة التجارة العالمية.

أما المكسب الثاني فإنه يرتبط بالتمويل، فمصر عضو في بنك التنمية الجديد التابع لبريكس منذ مارس 2023، وهو بنك متعدد الاطراف تأسس لتمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة والدول النامية ، ومن هنا يمكن للقاهرة ان تنظر الى البنك باعتباره قناة اضافية لتمويل مشروعات الطاقة والنقل والمياه والبنية التحتية والتحول الاخضر، الى جانب المؤسسات الدولية التقليدية

هذا لا يعني ان بنك التنمية الجديد سيحل محل صندوق النقد الدولي او البنك الدولي او المؤسسات المالية الغربية، وانما يعني ان مصر تستطيع توسيع قاعدة مصادر التمويل، وهي ميزة شديدة الاهمية في عالم اصبحت فيه تكلفة التمويل وسلاسل الامداد وحركة رؤوس الاموال شديدة الحساسية للتوترات الجيوسياسية.

هناك مكسب ثالث ربما يكون اكثر اهمية على المدى الطويل، يتمثل في تنويع ادوات المدفوعات والتجارة، فبريكس يناقش بصورة متزايدة تعزيز استخدام العملات الوطنية وتطوير انظمة دفع عابرة للحدود، وفي 2026 تتصدر قابلية التشغيل البيني للمدفوعات الرقمية والتعاون بين العملات الرقمية للبنوك المركزية جزءا من اجندة المجموعة ، وهذا لا يعني ان الدولار سيفقد موقعه او ان هناك عملة بريكس موحدة قادمة بالضرورة، فهذه قراءة مبالغ فيها، لكن توسيع خيارات التسوية التجارية يمكن ان يمنح الدول الاعضاء مساحة اكبر لادارة مخاطر تقلبات العملات والقيود المالية الدولية، وبالنسبة لمصر التي تحتاج بصورة مستمرة الى ادارة مواردها من النقد الاجنبي وتحسين كفاءة تمويل تجارتها الخارجية، فان امتلاك خيارات اضافية في تسوية جزء من التجارة يمكن ان يكون اداة لتعزيز المرونة، شريطة ان يتم ذلك على اساس اقتصادي عملي وليس باعتباره مشروعا ايديولوجيا لمواجهة الدولار.

اما المكسب الرابع فهو سياسي واقتصادي في الوقت نفسه، و يتمثل في أن عضوية مصر في بريكس تمنحها مساحة اكبر للتأثير في النقاشات المتعلقة باصلاح النظام الاقتصادي الدولي، خاصة ان المجموعة تمثل كتلة اقتصادية وديموغرافية هائلة، فقد ارتفعت حصة بريكس من الناتج العالمي وفقا لتعادل القوة الشرائية الى نحو 39% في 2023 بعد التوسع، فيما تمثل المجموعة الموسعة اكثر من 45% من سكان العالم وفقا لبيانات حديثة عن المجموعة، وهذا الحجم لا يعني بالضرورة ان بريكس كتلة متجانسة، فهي تضم اقتصادات ومصالح واتجاهات سياسية مختلفة، وهو ما يجعلها اقرب الى منصة للتنسيق بين قوى صاعدة منها الى تحالف سياسي مغلق، وهذه الطبيعة تمنح مصر مساحة للمناورة الدبلوماسية والاقتصادية، خاصة انها دولة تمتلك علاقات تاريخية واستراتيجية مع الولايات المتحدة واوروبا، وفي الوقت ذاته علاقات متنامية مع الصين والهند وروسيا.

ومن هنا فان افضل استراتيجية مصرية تجاه بريكس ليست تحويل العضوية الى عنوان للمواجهة مع الغرب، وانما تحويلها الى رافعة للتفاوض وتعظيم المصالح، فكلما زادت خيارات مصر التجارية والاستثمارية والتمويلية، ارتفعت قدرتها على التفاوض مع مختلف الشركاء، وكلما اتسعت شبكة علاقاتها الاقتصادية، انخفضت مخاطر الاعتماد المفرط على سوق واحدة او مصدر تمويل واحد او مسار تجاري واحد، وهذا هو المعنى الحقيقي للتعددية الاقتصادية.

مصر لا تدخل بريكس لتخرج من الغرب، ولا تتمسك بعلاقاتها مع الغرب كي تبتعد عن الشرق، مصر تتحرك وفقا لمصالحها العليا وتبني علاقاتها الدولية على اساس براغماتي يتيح لها التعامل مع القوى المختلفة وفقا لما يمكن ان تقدمه كل شراكة للاقتصاد المصري، وفي عالم يشهد انتقالا تدريجيا من هيمنة مركز اقتصادي واحد الى شبكة اكثر تعقيدا من مراكز القوة، فان الدولة التي تمتلك خيارات اكثر تكون في موقع تفاوضي افضل.

هذه ليست سياسة توازن من اجل التوازن، وانما سياسة مصالح من اجل المصالح، وفي زمن التحولات الكبرى ربما تكون اكبر مكاسب بريكس لمصر هي انها تمنحها فرصة لتعزيز موقعها كدولة محورية لا تقف على هامش التحولات الدولية، وانما تحاول ان تكون جزءا من صياغتها، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وحجم سوقها، وثقلها العربي والافريقي، ودورها السياسي، وقناة السويس، وشبكة علاقاتها الدولية الواسعة

وهذه تحديدا هي المعادلة التي تستطيع القاهرة من خلالها تحويل التعددية الدولية من حالة سياسية مجردة الى قيمة اقتصادية ملموسة تخدم المصالح المصرية العليا.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.