En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

من الصراع إلى إدارة المصالح:التنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدولي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة في 23 سبتمبر 2026 في زيارة دولة تستمر حتى 25 سبتمبر، بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أول زيارة دولة لشي إلى الولايات المتحدة منذ سبتمبر 2015، أي بعد أكثر من 11 عامًا، والثانية له إلى واشنطن خلال رئاسته الحالية بعد لقاءاته السابقة مع ترامب في 2017، ومع جو بايدن في 2023 على هامش قمة «أبيك». كما تمثل الزيارة ثاني لقاء مباشر بين شي وترامب خلال ستة أشهر بعد زيارة ترامب إلى الصين في مايو 2026، وهو ما يمنحها وزنًا سياسيًا واقتصاديًا يتجاوز مجرد كونها زيارة بروتوكولية.

وتأتي الزيارة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للاقتصاد والسياسة الدوليين؛ إذ تواجه واشنطن وبكين ملفات التجارة والرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، والرقائق والذكاء الاصطناعي، والاستثمار، إلى جانب تايوان وملفات الأمن الدولي. كما أن التفاهمات التجارية القائمة بين البلدين تواجه اختبارًا جديدًا مع اقتراب موعد انتهاء بعض ترتيبات الهدنة التجارية في 10 نوفمبر 2026. لذلك فإن زيارة شي لا تبدو مجرد محاولة لتحسين العلاقات الثنائية، بل محاولة لإعادة ضبط علاقة بين قوتين أصبحتا في الوقت نفسه شريكتين اقتصاديتين ومنافستين استراتيجيتين.

واللافت أن الزيارة تأتي بعد زيارة ترامب للصين في مايو، بما يجعل تبادل الزيارات بين الرئيسين خلال فترة قصيرة مؤشرًا على عودة الدبلوماسية المباشرة إلى قلب العلاقة الأمريكية الصينية. وقد وصفت بكين تبادل الزيارتين خلال ستة أشهر بأنه يحمل أهمية تاريخية، بينما تشير المعطيات إلى أن الهدف الأساسي هو تعزيز الحوار، وإدارة الخلافات، والحفاظ على قدر من الاستقرار في علاقة تمثل واحدة من أهم العلاقات الثنائية في النظام الدولي.

ومن هنا تكتسب عبارة شي جين بينغ بأن «الولايات المتحدة والصين ينبغي أن تكونا شريكتين لا متنافستين» أهميتها؛ فهي تأتي في بداية أو قلب زيارة دولة ليست عادية، وإنما في لحظة تبحث فيها القوتان عن صيغة جديدة للعلاقة: لا تنهي التنافس، لكنها تمنع تحوله إلى صراع مفتوح يهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.

شراكة مشروطة

حين يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ إن الولايات المتحدة والصين ينبغي أن تكونا شريكتين لا متنافستين، فإن العبارة لا ينبغي قراءتها باعتبارها إعلانا عن نهاية التنافس بين القوتين، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة صياغة قواعد هذا التنافس، والمفارقة أن الولايات المتحدة والصين أصبحتا في الوقت نفسه أكبر منافسين وأكبر شركاء اقتصاديين محتملين؛ فالتجارة الأمريكية الصينية في السلع والخدمات بلغت نحو 494.6 مليار دولار عام 2025، رغم انخفاضها بنسبة 25.1% عن 2024، بينما بلغ العجز التجاري الأمريكي في السلع مع الصين نحو 202.7 مليار دولار. وهذه الأرقام تكشف أن التوتر السياسي لم يلغِ الاعتماد الاقتصادي، بل دفع الطرفين إلى محاولة إعادة تنظيمه.

اعتماد متبادل

وهنا تكمن جوهر المعادلة: واشنطن تستطيع فرض قيود على التكنولوجيا والرسوم الجمركية، وبكين تستطيع استخدام وزنها الصناعي وسلاسل إمدادها ومعادنها الاستراتيجية، لكن كل أداة ضغط تحمل تكلفة على الطرف الذي يستخدمها أيضًا. ففي 2025 انخفضت التجارة الثنائية بنحو 170 مليار دولار وفق تقديرات الأونكتاد، لكن جزءًا من التجارة لم يختفِ؛ بل أعيد توجيهه عبر دول أخرى، من بينها مصر وفيتنام وتايلاند وكمبوديا، وهو ما يكشف أن الاقتصاد العالمي لا ينفصل بسهولة، وإنما يعيد توزيع مساراته.

وهذا التحول مهم للغاية؛ لأن واشنطن وبكين لا تتفاوضان فقط على حجم الواردات والصادرات، وإنما على شكل الاقتصاد العالمي نفسه. الولايات المتحدة تريد تقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على الصين، بينما تريد بكين الحفاظ على وصولها إلى الأسواق والتكنولوجيا والاستثمار، ولذلك أصبحت عبارة «إزالة المخاطر» بالنسبة لواشنطن، و«رفض الاحتواء» بالنسبة لبكين، عنوانين لصراع اقتصادي أوسع على قواعد النظام الدولي.

حرب الرسوم

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الرسوم الجمركية لم تعد مجرد أداة لحماية الصناعة المحلية؛ فقد تحولت إلى وسيلة تفاوض وضغط جيو-اقتصادي، ولهذا تتركز الأنظار في القمة على إمكانية تمديد الهدنة التجارية التي ينتهي أحد ترتيباتها في 10 نوفمبر 2026، بينما تبحث واشنطن أيضًا قضايا المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والتجارة والاستثمارات.

لكن السؤال الأعمق هو: هل تستطيع القوتان بناء تجارة جديدة تقوم على المنافسة المنظمة بدل الحرب التجارية؟ فالولايات المتحدة تريد معالجة العجز والوصول إلى السوق الصينية، وتريد في الوقت ذاته حماية صناعاتها الاستراتيجية؛ بينما تسعى الصين إلى ضمان استقرار بيئة التصدير وعدم استخدام التجارة والتكنولوجيا كسلاح لاحتواء نموها، ولذلك فإن أي اتفاق محتمل لن يكون عودة إلى الوضع السابق، وإنما محاولة لبناء توازن تجاري جديد.

المعادن الحرجة

أكثر أوراق القوة الاقتصادية وضوحًا في يد الصين هي المعادن الأرضية النادرة. وهنا تنتقل المنافسة من الاقتصاد إلى الأمن القومي مباشرة. ففي عام 2024 استحوذت الصين على نحو 60% من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات، و91% من عمليات تكريرها، و94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة الملبدة، وفق وكالة الطاقة الدولية.

هذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت المعادن النادرة جزءًا أساسيًا من المفاوضات الأمريكية الصينية، فالولايات المتحدة تستطيع تطوير مناجم جديدة، لكن بناء منظومة متكاملة من الاستخراج والتكرير والتصنيع يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة. والأخطر أن وكالة الطاقة الدولية تقدر أن التنفيذ الكامل لقيود تصدير المعادن النادرة يمكن أن يعرّض إنتاجًا downstream خارج الصين بقيمة تصل إلى 6.5 تريليون دولار سنويًا للخطر، مع تعرض الولايات المتحدة وأوروبا لخسائر مباشرة محتملة تتجاوز 1.5 تريليون دولار لكل منهما.

اقتصاد التكنولوجيا

لكن المعادن ليست سوى جزء من المعركة، المعركة الأكبر تدور حول التكنولوجيا؛ فمن يملك الرقائق المتقدمة والحوسبة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية يمتلك جزءًا كبيرًا من القوة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين.

ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى الرقائق والذكاء الاصطناعي باعتبارهما منتجات تجارية عادية، كما لا تنظر بكين إلى القيود التكنولوجية الأمريكية باعتبارها خلافًا تجاريًا محدودًا. إنهما جزء من صراع أوسع على القدرة الإنتاجية والمعرفية المستقبلية. ولذلك يتضمن الحوار الحالي قضايا سلامة الذكاء الاصطناعي والنماذج مفتوحة الأوزان وآليات لمنع سوء الاستخدام، بالتوازي مع استمرار المنافسة على التفوق التكنولوجي.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: الولايات المتحدة والصين تتنافسان على امتلاك الذكاء الاصطناعي، لكنهما تحتاجان أيضًا إلى التعاون في إدارة مخاطره. وهذا يعني أن مفهوم الشراكة الذي يتحدث عنه شي قد يجد مساحة واقعية في الملفات التي لا يستطيع أي طرف إدارتها منفردًا.

الخط الأحمر

لكن الاقتصاد مهما كان مهمًا لا يستطيع وحده تفسير العلاقة، تايوان تظل الاختبار الأصعب لأي صيغة جديدة بين واشنطن وبكين. فالصين تنظر إلى الجزيرة باعتبارها قضية سيادة ووحدة إقليمية، بينما ترتبط الولايات المتحدة بتايوان بعلاقات اقتصادية وأمنية واسعة، وتدعم قدراتها الدفاعية رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين واشنطن وتايبيه.

ولهذا فإن أي انفراج اقتصادي لا يعني تلقائيًا انفراجًا سياسيًا. بل يمكن أن تستمر القوتان في توقيع اتفاقات تجارية واستثمارية، بينما تبقيان على خلافات عميقة حول الأمن في شرق آسيا. وهذا هو السبب في أن القمة الحالية تُقرأ باعتبارها محاولة لـإدارة الاختلافات لا إلغاء الاختلافات.

مشكلة الثقة

المعضلة الأساسية إذن ليست نقص المصالح المشتركة، وإنما نقص الثقة الاستراتيجية. فكل خطوة أمريكية لخفض الاعتماد على الصين يمكن أن تراها بكين محاولة للاحتواء، وكل خطوة صينية لتوسيع نفوذها الصناعي والتكنولوجي يمكن أن تراها واشنطن تهديدًا لموقعها الاقتصادي والأمني.

وهذا يخلق معضلة كلاسيكية في العلاقات الدولية: كل طرف يعلن أن إجراءاته دفاعية، بينما يفسرها الطرف الآخر باعتبارها هجومية. ومن هنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في وجود المنافسة نفسها، وإنما في سوء تفسير نوايا الطرف الآخر.

ميزان القوة

اقتصاديًا، لا تزال الولايات المتحدة والصين تمثلان مركزين أساسيين للاقتصاد العالمي. وتُظهر بيانات الأونكتاد أن التجارة الخارجية تعادل نحو 39% من الناتج المحلي للصين مقابل 25% للولايات المتحدة في 2025، بما يعكس اختلاف بنية الاقتصادين ودرجة انفتاحهما التجاري. كما بلغت صادرات الصين من الخدمات نحو 508 مليارات دولار في 2025، بينما تجاوزت صادرات الخدمات الأمريكية 1.2 تريليون دولار.

وهذا يعني أن نقاط القوة ليست متماثلة: الصين تمتلك قاعدة صناعية وسلاسل توريد واسعة، بينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا كبيرًا في الخدمات والتمويل والتكنولوجيا المتقدمة والنظام المالي العالمي. ولذلك لا يستطيع أي طرف بسهولة إلغاء الطرف الآخر من المعادلة الاقتصادية.

نهاية الانفصال

والأرقام التجارية توضح أن فكرة الانفصال الكامل تبدو أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه سياسيًا. ففي 2025 بلغت الواردات الأمريكية من الصين نحو 308.7 مليار دولار مقابل صادرات أمريكية إلى الصين بقيمة 106 مليارات دولار، وفق بيانات الممثل التجاري الأمريكي. وحتى بعد انخفاض التجارة الثنائية بقوة، بقيت العلاقة التجارية بمئات المليارات من الدولارات.

لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس عودة كاملة إلى نموذج العولمة السابق، ولا انفصالًا كاملًا، وإنما اقتصاد عالمي أكثر تجزؤًا مع استمرار الروابط بين الكتل. والدليل أن دولًا مثل مصر أصبحت من «الاقتصادات الوسيطة» التي استفادت من إعادة توجيه بعض التدفقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

اقتصاد عالمي

وهنا تتجاوز القمة حدود العلاقة الثنائية. فإذا اتفقت واشنطن وبكين على قواعد مستقرة للتجارة والمعادن والتكنولوجيا، فإن ذلك يمكن أن يخفف مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد والأسواق العالمية. أما إذا عاد التصعيد، فسوف تتسارع عملية إعادة توزيع التجارة والاستثمار نحو دول ثالثة، وستزداد الضغوط على الاقتصادات النامية التي تعتمد على الأسواق العالمية.

ولهذا فإن الدول النامية لا تراقب القمة من موقع المتفرج؛ فهي أمام إعادة تشكيل محتملة لخريطة التجارة والاستثمار. وقد يكون أمامها في الوقت نفسه فرص جديدة لجذب المصانع والاستثمارات التي تبحث عن مواقع بديلة، ومخاطر جديدة إذا تحولت المنافسة الأمريكية الصينية إلى انقسام دائم في الاقتصاد العالمي.

اختبار القيادة

من هذه الزاوية، فإن لقاء شي وترامب لا يختبر فقط مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية، بل يختبر قدرة النظام الدولي على الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى التنافس المنضبط.

فإذا استطاع الطرفان تمديد التفاهمات التجارية، وتحقيق قدر من الاستقرار في إمدادات المعادن، وفتح قناة حوار حول الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على قنوات اتصال في الملفات الأمنية، فإن ذلك لن ينهي المنافسة، لكنه سيضع لها حدودًا أكثر وضوحًا. أما إذا فشلت المفاوضات وعادت الرسوم والقيود المتبادلة إلى التصاعد، فقد تدخل العلاقات مرحلة جديدة من إعادة بناء سلاسل الإمداد بعيدًا عن الطرف الآخر.

الخلاصة الاستراتيجية

تصريح شي جين بينغ بأن الولايات المتحدة والصين ينبغي أن تكونا شريكتين لا متنافستين يحمل في جوهره رسالة سياسية واقتصادية دقيقة: العالم لا يحتاج إلى إنهاء المنافسة الأمريكية الصينية، وإنما يحتاج إلى منعها من التحول إلى مواجهة شاملة.

فالولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل القوة الصناعية والتكنولوجية الصينية، والصين لا تستطيع تجاهل حجم السوق الأمريكية والنظام المالي والتكنولوجي الذي تقوده واشنطن. وفي المقابل، لا تستطيع أي منهما تجاهل تايوان أو الأمن الآسيوي أو التحول التكنولوجي أو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد.

د.محمد الطماوي

د.محمد الطماوي

كاتب وباحث - برنامج دكتوراة الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، حاصل على الماجستير في الاقتصاد من الجامعة ذاتها، ودبلوم الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودبلوم الأمن القومي من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا - مدرب معتمد من المجلس الأعلي للجامعات - مدرب معتمد محترف دوليا من جامعة ميزوري الأمريكية وجامعة القاهرة

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.