En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية من القوة إلى إعادة الهيكلة: مستقبل الاقتصاد الألماني في ظل الصدمات الجيوسياسية والتحول الصناعي الشراكة الصينية–الروسية في ظل التحولات الجيوسياسية: محددات النفوذ وتداعياتها على النظام الدولي ورقة حول الذكاء الاصطناعي وتقنياته الناشئة في عصر الذكاء التوليدي وول ستريت واقتصاد الذكاء الاصطناعي: شبكات التمويل ومفاتيح السيطرة على التكنولوجيا العالمية منهجية البحث العلمي في العالم العربي: دليل أكاديمي لتمكين الباحثين وتعزيز الحضور الدولي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

السياسة النقدية الأوروبية تحت ضغط الأزمات:بين مواجهة التضخم ومخاطر الركود

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم تعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الحسابات العسكرية والجيوسياسية، فقد بدأت تنتقل بصورة مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، وفي مقدمة المتأثرين تقف أوروبا أمام واحدة من أكثر المعادلات الاقتصادية تعقيدا، حيث تتداخل صدمة الطاقة مع التضخم والسياسة النقدية والنمو، ليجد البنك المركزي الأوروبي نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: السماح بارتفاع التضخم، أو تشديد السياسة النقدية بما قد يضعف النمو الاقتصادي.

في هذا السياق، جاء قرار البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة للمرة الثانية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026، في محاولة للحد من الضغوط التضخمية المتصاعدة، حيث وصلت فائدة الإيداع إلى 2.5%، وهو المستوى الذي يقترب من الحد الأعلى للنطاق الذي يراه البنك محايدا تجاه النشاط الاقتصادي. والرسالة الأهم في القرار لا تتعلق بحجم الزيادة وحده، وإنما بما يعكسه من تحول في أولويات السياسة النقدية الأوروبية في مواجهة صدمة مصدرها الأساسي أسواق الطاقة.

فالتضخم في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.3% في أغسطس، متجاوزا بصورة واضحة هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، فيما سجل تضخم الطاقة ارتفاعا حادا بلغ 14.3% على أساس سنوي. وهذه الأرقام تكشف طبيعة المشكلة بصورة أكثر وضوحا: أوروبا لا تواجه في المقام الأول تضخما ناتجا عن طفرة في الطلب المحلي، وإنما تواجه صدمة عرض مرتبطة بارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة تداعيات الحرب واضطرابات أسواق الطاقة.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية للسياسة النقدية. فعندما يكون التضخم ناتجا عن ارتفاع الطلب، يستطيع البنك المركزي التأثير فيه بصورة مباشرة نسبيا من خلال رفع أسعار الفائدة، عبر زيادة تكلفة الاقتراض وتقليص الاستهلاك والاستثمار والائتمان. أما عندما يكون مصدر التضخم ارتفاع أسعار الطاقة، فإن قدرة السياسة النقدية على معالجة جذور المشكلة تصبح محدودة، لأن البنك المركزي يستطيع التأثير في الطلب والتوقعات المالية، لكنه لا يستطيع زيادة إمدادات النفط والغاز أو إزالة المخاطر الجيوسياسية التي تقود الأسعار إلى الارتفاع.

ومع ذلك فإن ترك التضخم المرتفع دون استجابة يحمل مخاطر أكبر على المدى المتوسط. فارتفاع أسعار الطاقة لا يتوقف عند فاتورة الوقود والكهرباء، وإنما ينتقل تدريجيا إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ثم تحاول الشركات تمرير جزء من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي. وإذا استمرت الصدمة لفترة طويلة، فقد تتولد مطالبات بزيادة الأجور لتعويض تراجع القوة الشرائية، الأمر الذي يرفع احتمال انتقال التضخم من قطاع الطاقة إلى الاقتصاد الأوسع.

وهذا تحديدا ما يجعل اقتراب فصل الشتاء عاملا اقتصاديا بالغ الأهمية. فاستمرار ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وزيت التدفئة والوقود يمكن أن يضغط بصورة مباشرة على ميزانيات الأسر الأوروبية، وفي الوقت نفسه يرفع تكاليف الشركات، خصوصا في الاقتصادات والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة. وبالتالي فإن استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران قد يحول صدمة الطاقة المؤقتة إلى مصدر أكثر استدامة للضغوط التضخمية.

وتزداد حساسية المشهد مع توقع البنك المركزي الأوروبي أن يبلغ متوسط التضخم نحو 3% خلال عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 ويقترب من 2.1% في 2028. أي أن العودة إلى هدف 2% لن تكون فورية، وهو ما يفسر تمسك البنك بخطاب نقدي حذر وعدم تقديم التزام مسبق بمسار محدد لأسعار الفائدة، إذ يؤكد أن قراراته ستظل مرتبطة بالبيانات والتطورات الاقتصادية في كل اجتماع.

وفي المقابل، فإن الاقتصاد الأوروبي لا يزال يظهر قدرا من القدرة على الصمود، فقد رفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته لنمو منطقة اليورو خلال عام 2026 من 0.8% إلى 0.9%. لكن هذا التحسن المحدود لا يلغي المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار التشديد النقدي، إذ إن ارتفاع تكلفة التمويل يمكن أن يضغط على الاستثمار والاستهلاك والائتمان وسوق العقارات، خصوصا إذا تزامن مع ارتفاع مستمر في تكاليف الطاقة.

 

وهنا تختلف طبيعة موقف البنك المركزي الأوروبي عن موقف الاحتياطي الفدرالي الأميركي وبنك إنجلترا، اللذين لم يتجها حتى الآن إلى رفع أسعار الفائدة استجابة لتداعيات الحرب. وهذا الاختلاف يعكس بصورة أساسية اختلاف تقييم البنوك المركزية لطبيعة الصدمة، ومدى انتشارها داخل اقتصاداتها، ومستوى مخاطر التضخم الأساسي، فضلا عن اختلاف درجة تعرض كل اقتصاد لأسواق الطاقة وتطورات الحرب.

المفارقة الاقتصادية الكبرى إذن أن الحرب تضع أوروبا أمام احتمالين متزامنين: تضخم أعلى نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، ونمو أضعف نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة. وإذا طال أمد الصراع، فقد يصبح تحقيق الاستقرار السعري أكثر تكلفة من الناحية الاقتصادية، لأن البنك المركزي سيكون مضطرا إلى استخدام أدوات نقدية لمواجهة تضخم نشأ جزئيا خارج نطاق السياسة النقدية نفسها.

لذلك، فإن قرار رفع الفائدة الأوروبية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد زيادة في تكلفة الاقتراض، وإنما باعتباره محاولة لإدارة المخاطر ومنع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم مستدام ومتجذر في توقعات الأسر والشركات. وفي الوقت ذاته، يدرك البنك أن الإفراط في التشديد قد يضعف النشاط الاقتصادي في لحظة لا يزال فيها النمو الأوروبي هشا.

في المحصلة، تكشف التطورات الحالية حقيقة اقتصادية أعمق: الحروب الحديثة لا تنتقل آثارها عبر الجبهات العسكرية وحدها، وإنما عبر أسواق الطاقة والتجارة والتمويل وسلاسل الإمداد. وما يحدث في أوروبا اليوم يقدم نموذجا واضحا لهذه الحقيقة؛ فقرار الفائدة الذي يصدر في فرانكفورت يتأثر بدرجة كبيرة بما يحدث في أسواق النفط والغاز وبمسار الصراع في منطقة تبعد آلاف الكيلومترات عن قلب الاقتصاد الأوروبي.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للبنك المركزي الأوروبي لن يكون فقط في قدرته على إعادة التضخم إلى 2%، وإنما في قدرته على تحقيق ذلك دون دفع الاقتصاد الأوروبي إلى تباطؤ أعمق. وبينما تبقى السياسة النقدية أداة ضرورية لضبط التوقعات ومنع التضخم من التحول إلى ظاهرة مستدامة، فإن الحل الاقتصادي الأوسع يظل مرتبطا بمدى انحسار الصدمة الجيوسياسية واستقرار أسواق الطاقة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة مهمة البنك المركزي، وتحولت معادلة التضخم والنمو من تحد نقدي إلى اختبار استراتيجي للاقتصاد الأوروبي بأكمله.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.