تقترب أسواق المال العالمية من اختبار بالغ الحساسية، يتمثل في قدرة اليابان على إدارة واحدة من أكبر أعباء الدين العام في العالم، في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض وتتغير البيئة النقدية التي اعتادت طوكيو العمل داخلها لعقود، فالسندات اليابانية لم تعد شأنا محليا يخص وزارة المالية والبنك المركزي والمستثمرين اليابانيين وحدهم، إذ يمكن لأي اضطراب حاد في سوقها أن ينتقل إلى أسواق العملات والأسهم والائتمان، وأن يعيد توجيه مئات المليارات من الدولارات من الأصول العالمية.
تكمن خطورة المسألة في أن اليابان كانت، لسنوات طويلة، مصدرا رئيسيا للسيولة الرخيصة، بفضل أسعار الفائدة المنخفضة وسياسة التيسير النقدي الواسع، ومع تغير هذه المعادلة، قد تتحول الأموال اليابانية التي دعمت أسواقا عالمية عديدة إلى مصدر ضغط عليها، خصوصا إذا بدأ المستثمرون بإعادة أموالهم إلى الداخل بحثا عن عوائد محلية أعلى أو سعيا إلى تقليص مخاطر العملات.
عبء تاريخي
تحتل اليابان موقعا استثنائيا في خريطة الدين العام العالمي، إذ يدور الدين الحكومي الإجمالي حول أكثر من ضعفي الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، وهي نسبة تضع اليابان في صدارة الاقتصادات المتقدمة من حيث حجم الدين مقارنة بحجم الاقتصاد، مع اختلاف التقديرات بحسب طريقة القياس وما إذا كانت تشمل الالتزامات الحكومية الإجمالية أو الصافية، وتكمن حساسية الوضع في أن ارتفاع الدين تزامن تاريخيا مع معدلات فائدة شديدة الانخفاض، ما جعل تكلفة خدمته قابلة للاحتواء رغم ضخامة رصيده.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير مع خروج اليابان تدريجيا من حقبة الفائدة السلبية والتيسير النقدي الاستثنائي، فقد رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى مستويات لم تكن مألوفة خلال السنوات السابقة، فيما أخذت عوائد السندات طويلة الأجل في الارتفاع، وهو ما يعني أن الحكومة ستواجه تدريجيا تكلفة أعلى عند إعادة تمويل الديون المستحقة أو إصدار سندات جديدة، حتى إذا لم تنتقل الزيادة في الفائدة إلى كامل رصيد الدين دفعة واحدة.
وفي سبتمبر 2026، ارتفع عائد السندات اليابانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 3%، وهو مستوى لم تشهده السوق منذ عقود، وسط مخاوف من اتساع الإنفاق العام وتزايد احتياجات الاقتراض، وقد نقلت تقارير اقتصادية أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه المسار المالي الياباني، في وقت تحاول فيه الحكومة الموازنة بين دعم الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار والحفاظ على ثقة المستثمرين.
نقطة التحول
تكمن خطورة ارتفاع العوائد في أن أثره لا يقتصر على الموازنة اليابانية، فالسندات الحكومية تمثل أصلا محوريا في النظام المالي المحلي والعالمي، وتستخدمها البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية بوصفها أدوات للادخار وإدارة السيولة وضمان الالتزامات طويلة الأجل، وعندما تتراجع أسعار السندات بسبب ارتفاع العوائد، تتعرض المحافظ الاستثمارية لخسائر تقييمية، وقد تضطر بعض المؤسسات إلى إعادة توزيع أصولها أو تقليص مراكزها في الأسواق الأخرى.
وتزداد أهمية اليابان بسبب الدور الذي لعبه الين في تجارة الفائدة العالمية، إذ استفاد مستثمرون دوليون لسنوات من الاقتراض بالين منخفض التكلفة ثم توظيف الأموال في سندات وأسهم وأصول ذات عوائد أعلى في الولايات المتحدة وأوروبا والأسواق الناشئة، وهي الاستراتيجية المعروفة باسم «تجارة الفائدة»، وإذا ارتفعت الفائدة اليابانية أو تراجع الين أو زادت تقلبات سوق السندات، فقد يضطر المستثمرون إلى إغلاق هذه المراكز، ما يؤدي إلى بيع أصول عالمية وشراء الين لتسوية الالتزامات، فتنتقل الضغوط من طوكيو إلى الأسواق المالية الدولية.
العدوى العالمية
قد يكون سوق سندات الخزانة الأميركية أحد أكثر الأسواق تأثرا بأي إعادة تموضع واسعة للأموال اليابانية، فالمؤسسات اليابانية من كبار المستثمرين في الأصول الأجنبية، ومن بينها السندات الأميركية، وإذا أصبحت العوائد المحلية أكثر جاذبية مقارنة بالعوائد الخارجية بعد احتساب تكلفة التحوط من تقلبات العملة، فقد تتجه نسبة من المدخرات اليابانية إلى السوق المحلية، ما يرفع تكلفة تمويل الولايات المتحدة ويضغط على أسعار السندات الأميركية.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع العوائد اليابانية سيؤدي تلقائيا إلى انهيار سوق الخزانة الأميركية، فقرارات المستثمرين تتأثر أيضا بمسار التضخم الأميركي، والسياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي، وسعر الدولار، ومستوى المخاطر الجيوسياسية، غير أن تزامن اضطراب السندات اليابانية مع ارتفاع الدين الأميركي واتساع احتياجات الاقتراض العالمي قد يضاعف حساسية الأسواق تجاه أي صدمة جديدة.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على اتساع الضغوط في أسواق الدين العالمية، إذ أشارت تقارير حديثة إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية في الاقتصادات الكبرى إلى مستويات مرتفعة تاريخيا، مع بلوغ متوسط عائد سندات مجموعة الدول السبع لأجل عشر سنوات أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية، ما يعكس تداخل مخاطر التضخم والإنفاق العام والديون السيادية في بيئة مالية أكثر تشددا.
حدود الانفجار
مع ذلك، ينبغي التمييز بين أزمة حادة في سوق السندات وبين انهيار مالي شامل، فاليابان تقترض بعملتها المحلية، وتمتلك قاعدة ادخار داخلية كبيرة، كما أن جزءا ضخما من سنداتها مملوك لمؤسسات يابانية وبنك اليابان، وهو ما يقلل بعض مخاطر التمويل الخارجي المباشر، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بفقدان الثقة أو ارتفاع تكلفة خدمة الدين أو تراجع قيمة العملة أو اتساع الخلاف بين السياسة المالية والسياسة النقدية.
وتتمثل المعضلة الأساسية في أن رفع أسعار الفائدة قد يساعد على احتواء التضخم ودعم الين، لكنه يزيد تكلفة الاقتراض الحكومي ويضغط على الموازنة، في حين أن إبقاء الفائدة منخفضة لفترة طويلة قد يفاقم ضغوط العملة ويزيد تكلفة الواردات ويضعف ثقة المستثمرين في قدرة السلطات على ضبط التضخم، لذلك يجد بنك اليابان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد تتطلب تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار واستقرار سوق السندات والنمو الاقتصادي.
اختبار النظام
إذا تحولت الزيادة في عوائد السندات اليابانية إلى موجة بيع واسعة، فقد تبدأ التداعيات من ارتفاع تكلفة التمويل الحكومي، ثم تنتقل إلى البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد، ومنها إلى سوق العملات وتجارة الفائدة وأسواق الأسهم والسندات العالمية، وقد تتضرر الأسواق الناشئة بصورة خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الدولار وتشدد شروط التمويل وخروج جزء من السيولة الأجنبية بحثا عن الملاذات الآمنة.
أما الدول العربية والاقتصادات النامية، فقد تواجه ارتفاعا في كلفة الاقتراض الخارجي، وتراجعا في تدفقات الاستثمار، وزيادة في أعباء خدمة الدين المقوم بالدولار، خصوصا إذا ترافقت الصدمة اليابانية مع ارتفاع أسعار الطاقة أو استمرار التوترات الجيوسياسية، فالأزمة المحتملة لن تكون محصورة في طوكيو، وإنما قد تعيد تسعير المخاطر في النظام المالي العالمي بأكمله.
في المحصلة، لا يكمن الخطر الحقيقي في حجم الدين الياباني وحده، فقد تعايش الاقتصاد الياباني مع مستويات مرتفعة من الدين لسنوات طويلة، وإنما في احتمال تغير الشروط التي جعلت هذا الدين قابلا للإدارة، فإذا ارتفعت الفائدة بسرعة، وتراجعت قدرة المستثمرين على استيعاب الإصدارات الجديدة، واتسعت الفجوة بين الإنفاق العام والنمو الاقتصادي، فقد تتحول سوق السندات اليابانية إلى نقطة ضغط مركزية في الاقتصاد العالمي، وعندها لن يكون السؤال حول قدرة اليابان على تمويل ديونها فقط، وإنما حول قدرة النظام المالي الدولي على امتصاص صدمة تأتي من واحدة من أكبر حواضن المدخرات والسيولة في العالم.