En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

تآكل الاقتصاد الإسرائيلي:انتقال المخاطر وتراكم أعباء الدين والائتمان خلال 2023–2026

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في السابع من أكتوبر 2023 لم تدخل إسرائيل في حرب عسكرية فحسب، بل دخلت في اختبار اقتصادي ومالي بالغ القسوة، فمنذ اللحظات الأولى للهجوم تحول الاقتصاد الإسرائيلي إلى ساحة موازية للمعركة، مع تعبئة احتياطية واسعة النطاق وتعطل سلاسل الإمداد وانهيار مفاجئ في قطاعات كاملة مثل السياحة والبناء، وارتفاع حاد في علاوة المخاطر على الدين السيادي. وفي ظل هذا الزلزال كان السؤال الأكثر إلحاحاً في الأوساط المالية الدولية: هل ستصمد البنوك الإسرائيلية، وهل يستطيع الاقتصاد تحمل حرب ممتدة دون أن تتحول الضغوط المالية إلى أزمة شاملة؟

وبعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، باتت الإجابة أكثر تعقيداً من مجرد القول إن النظام المالي صمد، فالمؤشرات الرسمية لبنك إسرائيل ووزارة المالية تشير إلى أن النظام المصرفي لم ينهَر، بل حقق أرباحاً قياسية تجاوزت في بعض أرباع عام 2026 حاجز 8.5 مليار شيكل للبنوك الخمسة الكبرى مجتمعة. غير أن هذه الأرباح لا تعكس بالضرورة قوة الاقتصاد الحقيقي، بقدر ما تعكس بيئة نقدية استثنائية وسياسة مالية حكومية حولت البنوك إلى شريك مركزي في تمويل الحرب، وهو ما يكشف مفارقة أساسية: يمكن للمؤسسات المالية أن تحقق أرباحاً مرتفعة في الوقت الذي تتعرض فيه القاعدة الإنتاجية للاقتصاد لضغوط متزايدة.

صمود هش

وهنا تبرز الإشكالية المركزية: هل صمود البنوك يعني صمود الاقتصاد؟ فالإجابة لا يمكن أن تعتمد فقط على مؤشرات الربحية ورأس المال، وإنما تقتضي النظر إلى الكيفية التي أُعيد بها توزيع المخاطر بين الدولة والبنوك والأسر والشركات، ومن يتحمل التكلفة الفعلية لهذا الصمود. وكان بنك إسرائيل قد أقر في تقريره لعام 2025 بأن الناتج المحلي الإجمالي ظل أقل من مساره الطبيعي قبل الحرب، وأن الاقتصاد تحمل خسارة كبيرة في الناتج، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج من 67.6% إلى 68.5%، بما يعني أن الصمود المالي لم يُلغِ تكلفة الحرب وإنما أخفاها جزئياً داخل الدين والضرائب والائتمان.

ومن ثم فإن قدرة البنوك الإسرائيلية على امتصاص الصدمة لا تعني أن تكلفة الحرب اختفت، بل تعني أن النظام المالي استطاع حتى الآن استيعاب جزء كبير منها دون التحول إلى أزمة مصرفية مباشرة. لكن هذا الاستيعاب لم يكن سهلاً أو مجانياً، ولم يكن نتيجة قوة البنوك وحدها، فقد انتقلت أجزاء متزايدة من الضغط إلى الأسر والشركات، وتركزت المخاطر في قطاعات بعينها، خصوصاً البناء والعقارات والائتمان التجاري. ومع انتقال بنك إسرائيل من بيئة الفائدة المرتفعة إلى دورة خفض تدريجي خلال 2026، يبرز السؤال الأهم: هل انحسرت المخاطر فعلاً، أم أنها انتقلت من التضخم والفائدة إلى الدين العام وجودة الائتمان والعقارات؟

فاتورة الحرب

عندما اندلعت الحرب في أكتوبر 2023 كان السؤال الأساسي هو كيف ستمول إسرائيل حرباً مفتوحة على عدة جبهات دون أن تنهار قدرتها على خدمة ديونها أو تفقد البنوك قدرتها على الإقراض. وجاءت الإجابة عبر هندسة مالية اعتمدت على ثلاثة مسارات متوازية، تمثلت في قيام بنك إسرائيل بدور شبكة أمان، وتحول البنوك إلى قناة رئيسية لتمويل الحكومة، إلى جانب زيادة الإيرادات الضريبية لاستيعاب جزء من فاتورة الحرب. ويقدر بنك إسرائيل التكلفة المالية المباشرة للحرب، بما يشمل النفقات الدفاعية والمدنية، بنحو 350 مليار شيكل للفترة 2023–2026، أي ما يعادل حوالي 118 مليار دولار.

ولا يشمل هذا الرقم العمليات العسكرية اللاحقة مثل عملية «زئير الأسد» التي اندلعت في أوائل 2026، والتي أضافت، وفقاً لوزارة المالية الإسرائيلية، نحو 35 مليار شيكل أخرى، بما يعني أن التكلفة النهائية للحرب تجاوزت بشكل كبير التقديرات الأولية التي كانت تتحدث عن 200–250 مليار شيكل. وتكشف هذه الأرقام عن حجم الضغط الذي تعرضت له المالية العامة، إذ لم تعد الحرب مجرد بند استثنائي في الموازنة، وإنما أصبحت عاملاً هيكلياً يعيد تشكيل الدين العام والإنفاق الحكومي وأولويات الاقتصاد الإسرائيلي.

دين متصاعد

أما السؤال المتعلق بمن دفع هذه الفاتورة، فتشير بيانات بنك إسرائيل إلى أن نحو نصف التكلفة تم تمويله عبر إصدار الدين، ما يعني أن الحكومة الإسرائيلية لجأت إلى أسواق المال وإلى البنوك المحلية وصناديق المعاشات لشراء السندات الحكومية بآليات مختلفة. ووفق البيانات الرسمية، جمعت الحكومة ما يقارب 524 مليار شيكل من الدين الحكومي منذ بداية الحرب حتى أكتوبر 2025، وذهب الجزء الأكبر من هذا الدين، نحو 411 مليار شيكل من الديون القابلة للتداول محلياً، إلى المؤسسات المالية الإسرائيلية.

ولم يكن هذا الترابط مجرد معاملة مالية، فعندما تشتري البنوك الإسرائيلية سندات حكومية إسرائيلية فإنها تربط مصيرها المالي بمصير الدولة، وبالتالي إذا تدهور الوضع الأمني وارتفعت علاوة المخاطر تنخفض قيمة السندات التي تحملها البنوك ويظهر ضغط على ميزانياتها العمومية. وفي المقابل منح هذا الترابط الحكومة قدرة استثنائية على الاقتراض بأسعار معقولة على المستوى المحلي بعيداً عن تقلبات الأسواق الدولية، لكنه في الوقت نفسه خلق دائرة أكثر خطورة، إذ أصبحت البنوك والدولة أكثر ارتباطاً، بحيث يمكن أن تنتقل أزمة المالية العامة إلى القطاع المصرفي، والعكس صحيح.

عبء ضريبي

أما النصف الآخر من فاتورة الحرب فلم يأتِ من الاقتراض وإنما من الزيادة الضريبية، ففي 2025 فرضت الحكومة الإسرائيلية حزمة ضريبية تقدر بنحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأسهمت هذه الحزمة، إلى جانب النمو في الإيرادات الضريبية نتيجة التعافي الجزئي للنشاط الاقتصادي، في رفع الإيرادات الضريبية إلى مستوى قياسي بلغ 509.2 مليار شيكل في 2025، بزيادة 12% عن 2024. لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة تحسن القوة الاقتصادية، لأن جزءاً منه جاء نتيجة زيادة العبء المالي المفروض على الاقتصاد.

وتطرح هذه الزيادة سؤالاً آخر يتعلق بمن يتحمل عبئها، إذ تشير التقارير إلى أن الزيادة الضريبية تركزت على الضرائب غير المباشرة وعلى الشرائح ذات الدخل المرتفع في محاولة لتقليل الأثر على الطبقات المتوسطة، غير أن الضغوط المعيشية المرتفعة في الاقتصاد الإسرائيلي تجعل أي زيادة ضريبية قابلة للانتقال بصورة غير مباشرة إلى تكلفة المعيشة. وهكذا تصبح الحرب ذات أثر مزدوج: فهي ترفع الإنفاق الحكومي من ناحية، وتفرض في الوقت نفسه قيوداً إضافية على قدرة الأسر والشركات على الاستهلاك والاستثمار من ناحية أخرى.

دين سيادي

وكان الأثر المباشر لهذه السياسة المالية ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 60.5% في بداية 2023 إلى 68.5% بنهاية 2025. ورغم أن هذا الرقم لا يقدم وحده صورة كاملة، فإن المقارنة مع الدول المتقدمة تكشف تحولاً مهماً، إذ يبلغ متوسط نسبة الدين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حوالي 57%، بما يعني أن إسرائيل التي كانت تتمتع بموقع أفضل من المتوسط قبل الحرب تجاوزته الآن بفارق كبير.

وفي هذا السياق لم تكن البنوك مجرد متلقية للسياسات الحكومية، وإنما أصبحت شريكاً فاعلاً في تمويل الحرب، لأن الحكومة لا تستطيع ببساطة طبع النقود، وبالتالي تعتمد على البنوك لشراء سنداتها. وينتج عن ذلك وضع تناقضي، فكلما زادت الحكومة إنفاقها الحربي زادت حاجتها إلى الاقتراض من البنوك، وكلما زاد اقتراضها زادت المخاطر المرتبطة بمحافظ البنوك، وبالتالي إذا حدثت أزمة ثقة في الدين السيادي الإسرائيلي فإن البنوك ستكون من أول الأطراف التي تتأثر، بما يجعل الاستقرار المصرفي مرتبطاً بصورة متزايدة بقدرة الدولة على تحمل أعباء الحرب.

مخاطر مترابطة

ومع ذلك لم تتحقق هذه السيناريوهات حتى الآن، فقد ارتفعت علاوة المخاطر الإسرائيلية، ممثلة في عقود مبادلة مخاطر الائتمان لخمس سنوات، من حوالي 60 نقطة قبل الحرب إلى 170 نقطة في ذروتها خلال النصف الثاني من 2024، قبل أن تعود إلى مستويات قريبة من 70 نقطة بنهاية 2025 ثم إلى حوالي 53 نقطة في سبتمبر 2026. ويعني ذلك أن الأسواق أعادت تسعير المخاطر الإسرائيلية عند مستويات قريبة جداً مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر، وهو مؤشر على أن المستثمرين يرون أن مخاطر الحرب قد تم احتواؤها مؤقتاً.

غير أن قدرة النظام المصرفي على استيعاب الصدمة لم تكن عملية مجانية ولا نتيجة طبيعية لقوة البنوك فقط، وإنما جاءت نتيجة قرارات سياسية واقتصادية وزعت التكلفة بين الحكومة من خلال الدين العام، والأسر من خلال الفائدة الأعلى والضرائب، والشركات من خلال التشدد الائتماني، والقطاعات الضعيفة من خلال الخسائر المباشرة. وفي هذه المعادلة كانت البنوك من أكثر المستفيدين، إذ خرجت من الأزمة بربحية قياسية ومكانة أقوى، وهو ما ينقل السؤال من «هل صمدت البنوك؟» إلى سؤال أعمق: هل أصبح الاقتصاد الحقيقي هو الحلقة الأضعف في منظومة الصمود المالي؟

اقتصاد حقيقي

وبعد أن نجح النظام المصرفي في امتصاص الصدمة الأولية للحرب، انتقلت المخاطر من احتمال انهيار بنك أو حدوث أزمة سيولة إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بمن يتحمل العبء فعلياً. ويبرز هنا التركيز المتزايد في العقارات، حيث نما الائتمان التجاري بنسبة 12.2% في 2025، وكان قطاع البناء والعقارات الدافع الرئيسي لهذا النمو. وهذا يعني أن البنوك ضخت أموالاً متزايدة في قطاع يعاني من نقص حاد في العمالة وارتفاع تكاليف المواد وتباطؤ المبيعات، في الوقت الذي تتوقع فيه وكالة التصنيف الائتماني الإسرائيلية Maalot زيادة حالات الإفلاس بين المطورين العقاريين ذوي الرفع المالي المتزايد.

وقد اقترض هؤلاء المطورون من البنوك، وبالتالي فإن إفلاسهم يعني خسائر ائتمانية مباشرة للمؤسسات المصرفية. وتتصل بذلك مشكلة أخرى تتمثل في التقييمات المبالغ فيها، إذ رصد تقرير الاستقرار المالي الصادر عن بنك إسرائيل لعام 2025 مؤشرات على تقييم مبالغ فيه في سوق المال وسوق العقارات معاً. وتكمن أهمية ذلك في أن البنوك تحمل في ميزانياتها أصولاً مالية مرتبطة بأسعار السوق، وبالتالي فإن أي تصحيح حاد في هذه الأسعار يعني خسائر في محافظ البنوك وانخفاض قيمة الضمانات المرهونة، وهو ما يضغط على قدرتها على الإقراض.

ضغط الأسر

وفي الوقت نفسه برز عبء الأسر نتيجة رفع بنك إسرائيل الفائدة إلى 4.5% خلال 2023–2024 لمكافحة التضخم، وهو ما انتقل مباشرة إلى قروض الإسكان والقروض الاستهلاكية. والأسر التي اقترضت خلال فترة الذروة لا تزال تتحمل أقساطاً مرتفعة حتى مع بدء خفض الفائدة في 2026، بينما تحولت قاعدة ودائع البنوك تدريجياً من ودائع الأفراد المستقرة إلى ودائع مؤسسية أكثر تقلباً، بما يزيد هشاشة البنوك أمام أي صدمة ثقة جديدة.

وبذلك لم تختفِ المخاطر، وإنما تحولت من أزمة سيولة لحظية إلى مخاطر هيكلية مزمنة تتمثل في التركيز الائتماني في العقارات، والتقييمات المبالغ فيها، والترابط العميق بين البنوك والدولة من جهة، وبين البنوك والأسر والشركات من جهة أخرى. وهذه التحولات تعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة البنوك على تجاوز صدمة الحرب، وإنما بقدرة الاقتصاد الإسرائيلي نفسه على تحمل آثار الحرب الممتدة من دون أن تتآكل قدرته على النمو والاستثمار والإنتاج.

اختبار 2026

ومع دخول عام 2026 تغيرت البيئة النقدية التي رافقت الحرب، إذ خفض بنك إسرائيل الفائدة مرتين متتاليتين، في نوفمبر 2025 ويناير 2026، لتصل إلى 4%، مع توقعات بالوصول إلى 3.5% بنهاية 2026. ويعكس هذا التحول تراجع التضخم إلى داخل النطاق المستهدف، حيث بلغ 1.9% في أبريل 2026، إلى جانب تهدئة نسبية في علاوة المخاطر بعد وقف إطلاق النار.

لكن انخفاض الفائدة لا يعني بالضرورة أن الضغط المصرفي بدأ ينحسر، فهو من جهة يخفف عبء الأقساط عن المقترضين، لكنه من جهة أخرى يقلص هوامش ربح البنوك التي كانت مصدراً أساسياً لقوتها خلال الحرب. وتشير تقارير مصرف Mercantile، التابع لمجموعة بنك هبوعليم الإسرائيلي، إلى أن صافي الربح في القطاع المالي انخفض بنسبة 33.3% في الربع الأول من 2026 مع تراجع دخل الفائدة، وهو ما يمثل مؤشراً مبكراً على أن الربحية القياسية التي رافقت الحرب قد تكون بلغت ذروتها.

هوامش متراجعة

وفي المقابل تظل المخاطر الهيكلية قائمة، فقطاع البناء والعقارات لا يزال يواجه نقص العمالة وتباطؤ المبيعات، كما أن حالات الإفلاس بين المطورين المثقلين بالديون قد تتزايد. كذلك فإن علاوة المخاطر الإسرائيلية، رغم انخفاضها، لا تزال أعلى من مستويات ما قبل الحرب، بما يعني أن تكلفة التمويل للاقتصاد ككل لم تعد إلى مستوياتها السابقة، وهو ما يفرض ضغوطاً على الاستثمار الخاص وعلى قدرة الشركات على التوسع.

والأهم من ذلك أن الدين العام لم يتراجع، فاستمرار الإنفاق الدفاعي والعسكري المرتفع، إلى جانب احتمال تراجع الإيرادات مع تباطؤ النمو، يعني أن الحكومة ستستمر في الحاجة إلى التمويل من البنوك وصناديق المعاشات، وهو ما يبقي الترابط العميق بين مخاطر الدولة ومخاطر البنوك قائماً. ومن ثم فإن صورة 2026 لا تعكس بالضرورة انحسار المخاطر، وإنما إعادة توزيع جديدة لها؛ من ضغط الفائدة المرتفعة إلى ضغط تراجع الهوامش، ومن مخاطر السيولة إلى مخاطر جودة الائتمان والدين العام.

خسارة النمو

وعند إعادة قراءة المشهد الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا يكفي القول إن البنوك صمدت أو إن الاقتصاد تأثر، إذ يقتضي التحليل الدقيق التمييز بين التكلفة المالية للحرب والتكلفة الاقتصادية، وهما ليسا الشيء نفسه. فالتكلفة المالية هي ما تنفقه الحكومة فعلياً، بما يشمل ميزانية الدفاع وتعويضات الاحتياط وإعادة الإعمار والمساعدات المدنية، ويقدر هذا الرقم بنحو 350 مليار شيكل للفترة 2023–2026، إضافة إلى نحو 35 مليار شيكل لعملية «زئير الأسد» في 2026، وهي تكلفة يمكن قياسها وتمويلها وتوزيعها بين الدين العام والضرائب.

أما التكلفة الاقتصادية فهي أوسع وأعمق، لأنها تمثل الناتج المفقود، أي ما كان يمكن أن ينتجه الاقتصاد الإسرائيلي لو لم تحدث الحرب. وقد أقرت تقارير بنك إسرائيل نفسها بأن الناتج المحلي ظل أقل من مساره الطبيعي قبل الحرب، وأن الاقتصاد تحمل خسارة كبيرة في الناتج لم يتم تعويضها بعد. وهذه الخسارة لا تظهر بالضرورة في أرقام الميزانية، لكنها تظهر في تباطؤ الاستثمار وتراجع الإنتاجية وتآكل قاعدة النمو المستقبلي، فالتكلفة المالية يمكن تمويلها، أما الناتج الذي لم يُنتج فلا يمكن استرداده.

فاتورة مؤجلة

وأظهرت الحرب في مجملها قدرة مرتفعة نسبياً للنظام المصرفي الإسرائيلي على امتصاص الصدمات، مدعوماً بمستويات من رأس المال والسيولة وربحية قوية، لكن الصمود المصرفي لا يعني أن الاقتصاد الإسرائيلي خرج من الحرب سليماً. فقد ظهرت الضغوط بصورة أكبر في جودة بعض محافظ الائتمان، وفي قطاعي البناء والعقارات، وفي مديونية الشركات، بينما انتقلت أجزاء من تكلفة البيئة النقدية المرتفعة إلى الأسر والشركات، وارتفعت في الوقت نفسه أعباء الدين العام.

وبحلول 2026 لم تختفِ المخاطر، وإنما أعيد توزيعها من ضغط الفائدة المرتفعة إلى ضغط تراجع الهوامش، ومن مخاطر السيولة إلى مخاطر جودة الائتمان والدين العام. ولذلك فإن الحديث عن «انهيار الاقتصاد» بمعناه الكامل لا تدعمه الأرقام الواردة في المادة، لكن المؤشرات ترسم اقتصاداً مستنزفاً تتراكم داخله نقاط الضعف المالية والائتمانية والإنتاجية، بينما يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بمسارين رئيسيين: ما إذا كان التصحيح المحتمل في أسعار العقارات سيكشف عن هشاشة الائتمان المتراكم، وما إذا كان أي تدهور أمني جديد سيعيد تسعير المخاطر ويرفع تكلفة التمويل على إسرائيل والبنوك معاً. وفي الحالتين يبقى السؤال الأكثر أهمية: من سيحمل الفاتورة في الجولة القادمة؟

وداد العربي

وداد العربي

مترجمة وباحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي، حاصلة على درجة الليسانس من قسم اللغة العبرية وآدابها بجامعة الأزهر الشريف، كما حصلت على درجة الماجستير في الاستشراق الإسرائيلي الحديث والمعاصر بتقدير ممتاز

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.