تواجه القارة الإفريقية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين منظومة معقدة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يتصدرها الإرهاب بوصفه أحد أبرز التهديدات التي طالت استقرار عدد كبير من دول القارة وأمن مجتمعاتها. وفي بيئات تتسم بهشاشة مؤسسات الدولة، وتعدد الصراعات الداخلية، وضعف التنمية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، استطاعت الجماعات الإرهابية والمسلحة أن تجد مساحات واسعة للتمدد، مستفيدة في بعض الحالات من الفراغات الأمنية ومن الاقتصاد غير المشروع المرتبط بالموارد الطبيعية وطرق التجارة والتهريب.
وفي هذا السياق، يكتسب الإعلام أهمية خاصة باعتباره أحد الفاعلين الرئيسيين في معركة مواجهة الإرهاب، ليس فقط من خلال نقل المعلومات وتغطية الأحداث، وإنما أيضًا عبر تشكيل الوعي العام وصياغة الإدراك الجمعي تجاه ظاهرة التطرف والعنف. فالإعلام يمكن أن يكون أداة لدعم جهود مكافحة الإرهاب، ونشر خطاب الاعتدال والتماسك المجتمعي، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مساحة تستغلها التنظيمات المتطرفة في نشر الدعاية والتحريض والتجنيد، خاصة مع التطور المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
هذه الإشكالية تشكل محور كتاب الدكتور محمد عبدالباسط، خبير عمليات السلام ومكافحة الإرهاب في إفريقيا، «الإعلام والإرهاب في إفريقيا.. مشاهد من سنوات الاستنزاف»، الذي يقدم قراءة تحليلية وتوثيقية للعلاقة المعقدة بين الإرهاب والبيئة الإفريقية، مع التركيز على الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام والاتصال السياسي في مواجهة التطرف والإرهاب.
ينطلق الكتاب من رؤية تعتبر أن الإرهاب في إفريقيا لا يمكن التعامل معه باعتباره ظاهرة أمنية منفصلة عن سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإنما هو نتاج مجموعة من التراكمات التي تشكلت عبر عقود، بدءًا من الإرث الاستعماري، مرورًا بضعف المؤسسات السياسية والاقتصادية، وتعثر مسارات التنمية، وانتشار الفقر والبطالة والتهميش، وصولًا إلى الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية وتنافس القوى المختلفة على الموارد والنفوذ.
وفي هذا الإطار، يتتبع الكتاب تطور البنية السياسية للقارة منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في ستينيات القرن الماضي، ثم الانتقال إلى الاتحاد الإفريقي، وما صاحب ذلك من محاولات لبناء مؤسسات قارية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية. كما يناقش تطور آليات العمل الإفريقي المشترك، وفي مقدمتها مجلس السلم والأمن والآليات الإقليمية للتدخل وحفظ السلام، إلى جانب المبادرات التي استهدفت مواجهة التهديدات الإرهابية في مناطق مختلفة من القارة.
ويتوقف الكتاب بصورة خاصة عند منطقة الساحل الإفريقي، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المناطق تعرضًا لنشاط الجماعات الإرهابية والمسلحة. ويحلل كيف أسهم ضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق، وتراجع التنمية، واتساع الحدود، وانتشار شبكات الجريمة المنظمة والاقتصاد غير الرسمي، في توفير بيئة مواتية لتمدد التنظيمات المسلحة.
ومن القضايا اللافتة في الكتاب العلاقة بين الإرهاب والثروات الطبيعية. فالقارة الإفريقية تمتلك موارد هائلة من النفط والذهب واليورانيوم وغيرها من المعادن، إلا أن ضعف نظم الإدارة والحوكمة والصراعات حول السيطرة على الموارد أسهما في تحويل بعض هذه الثروات إلى مصدر لتمويل الصراعات والعنف. ويشرح الكتاب كيف يمكن أن تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر والذهب، بما يؤدي إلى نشوء اقتصاد غير مشروع يمد الصراعات بمصادر مستمرة للتمويل.
ولا يقتصر الكتاب على تحليل الأبعاد الإفريقية الداخلية، بل يستعرض كذلك الجهود الدولية لمواجهة الإرهاب وحفظ السلام في القارة، متناولًا أدوار الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية وبعثات حفظ السلام وبرامج مكافحة الإرهاب. كما يناقش طبيعة التفاعل بين القوى الدولية والقضايا الإفريقية، في ظل تداخل أهداف مكافحة الإرهاب مع اعتبارات النفوذ والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصًا في مناطق الساحل والقرن الإفريقي والصومال.
وفي المقابل، يولي الكتاب اهتمامًا كبيرًا بالدور الإفريقي في مواجهة هذه التحديات، من خلال تحليل تجربة الاتحاد الإفريقي وآلياته الأمنية والسياسية، وتطور منظومة السلم والأمن الإفريقية، والجهود الرامية إلى بناء قدرات إفريقية للتعامل مع الأزمات، إلى جانب المبادرات الإقليمية التي استهدفت احتواء التهديدات الإرهابية في دول الساحل وغيرها من مناطق القارة.
ويشكل الإعلام السياسي المحور الأكثر أهمية في الدراسة، حيث يبحث الكتاب في نشأة وتطور الاتصال السياسي في إفريقيا، ووظائف الإعلام في المجتمعات التي تعاني من الصراعات، ومدى قدرته على المساهمة في بناء الوعي العام ومواجهة خطاب التطرف والكراهية.
ويرى الكتاب أن الإعلام الإفريقي يواجه مجموعة من التحديات التي تحد من قدرته على أداء هذا الدور، من بينها ضعف الإمكانات المهنية والتكنولوجية، والضغوط الاقتصادية، والتدخلات السياسية، وتفاوت مستويات حرية الإعلام، فضلًا عن ضعف التنسيق بين المؤسسات الإعلامية الوطنية والإقليمية والقارية.
كما يناقش الكتاب كيفية توظيف التنظيمات الإرهابية لوسائل الإعلام والاتصال الحديثة، خاصة المنصات الرقمية، في نشر الدعاية المتطرفة واستقطاب الشباب وتقديم روايات مضللة حول الصراعات والأوضاع السياسية والاجتماعية. ومن هنا، يطرح الكتاب مفهومًا أوسع للمواجهة الإعلامية، لا يقتصر على الرد على الرسائل الإرهابية، وإنما يمتد إلى معالجة الظروف التي تجعل بعض الفئات أكثر قابلية للتأثر بالدعاية المتطرفة.
وفي هذا السياق، يؤكد الكتاب أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي للقضاء على الإرهاب، وأن التعامل مع الظاهرة يتطلب استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد والتنمية والتعليم والإعلام. ويصبح الإعلام، وفق هذا التصور، جزءًا من منظومة الوقاية من الإرهاب، من خلال بناء الوعي، وتعزيز قيم المواطنة والتعايش، وتفنيد خطاب الكراهية، وكشف آليات التجنيد والدعاية والتمويل.
ويخصص الكتاب جانبًا مهمًا لتقييم أداء الاتصال السياسي للاتحاد الإفريقي، متوقفًا عند عدد من الثغرات البنيوية والمؤسسية التي أثرت في فاعلية الرسالة الإعلامية الإفريقية، وفي قدرتها على الوصول إلى الجمهور والتعامل السريع والمهني مع الأزمات. كما يقدم تصورًا لتطوير منظومة الاتصال السياسي داخل الاتحاد الإفريقي، يقوم على توحيد الرسائل، وتعزيز المهنية، وتطوير أدوات الاتصال الرقمي، وبناء شراكات إعلامية أوسع، وإطلاق حملات توعوية تستهدف الشباب والفئات الأكثر عرضة لخطر التجنيد والتطرف.
ويخلص الكتاب إلى أن مكافحة الإرهاب في إفريقيا تحتاج إلى الانتقال من التعامل مع نتائجه إلى معالجة جذوره ومصادر تمويله وبيئاته الحاضنة، وأن الإعلام يجب أن يحتل موقعًا أكثر تقدمًا في هذه الاستراتيجية. فالمواجهة الإعلامية ليست مجرد عملية لنقل الأخبار أو الرد على الدعاية الإرهابية، وإنما هي معركة على الوعي والرواية والثقة العامة.
ومن ثم، يطرح الكتاب مجموعة من التوصيات، في مقدمتها تحديث البنية الإعلامية الإفريقية، وتطوير قدرات الصحفيين والعاملين في مجال الاتصال، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ومواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، ودعم التعاون الإعلامي بين الدول والمؤسسات الإفريقية، وتطوير خطاب قاري مشترك يقوم على المهنية والشفافية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والأمنية والسياسية.
وتكمن أهمية «الإعلام والإرهاب في إفريقيا.. مشاهد من سنوات الاستنزاف» في أنه لا يتعامل مع الإرهاب باعتباره ملفًا أمنيًا منفصلًا، وإنما يضعه داخل شبكة أوسع من العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية. كما يلفت الانتباه إلى أن معركة مواجهة الإرهاب لا تدور فقط في ساحات القتال، وإنما تدور كذلك في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتشكل الروايات وتتحدد اتجاهات الرأي العام وتخوض الجماعات المتطرفة معركتها من أجل التأثير والاستقطاب.
وبذلك يقدم الكتاب إطارًا بحثيًا يمكن أن يفيد الباحثين وصناع السياسات والمؤسسات الإعلامية والمهتمين بالشأن الإفريقي، ويفتح النقاش حول ضرورة تطوير مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب، يكون فيها الإعلام شريكًا أساسيًا في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مقاومة التطرف والعنف، وتعزيز الاستقرار والتنمية في القارة الإفريقية.