شهدت الحرب الروسية–الأوكرانية خلال سبتمبر 2026 موجة تصعيد جديدة، بدت ملامحها الأساسية في اتساع نطاق الضربات الجوية، وزيادة الاعتماد على الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، وانتقال الاستهداف بصورة أكبر إلى العمق الجغرافي لكل من روسيا وأوكرانيا، وبينما لم تشهد خطوط الجبهة البرية تحولاً واسعاً يوازي حجم التصعيد الجوي، عملت موسكو وكييف بصورة متزايدة على استهداف البنية التحتية والطاقة والمنشآت العسكرية واللوجستية للطرف الآخر، بما جعل الحرب خلال الشهر أكثر ارتباطاً بمنظومة الاستنزاف الاقتصادي والعسكري.
هجمات روسية
خلال سبتمبر، نفذت روسيا واحدة من أكبر موجات الهجمات الجوية على أوكرانيا، إذ أعلنت القوات الجوية الأوكرانية إطلاق نحو 170 طائرة مسيّرة هجومية، بينها 76 مسيّرة نفاثة، إضافة إلى مسيّرات خداعية، وقالت كييف إن دفاعاتها الجوية تمكنت من إسقاط أو تحييد 147 منها، بينما سجلت إصابات في 18 موقعاً وسقوط حطام في ثمانية مواقع، وتوزعت الهجمات على عدد كبير من المناطق، بينها أوديسا وميكولايف وخيرسون وخاركيف وسومي وبولتافا وجيتومير وزابوريجيا وكييف، بما عكس اتساع نطاق العمليات الجوية الروسية بعيداً عن خطوط القتال المباشرة.
مسيّرات نفاثة
وأظهرت تطورات سبتمبر أن المسيّرات النفاثة أصبحت عنصراً متزايد الأهمية في الاستراتيجية الروسية، إذ منحت موسكو قدرة على تنفيذ هجمات بأعداد كبيرة وعلى مسافات بعيدة، مع محاولة الضغط على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، ووفق تقييمات ميدانية، قالت كييف إن روسيا أطلقت خلال سبتمبر أكثر من 2700 مسيّرة من هذا النوع، وإن معدل اعتراض المسيّرات النفاثة بلغ نحو 55% وفق الأرقام الأوكرانية، كما تحدثت كييف عن تطوير مسيّرات اعتراضية يمكن استخدامها بصورة أكبر لمواجهة هذا النوع من الهجمات.
أهمية أوديسا
وجاءت أوديسا في مقدمة المناطق التي تعرضت للتصعيد خلال الشهر، فقد شهدت منطقة أوديسا هجوماً واسعاً طال مناطق سكنية ومنشآت صحية وفندقاً ومتجراً ومنشأة لتخزين الحبوب، وفق السلطات الأوكرانية، مع سقوط قتلى وجرحى، ولا تقتصر أهمية أوديسا على كونها مدينة كبيرة على البحر الأسود، فهي أيضاً جزء رئيسي من البنية اللوجستية والتجارية الأوكرانية، وتضم شبكة من الموانئ والمنشآت المرتبطة بتصدير الحبوب والتجارة البحرية، لذلك فإن تكرار استهدافها وضع البنية البحرية واللوجستية لأوكرانيا ضمن العناصر المهمة في خريطة العمليات الروسية.
اتساع الضربات
واكتسب التصعيد في أوديسا أهمية إضافية بسبب اتساع العمليات الروسية إلى مناطق أخرى في جنوب وشرق أوكرانيا، ففي زابوريجيا، تحدثت السلطات المحلية عن مئات الهجمات خلال يوم واحد، بينما تعرضت دنيبرو وخاركيف وسومي لهجمات متكررة، وفي سومي تحديداً، أدى هجوم بقنبلة انزلاقية على منطقة سكنية إلى سقوط قتلى وجرحى، في وقت استمرت فيه العمليات العسكرية الروسية بالقرب من الحدود في شمال شرق أوكرانيا، وهذا عكس اختلافاً في طبيعة الأهداف بين المناطق، فسومي ارتبطت بدرجة أكبر بالضغط على الجبهة الشمالية والمناطق الحدودية، بينما مثلت أوديسا عقدة بحرية ولوجستية ذات أهمية استراتيجية.
ضغط العاصمة
أما كييف، فقد أصبحت خلال سبتمبر هدفاً متكرراً للهجمات الروسية، وشهدت العاصمة سلسلة ضربات متتالية منذ 24 سبتمبر، شملت مباني سكنية ومنشآت إدارية ومستودعات ومرافق للبنية التحتية، كما قالت السلطات الأوكرانية إن مركز بيانات تعرض لضربتين خلال هجوم 27 سبتمبر، وجاءت هذه الهجمات ضمن نمط روسي أوسع هدف إلى إبقاء الضغط على العاصمة ومراكز القرار والبنية التحتية الحيوية، بالتوازي مع الضربات في المناطق القريبة من خطوط القتال.
ضربات أوكرانية
وفي المقابل، شهد سبتمبر تصاعداً واضحاً في الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، فلم تعد العمليات الأوكرانية بعيدة المدى تتركز فقط على المناطق الحدودية مثل بيلغورود وكورسك وبريانسك، وإنما أصبحت تشمل بصورة متزايدة منشآت الطاقة والتكرير والصناعات العسكرية في مناطق أبعد داخل روسيا، ومن أبرز التطورات استهداف مصفاة موسكو النفطية في 20 سبتمبر، حيث أدت الضربة، بحسب مصادر في قطاع النفط نقلت عنها رويترز، إلى اندلاع حرائق في وحدات التقطير الرئيسية وتوقف معالجة النفط الخام في المصفاة.
استهداف الطاقة
وتزامنت هذه الضربة مع عمليات أوكرانية أخرى ضد منشآت نفطية روسية، بما في ذلك منشآت في سامارا وباشكورتوستان ومناطق أخرى، وكانت كييف قد بدأت بصورة أكثر انتظاماً في استهداف قطاع الطاقة الروسي رداً على الهجمات الروسية المتكررة على شبكة الطاقة الأوكرانية، وبذلك أصبحت منشآت تكرير النفط والطاقة جزءاً مركزياً من الحرب بعيدة المدى، لأن ضربها لا يرتبط فقط بالقدرة العسكرية المباشرة، وإنما يمكن أن يؤثر أيضاً في إنتاج الوقود والنقل والإمدادات والاقتصاد المحلي.
حرب الاستنزاف
وأظهرت تطورات سبتمبر واحدة من أهم سمات التصعيد الحالي، وهي تحول متبادل من استهداف القوة العسكرية المباشرة إلى استهداف القدرة على استمرار الحرب، روسيا تضرب مصانع ومنشآت إنتاج المسيّرات ومراكز لوجستية ومنشآت الطاقة والنقل في أوكرانيا، بينما تستهدف أوكرانيا المصافي والمنشآت النفطية ومخازن الذخيرة ومراكز الإمداد وبعض المنشآت الصناعية والعسكرية الروسية، وفي 22 سبتمبر مثلاً، تحدثت كييف عن ضرب مصفاتين روسيتين إضافيتين، بينما قالت موسكو إنها استهدفت منشآت مرتبطة بالصناعات المعدنية والكيميائية والطاقة والصناعة العسكرية الأوكرانية، إلى جانب بنية موانئ.
الجبهة البرية
وعلى مستوى الجبهة البرية، ظلت الصورة مختلفة عن مستوى التصعيد الجوي، فالتقييمات الميدانية الأخيرة أشارت إلى استمرار العمليات الروسية في مناطق مثل سومي وخاركيف، مع تقدمات محدودة في بعض المحاور، بينما حققت القوات الأوكرانية تقدماً في مناطق أخرى، من بينها محاور تشاسيف يار وأوليكساندريفكا وفق تقييمات ميدانية، وهذا يعني أن التغير الأبرز في سبتمبر لم يتمثل في انقلاب واسع في خطوط الجبهة، وإنما في زيادة الضغط المتبادل خارجها واتساع نطاق العمليات إلى العمق.
كثافة الهجمات
وأشارت الأرقام المعلنة من الجانب الأوكراني إلى حجم هذا التصعيد، فقد قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن روسيا أطلقت خلال أسبوع واحد أكثر من 2200 مسيّرة هجومية ونحو 1650 قنبلة جوية و38 صاروخاً، معظمها باليستي، على أهداف أوكرانية، وبينما يجب التعامل مع الأرقام الصادرة عن أطراف الحرب باعتبارها بيانات طرف في النزاع وليست حصيلة مستقلة، فإن تتابع الهجمات وتعدد المناطق المستهدفة عكسا كثافة مرتفعة في العمليات الجوية خلال سبتمبر.
عمق روسي
وفي المقابل، واصلت أوكرانيا توسيع قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل روسيا، وهذا التطور غيّر تدريجياً الخريطة الجغرافية للحرب، فموسكو أصبحت ضمن نطاق العمليات الأوكرانية، إلى جانب مناطق صناعية ونفطية في العمق الروسي، بينما أصبحت مدن مثل كييف وأوديسا وسومي ودنيبرو وخاركيف ضمن نطاق متكرر للضربات الروسية، وبذلك لم تعد المسافة الجغرافية عن خط الجبهة توفر بالضرورة الحماية نفسها التي كانت توفرها في مراحل سابقة من الحرب.
مسار دبلوماسي
وفي ظل هذا التصعيد، ظهر بالتوازي مسار دبلوماسي محدود على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمثل في لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الألماني يوهان فاديفول، في أول محادثات بين وزيري خارجية البلدين منذ بدء الحرب، وركز الجانب الألماني على ضرورة العمل من أجل التوصل إلى ترتيبات بشأن صادرات الحبوب والطاقة، بما عكس محاولة لإبقاء بعض الملفات المدنية والاقتصادية خارج نطاق المواجهة العسكرية المباشرة.
فصل المسارات
وفي هذا الصدد، أثار لقاء وزيري خارجية روسيا وألمانيا تساؤلات من قبيل هل ينجح الفصل بين المدني والعسكري، فقد يعكس هذا التحرك محاولة للفصل بين المسار العسكري والمسار المدني–الإنساني، خصوصاً فيما يتعلق بصادرات الحبوب والموانئ والسفن التجارية والطاقة، والفكرة هنا لا ترتبط بالضرورة بوقف شامل لإطلاق النار أو بتسوية سياسية للحرب، وإنما بإمكانية التوصل إلى ترتيبات محدودة تحمي بعض الأنشطة المدنية والاقتصادية من الاستهداف، بما يتيح استمرار حركة التجارة والإمدادات الغذائية والطاقة.
عوائق التفاهم
لكن غياب الثقة المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا ظل عائقاً أمام هذا النوع من الترتيبات، إلى جانب مخاوف استخدام أي هدنة قطاعية لإعادة التموضع العسكري أو إعادة بناء القدرات، كما أن استمرار العمليات ضد الموانئ والمنشآت اللوجستية جعل الفصل بين الأهداف المدنية والعسكرية أكثر تعقيداً، ولذلك فإن أي اتفاق محدود سيحتاج إلى آليات واضحة للتحقق والرقابة، حتى لا يتحول المسار الإنساني إلى مسار منفصل عن الواقع العسكري القائم.
ضغط أمريكي
وفي المسار الاقتصادي، أضافت الولايات المتحدة مستوى جديداً من الضغط على موسكو من خلال قانون ليندسي جراهام للعقوبات على روسيا، فقد أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع القانون بعد إقراره في مجلس الشيوخ، ثم وقعه الرئيس دونالد ترامب في 18 سبتمبر، ليصبح قانوناً يتيح فرض إجراءات إضافية على قطاعات الطاقة الروسية، كما يسمح بفرض تعريفات جمركية مرتفعة، تصل إلى 100%، على الدول التي تستورد الطاقة الروسية.
عقوبات جديدة
وفي الوقت نفسه فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة ضد روسيا، ويعكس القانون توسعاً في نطاق الضغط الأمريكي، إذ لا يقتصر على استهداف قطاعات ومؤسسات روسية، وإنما يوسع دائرة العقوبات لتشمل الدول التي تواصل شراء الطاقة الروسية، وفي مقدمتها الصين والهند، ويستهدف هذا المسار رفع تكلفة استمرار التجارة في النفط والغاز الروسيين، بما قد يضغط على الإيرادات التي تعتمد عليها موسكو، وفي الوقت نفسه يختبر قدرة روسيا على إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق ومسارات بديلة.
تداعيات العقوبات
لكن تأثير العقوبات سيعتمد بصورة كبيرة على كيفية استخدام الإدارة الأمريكية لهذه الصلاحيات، خصوصاً في ما يتعلق بالصين والهند، نظراً إلى حجم علاقاتهما التجارية مع روسيا وأهمية الطاقة الروسية بالنسبة إليهما، كما أن توسيع نطاق العقوبات ليشمل كبار المشترين يمكن أن يخلق تداعيات تتجاوز الحرب الروسية–الأوكرانية إلى العلاقات التجارية والطاقة بين الولايات المتحدة وهذه الدول، ومن ثم، فإن القانون يضيف أداة اقتصادية جديدة إلى الضغط على موسكو، بينما تظل كيفية تطبيقه ومدى استخدامه في التفاوض عاملاً مهماً في تحديد أثره الفعلي.
خريطة جديدة
وفي المحصلة، أظهر سبتمبر 2026 أن الحرب الروسية–الأوكرانية دخلت مرحلة أكثر اعتماداً على حرب المسافات الطويلة والاستنزاف المتبادل، بالتوازي مع محاولات محدودة لفتح قنوات دبلوماسية والضغط اقتصادياً على روسيا، أوديسا مثلت أحد أهم محاور الضغط الروسي بسبب موقعها البحري واللوجستي، بينما مثلت كييف مركزاً سياسياً وبنيوياً مهماً، وظلت سومي وخاركيف مرتبطتين بصورة أكبر بالتطورات على الجبهة الشمالية، وفي الجانب الروسي، اتسعت خريطة الاستهداف لتشمل موسكو ومصافي النفط والمنشآت الصناعية والعسكرية في مناطق بعيدة عن الحدود، وبينما استمرت العمليات البرية دون تغيرات واسعة في الخريطة العسكرية، أعادت الضربات الجوية المتبادلة رسم مساحة الحرب نفسها، لتصبح الطاقة والموانئ واللوجستيات والإنتاج العسكري والدفاع الجوي عناصر أساسية في المرحلة الحالية من الصراع.