En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

تصحيح الخريطة وإعادة تمثيل العالم:دلالات التحول في التمثيل الكارتوجرافي لمساحات القارات

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم تعد الخريطة مجرد أداة جغرافية لعرض القارات والدول، وإنما أصبحت جزءًا من الطريقة التي يتشكل بها إدراك الإنسان للعالم من حوله. وفي هذا السياق، شهدت الأمم المتحدة في 4 سبتمبر 2026 خطوة لافتة عندما اعتمدت الجمعية العامة القرار A/80/L.104، المعنون «تصحيح الخريطة: إعادة التوازن إلى التمثيل الكارتوجرافي العالمي وتعزيز التمثيل العادل لمناطق العالم، ولا سيما أفريقيا»، بأغلبية واسعة بلغت 164 صوتًا مقابل صوت واحد وامتناع ست دول عن التصويت، ودعا القرار الحكومات والمدارس والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا إلى زيادة استخدام المساقط الكارتوجرافية التي تمثل المساحات النسبية للقارات بصورة أكثر دقة، مع الإشارة بصورة خاصة إلى مسقط «إيكوال إيرث» (Equal Earth).

ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها قررت ببساطة استبدال خريطة بأخرى، وإنما في أنها أعادت فتح نقاش علمي وسياسي وثقافي واسع حول الطريقة التي نرى بها العالم. فقد ظل مسقط مركاتور، الذي وضعه جيراردوس مركاتور في القرن السادس عشر لخدمة أغراض الملاحة البحرية، من أكثر المساقط انتشارا، نظرا إلى قدرته على المحافظة على الاتجاهات والزوايا، لكنه يؤدي في المقابل إلى تضخيم المساحات كلما ابتعدنا عن خط الاستواء، فتبدو مناطق مثل جرينلاند وشمال أوروبا وأجزاء من أمريكا الشمالية أكبر نسبيًا مما هي عليه في الواقع. وفي المقابل، صُمم مسقط إيكوال إيرث للحفاظ على العلاقات النسبية بين المساحات، بما يجعل أفريقيا تظهر بحجم أقرب إلى مساحتها الحقيقية مقارنة بالتمثيلات التقليدية.

ويكتسب القرار أهمية خاصة بالنسبة إلى أفريقيا، التي كانت في قلب المبادرة التي قادتها توجو باسم المجموعة الأفريقية. فالأمر لا يتعلق بتغيير جغرافي في حجم القارة، إذ إن أفريقيا لم تصبح أكبر بسبب الخريطة الجديدة، وإنما يتعلق بإزالة جزء من التشوه البصري الذي يجعل المناطق الواقعة عند خطوط العرض العليا تبدو أكبر، بينما تبدو المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر نسبيًا في مسقط مركاتور. ولهذا وصفت الأمم المتحدة المبادرة بأنها محاولة لمعالجة الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها الخرائط، عبر التعليم والإعلام والتكنولوجيا، في الإدراك الجماعي للعالم وموقع مناطقه وقاراته.

لكن القرار الأممي لا يعني حظر مركاتور أو إلزام دول العالم باستخدام إيكوال إيرث، كما أنه لا يفرض مسقطًا عالميًا واحدًا. فالأمم المتحدة نفسها توضح أن الأمانة العامة لا تستخدم مسقطًا عالميًا واحدًا مفروضًا، وإنما تختلف المساقط وفق الغرض والمنطقة ونوع الخريطة؛ كما أن كل مسقط كارتوجرافي يضحي ببعض الخصائص لصالح خصائص أخرى، سواء تعلق الأمر بالمساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتجاه. ومن ثم فإن جوهر القرار ليس إعلان «خريطة صحيحة» في مواجهة «خريطة خاطئة»، وإنما التأكيد على ضرورة اختيار المسقط الذي يتناسب مع الغرض من الخريطة، ولا سيما عندما تكون مقارنة المساحات والتمثيل النسبي للقارات هي الهدف الأساسي.

وتكشف هذه الخطوة كذلك أن قضية الخريطة تتجاوز علم الكارتوجرافيا إلى أسئلة أوسع تتعلق بالإدراك والوعي والتمثيل والعدالة في إنتاج المعرفة. فالخريطة التي يراها الإنسان بصورة متكررة منذ طفولته تصبح جزءًا من ذاكرته المكانية، وقد تؤثر في الطريقة التي يتصور بها حجم القارات وموقعها وأهميتها النسبية. ومن هنا فإن النقاش الذي أعادته الأمم المتحدة إلى الواجهة لا يدور فقط حول كيفية رسم العالم، وإنما حول سؤال أكثر عمقًا: هل يمكن لطريقة تمثيل العالم على الخريطة أن تؤثر في الطريقة التي نفهم بها العالم نفسه؟.

أهمية المسألة:

لا تتغير الأرض عندما تتغير الخريطة، وإنما تتغير الطريقة التي نختار بها تمثيلها وإدراك خصائصها. ومن هنا تبرز أهمية الجدل المعاصر حول مسقط مركاتور (Mercator Projection) والمساقط متساوية المساحات، وفي مقدمتها مسقط إيكوال إيرث (Equal Earth)، باعتبار أن الخريطة لا تمثل الواقع بصورة محايدة ومطلقة، وإنما تقدم صياغة علمية له وفق مجموعة من الاختيارات الكارتوجرافية التي تحدد الخصائص التي ينبغي الحفاظ عليها والخصائص التي يمكن التضحية بها.

وقد ارتبط مسقط مركاتور تاريخيًا بالخرائط الملاحية، نظرًا إلى قدرته على المحافظة على الزوايا والاتجاهات محليًا، وهي خاصية منحته أهمية كبيرة في تاريخ الملاحة البحرية. غير أن هذه الميزة تقترن بتشوه متزايد في المساحات كلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه دوائر العرض العليا، وهو ما يظهر بوضوح عند مقارنة المساحات الظاهرية للقارات والمناطق على الخريطة، ومن أشهر الأمثلة على ذلك المقارنة بين أفريقيا وجرينلاند.

صورة محايدة:

لم تتغير الأرض في الرابع من سبتمبر 2026، لكن تغيرت الطريقة التي يريد العالم أن يراها بها. فقد ارتبط النقاش حول «تصحيح الخريطة» بالدعوة إلى استخدام تمثيلات كارتوجرافية أكثر ملاءمة لإظهار العلاقات الحقيقية بين مساحات القارات والمناطق، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها إبراز الفروق النسبية في المساحة هدفًا رئيسيًا للخريطة.

وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد تغيير في الشكل البصري لخريطة العالم، إلا أن المتخصص في علم الخرائط يدرك أن القضية تتجاوز المظهر الخارجي بكثير. فكل خريطة للعالم تقوم على اختيار مسقط كارتوجرافي معين، وهذا الاختيار يرتبط بسؤال علمي أساسي: ما الخاصية من خصائص سطح الأرض التي نريد المحافظة عليها عند نقلها من سطح كروي إلى سطح مستوٍ أو إلى شاشة رقمية؟ ومن هنا فإن الجدل حول مركاتور وإيكوال إيرث لا يتعلق بوجود خريطة «صحيحة» وأخرى «خاطئة»، وإنما يتعلق بالوظيفة التي نريد من الخريطة أن تؤديها.

هل فشل مسقط مركاتور؟:

من الخطأ النظر إلى مسقط مركاتور باعتباره مسقطًا فاشلًا لمجرد أنه يؤدي إلى تشوه كبير في المساحات عند دوائر العرض العليا. فعندما طور جيراردوس مركاتور مسقطه الشهير في القرن السادس عشر، كانت إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه الخرائط تتمثل في تلبية احتياجات الملاحة البحرية، وكان البحار بحاجة إلى خريطة تساعده على تحديد الاتجاهات ورسم خطوط السير بصورة عملية.

وفي هذا السياق برزت إحدى أهم خصائص مسقط مركاتور، وهي المحافظة على الزوايا الصحيحة محليًا، وهو ما جعل خطوط الاتجاه الثابت أو خطوط الرومب (Rhumb Lines) تظهر مستقيمة على الخريطة، الأمر الذي منح المسقط قيمة استثنائية في مجال الملاحة. ولذلك فإن مركاتور لم يكن خطأً علميًا، بل كان إنجازًا كارتوجرافيًا صُمم لتحقيق وظيفة محددة ونجح في تحقيقها بكفاءة. والحكم عليه بمعزل عن الغرض الذي أنشئ من أجله يمثل قراءة غير دقيقة لتاريخ علم الخرائط.

المفاضلة بين الزوايا والمساحات:

لا يستطيع أي مسقط كارتوجرافي أن يحافظ على جميع خصائص سطح الأرض في الوقت نفسه. فعملية نقل السطح المنحني للأرض إلى سطح مستوٍ تفرض بالضرورة قدرًا من المفاضلة بين خصائص مختلفة، ولذلك فإن المحافظة على الزوايا والاتجاهات في بعض المساقط تأتي على حساب المحافظة على المساحات.

ومسقط مركاتور ليس مسقطًا متساوي المساحات، إذ يزداد مقياس التمثيل تدريجيًا كلما ابتعدنا عن خط الاستواء، وهو ما يؤدي إلى زيادة التشوه المساحي باتجاه القطبين. وبذلك لا تتعرض جميع المناطق على الخريطة إلى المستوى نفسه من التشوه، فالمناطق القريبة من خط الاستواء تختلف عن المناطق الواقعة عند دوائر العرض المرتفعة، وكلما اتجهنا نحو القطبين ازدادت المبالغة في تمثيل المساحات.

أفريقيا وجرينلاند: حين يختلف الواقع عن الصورة:

تظهر المفارقة بصورة واضحة في المقارنة الشهيرة بين أفريقيا وجرينلاند. فعلى الرغم من أن مساحة أفريقيا أكبر من مساحة جرينلاند بنحو أربعة عشر ضعفًا، فإن تمثيلهما على خريطة مركاتور قد يعطي انطباعًا بصريًا مختلفًا بصورة كبيرة بسبب موقع جرينلاند عند دوائر عرض مرتفعة.

ولا تكمن المفارقة في الأرض نفسها، وإنما في الطريقة التي اختار بها المسقط تمثيلها. فالمشكلة هنا ليست أن الخريطة «كاذبة»، وإنما أن خاصية معينة، هي المحافظة على الزوايا والاتجاهات، تحققت على حساب خاصية أخرى هي التمثيل الدقيق للمساحات. ومن هنا تبدأ أهمية فهم طبيعة التشوه بدلًا من الاكتفاء بالحكم البصري على الخريطة.

التشوه من الانطباع إلى القياس:

لا يكفي في علم الخرائط أن نشير إلى أن خريطة ما «مشوهة» ثم نتوقف عند هذا الوصف، لأن التشوه الكارتوجرافي ليس مجرد انطباع بصري، وإنما ظاهرة هندسية ورياضية يمكن قياسها وتحليلها وتمثيلها بصورة علمية.

ومن أهم الأدوات المستخدمة في هذا المجال مؤشر تيسو للتشوه (Tissot’s Indicatrix)، الذي يساعد على فهم التشوه الناتج عن إسقاط السطح الكروي للأرض على سطح مستوٍ. وتقوم فكرته على تصور دائرة صغيرة جدًا على سطح الكرة الأرضية، ثم متابعة ما يحدث لها عند إسقاطها على الخريطة. فإذا لم يحدث تشوه بقيت دائرة بالمقياس نفسه، أما إذا تعرضت للتشوه فقد تتحول إلى شكل بيضاوي يتغير حجمه وشكله واتجاهه ونسبة طولي محوريه، ومن خلال هذه التغيرات يمكن تحديد طبيعة التشوه ومقداره واتجاهه في المواقع المختلفة.

التشوه ليس بالضرورة خطأ:

تكمن أهمية مؤشر تيسو في أنه ينقل النقاش حول التشوه من مستوى الانطباع البصري إلى مستوى التحليل العلمي. فبدلًا من القول إن «الخريطة تبدو مشوهة»، يصبح بالإمكان تحديد مكان التشوه ونوعه ومقداره واتجاهه وأسباب حدوثه. وهنا تتجلى قيمة علم الكارتوجرافيا باعتباره علمًا لا يتعامل مع الخريطة بوصفها صورة فقط، وإنما بوصفها تمثيلًا هندسيًا يمكن تحليل خصائصه وقياسها.

ومن الحقائق الأساسية في علم الخرائط أن التشوه لا يمثل خطأً في حد ذاته. فإذا كان الهدف إنتاج خريطة عالمية تحافظ على المساحات المتساوية، فسوف نقبل قدرًا من التشوه في الشكل أو الاتجاه، وإذا كان الهدف المحافظة على الزوايا والاتجاهات الصحيحة فسوف نقبل في المقابل قدرًا من التشوه في المساحات، أما إذا كان الهدف حساب المسافات بدقة في منطقة محددة فقد نحتاج إلى مسقط مختلف يتناسب مع طبيعة المنطقة والوظيفة المطلوبة.

السؤال الصحيح: ما الغرض من الخريطة؟

يمكن تبسيط هذه الفكرة من خلال تشبيه الخريطة بعدسة التصوير؛ فليست كل عدسة مصممة لتصوير الشيء نفسه، ولا تحقق كل عدسة الغرض ذاته. وبالمثل، لا توجد خريطة عالمية «بلا تشوه» على الإطلاق، وإنما توجد مساقط تحقق بعض الخصائص على حساب خصائص أخرى وفقًا للهدف من إعداد الخريطة.

ومن ثم فإن السؤال العلمي لا ينبغي أن يكون: أي مسقط هو الأفضل؟ وإنما: أي مسقط هو الأكثر ملاءمة للغرض الذي أعدت الخريطة من أجله؟ وهذه النقلة في طريقة التفكير مهمة لأنها تحول النقاش من المفاضلة المطلقة بين المساقط إلى فهم الوظيفة العلمية التي يؤديها كل مسقط.

المساقط في عصر نظم المعلومات الجغرافية

أصبح موضوع المساقط الكارتوجرافية أكثر أهمية مع الانتقال من الخرائط الورقية إلى البيئة الرقمية، ولا سيما مع انتشار نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وقواعد البيانات المكانية، والاستشعار عن بعد، وتطبيقات الخرائط على الهواتف الذكية.

وفي بيئة نظم المعلومات الجغرافية لا يمثل اختيار نظام الإحداثيات والمسقط مجرد قرار يتعلق بالمظهر النهائي للخريطة، وإنما يمكن أن يرتبط مباشرة بصحة بعض العمليات الحسابية والتحليلات المكانية. فعند الحاجة إلى حساب مساحة مدينة أو إقليم داخل نظام للمعلومات الجغرافية، قد يؤدي استخدام مسقط غير مناسب إلى نتائج لا تعكس المساحة الحقيقية بالصورة المطلوبة.

من دقة العرض إلى دقة التحليل:

قد لا يظهر أثر الاختيار الخاطئ للمسقط في الشكل البصري للخريطة فقط، بل يمكن أن ينتقل إلى نتائج الحسابات والتحليلات المكانية، وربما يؤثر في القرارات التي تعتمد عليها. ولذلك تزداد أهمية التمييز بين المسقط المناسب للعرض والمسقط المناسب للتحليل، فالمسقط الذي يخدم عرض البيانات بصورة جيدة قد لا يكون هو نفسه المسقط الأكثر ملاءمة لإجراء عمليات القياس المكاني.

وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية كلما توسع استخدام الخرائط الرقمية في التخطيط العمراني وإدارة الموارد وتحليل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، لأن الخريطة في هذه الحالات لا تؤدي وظيفة بصرية فحسب، وإنما تصبح جزءًا من عملية إنتاج المعلومات واتخاذ القرار.

Web Mercator: مركاتور في العالم الرقمي:

ظهرت في البيئة الرقمية نسخة أخرى من عائلة مركاتور، وهي Web Mercator، التي أصبحت واسعة الاستخدام في خرائط الويب والمنصات الرقمية. وقد ساعدت اعتبارات تقنية متعددة على انتشارها، من بينها سهولة تقسيم العالم وعرض الخرائط على الشاشات، وهو ما جعلها مناسبة بدرجة كبيرة للبيئة الرقمية.

غير أن انتشار Web Mercator لم يلغِ المشكلة الأساسية المرتبطة بتشوه المساحات، إذ يظل التشوه متزايدًا مع الابتعاد عن خط الاستواء. وهنا تبرز أهمية عدم الخلط بين انتشار المسقط في التطبيقات الرقمية وبين صلاحيته لكل أنواع التحليل المكاني، فسهولة استخدام مسقط معين في بيئة الويب لا تعني بالضرورة أنه المسقط الأنسب لكل عملية كارتوجرافية أو تحليلية.

لماذا ظهر إيكوال إيرث؟:

لا يمكن اختزال القضية في المقارنة الشهيرة بين أفريقيا وجرينلاند، فالتشوه في مركاتور يتزايد تدريجيًا مع الاتجاه نحو دوائر العرض العليا شمالًا وجنوبًا، ولذلك تظهر مناطق في شمال أوروبا وشمال أمريكا وروسيا وغيرها بمساحات ظاهرية أكبر من مساحاتها الحقيقية. وهذا يجعل مركاتور أقل ملاءمة عندما تكون الرسالة الأساسية للخريطة مرتبطة بالتمثيل النسبي للمساحات.

وفي هذا السياق تظهر أهمية مسقط Equal Earth، الذي طوره Tom Patterson وBernhard Jenny وBojan Šavrič عام 2018 بهدف المحافظة على المساحات النسبية للقارات والمناطق. ويوفر المسقط تمثيلًا متساوي المساحات، وهو ما يجعله مناسبًا بدرجة كبيرة للخرائط العالمية التي تكون فيها مساحة الظاهرات وتوزيعها جزءًا أساسيًا من الرسالة الكارتوجرافية.

إيكوال إيرث: تصحيح الأولوية لا إلغاء التشوه

لكن من المهم التأكيد على أن إيكوال إيرث لم ينهِ مشكلة التشوه، وليس مطلوبًا منه أن يفعل ذلك. فهو مسقط كارتوجرافي مختلف يعطي الأولوية للمساحة على حساب خصائص أخرى، ولذلك فإن الانتقال من مركاتور إلى إيكوال إيرث لا يعني الانتقال من «خريطة خاطئة» إلى «خريطة صحيحة».

إنما يعكس هذا الانتقال اختيارًا كارتوجرافيًا مختلفًا؛ ففي الحالة الأولى تكون المحافظة على الزوايا والاتجاهات ذات أهمية كبيرة، بينما تصبح المحافظة على المساحات النسبية هي الأولوية في الحالة الثانية. ومن ثم فإن قيمة إيكوال إيرث لا تكمن في كونه «أكثر صحة» بصورة مطلقة، وإنما في كونه أكثر ملاءمة للخرائط التي يكون هدفها الأساسي مقارنة المساحات وإظهار العلاقات النسبية بين المناطق.

الخريطة وصناعة الإدراك المكاني:

تتجاوز أهمية المساقط الكارتوجرافية الجانب الهندسي لتصل إلى الجانب الإدراكي والثقافي. فالخريطة لا تدخل إلى عقل الإنسان باعتبارها معادلة رياضية، وإنما تدخل أولًا باعتبارها صورة تتشكل من خلالها ذاكرته المكانية بمرور الوقت. وعندما يرى الطفل خريطة العالم نفسها عشرات المرات، تصبح العلاقات البصرية بين القارات جزءًا من إدراكه للمكان والعالم.

ولهذا قد يعرف الإنسان نظريًا أن أفريقيا أكبر كثيرًا من جرينلاند، لكنه يظل متأثرًا بالصورة التي اعتاد رؤيتها على الخرائط. ولا يعني ذلك وجود «خداع» متعمد من جانب الخريطة أو مصممها، وإنما يعكس تأثير التمثيل الكارتوجرافي المتكرر في تشكيل الإدراك الحسي والمكاني لدى مستخدم الخريطة.

من يرسم صورة العالم؟

تطرح هذه القضية سؤالًا أعمق من مجرد المقارنة بين مسقطين: من يرسم صورة العالم؟ فالخريطة ليست مجرد ورقة أو صورة على شاشة، وإنما هي اختيار لما نراه وكيف نراه. وقد ارتبطت الخرائط عبر التاريخ بالملاحة والتجارة والاستكشاف والإدارة والتعليم والسياسة، وتغيرت وظائفها واستخداماتها مع تغير السياقات التاريخية والتقنية.

ولهذا فمن غير الدقيق تحميل مركاتور وحده مسؤولية الصورة التي ترسخت في الوعي العالمي عن مساحات القارات. فقد صُمم المسقط في الأصل ضمن سياق علمي ووظيفي ارتبط بدرجة كبيرة بالملاحة، ثم استمر استخدامه على نطاق واسع في الخرائط العامة والتعليمية، حتى في الحالات التي لم تكن المحافظة على الاتجاهات هي الهدف الأساسي للخريطة. ومن ثم تقتضي القراءة العلمية التمييز بين الغرض الأصلي للمسقط وبين الاستخدامات التي اكتسبها لاحقًا.

هل انتهى عصر مركاتور؟

لا تعني الدعوة إلى تمثيل أكثر إنصافًا للمساحات نهاية استخدام مسقط مركاتور. فلكل مسقط وظيفة وخصائص وحدود، ولا يمكن أن نطلب من خريطة ملاحية أن تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها خريطة موضوعية هدفها الأساسي مقارنة المساحات.

كما لا يمكن أن يكون المسقط الذي يناسب عرض العالم على شاشة هاتف هو بالضرورة الأنسب لحساب مساحة قطعة أرض أو إجراء تحليل مكاني دقيق. ولذلك فإن القضية لا ينبغي أن تطرح باعتبارها صراعًا بين مسقط قديم ومسقط جديد، وإنما باعتبارها نقاشًا علميًا حول الملاءمة الوظيفية للمسقط الكارتوجرافي.

 أي حقيقة نريد أن نراها؟

تكشف قضية الانتقال من مركاتور إلى المساقط متساوية المساحة أن الخريطة ليست نسخة محايدة من الواقع، وإنما هي نتيجة لقرار علمي يتعلق بما نريد المحافظة عليه أثناء عملية التمثيل. فمركاتور لم يكن مسقطًا فاشلًا، وإنما كان حلًا كارتوجرافيًا ناجحًا لمشكلة محددة ارتبطت بالملاحة والمحافظة على الاتجاهات والزوايا.

وفي المقابل، يوفر إيكوال إيرث أولوية مختلفة تتمثل في المحافظة على المساحات النسبية، ولذلك يكون أكثر ملاءمة عندما تكون مقارنة المساحات جزءًا رئيسيًا من الرسالة الكارتوجرافية. كما أن فهم التشوه لا ينبغي أن يتوقف عند الملاحظة البصرية، إذ توفر أدوات مثل مؤشر تيسو إمكانية قياس التشوه وتحليل نوعه ومقداره واتجاهه.

ومع انتقال الخرائط إلى بيئة نظم المعلومات الجغرافية والخرائط الرقمية، أصبحت قضية اختيار المسقط أكثر ارتباطًا بصحة التحليل المكاني، وليس بمجرد المظهر البصري للخريطة. ومن ثم، ربما لا يكون السؤال الأهم: أي خريطة هي الصحيحة؟ وإنما: أي حقيقة نريد من الخريطة أن تساعدنا على رؤيتها؟

وهنا تحديدًا تبدأ فلسفة الكارتوجرافيا الحقيقية؛ لأن وظيفة الخريطة ليست أن تقدم لنا العالم كما هو بصورة مطلقة، وإنما أن تقدم لنا جانبًا محددًا من هذا العالم بأكبر قدر ممكن من الملاءمة للغرض الذي أنشئت من أجله.

واللافت أن القرار نفسه أبقى الباب مفتوحًا أمام المفاضلات العلمية والسياسية المرتبطة بالخرائط. فقد شدد الاتحاد الأوروبي، أثناء مناقشات الجمعية العامة، على أن القرار يقتصر على التمثيل الكارتوجرافي النسبي للمساحات، ولا يؤثر بأي شكل في السيادة أو الحدود أو الوضع القانوني للأقاليم. كما أثارت أوكرانيا تحفظات بشأن الطريقة التي تظهر بها بعض المناطق المتنازع عليها في خرائط إيكوال إيرث، وهو ما يؤكد أن الخريطة قد تتحول، في بعض السياقات، من أداة علمية إلى قضية ذات حساسية سياسية وقانونية.

ومن هنا يمكن النظر إلى قرار «تصحيح الخريطة» باعتباره أكثر من مجرد تحول تقني في علم الخرائط؛ فهو يعكس محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الخريطة والحقيقة، وبين التمثيل والإدراك، وبين الجغرافيا والقوة. فالأرض لم تتغير، والقارات لم تتبدل مساحاتها، وإنما تغيرت العدسة التي نختار من خلالها أن نراها. وربما يكون السؤال الأهم الذي يطرحه هذا التحول ليس: «أي خريطة هي الصحيحة؟»، وإنما: «أي جانب من العالم نريد أن تكون الخريطة قادرة على إظهاره بدقة أكبر؟»

د.هاني أبو العلا

د.هاني أبو العلا

يشغل منصب أستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم، إلى جانب عمله خبيرًا في التنمية المستدامة بمنظمة اليونسكو، وخبيرًا في نظم المعلومات الجغرافية وعلوم الحاسب بالهيئة العامة للتخطيط العمراني، كما يشارك في أعمال لجنة ترقيات الأساتذة بالمجلس الأعلى للجامعات، بما يعكس خبرته الأكاديمية والعلمية وإسهاماته في تقييم الإنتاج العلمي

مقالات أخرى للكاتب د.هاني أبو العلا

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.