في المقالات الثلاثة السابقة، تحدثنا عن أهم التحديات التي تواجه شباب الباحثين، ثم انتقلنا إلى أسباب الفجوة القائمة بين البحث العلمي المصري واحتياجات المجتمع ومشكلاته الحقيقية، وحددنا ثمانية أسباب تُعد من أهم العوامل التي ساهمت في اتساع هذه الفجوة خلال السنوات الماضية. وفي هذا المقال، نقدم بعض المقترحات والحلول التي يمكن أن تسهم في تقليل هذه الفجوة، حتى يستطيع البحث العلمي المصري أن يقوم بدوره المأمول في خدمة المجتمع وتقدمه وتحقيق أهداف التنمية، والمساهمة في معالجة المشكلات القومية الملحة.
أولًا يجب إعادة بناء منظومة الأولويات البحثية من خلال وضع خطة قومية للأولويات البحثية، يشارك في إعدادها جميع الأطراف المجتمعية صاحبة المصلحة من وزارات وهيئات حكومية وقطاع خاص؛ فالتعامل مع هذه الفجوة يتطلب بناء منظومة جديدة لاختيار الموضوعات البحثية وتقييم نتائجها. والمقصود بالمشاركة هنا هي تحديد كل جهة للأولويات الخاصة بها والمشكلات الملحة التي تواجهها والتي يمكن أن تسهم الدراسات البحثية في معالجتها.
وفي إطار هذه الخطة القومية للأولويات البحثية، يجب أن تقوم الجامعات بدور مهم في تنفيذها، من خلال ربط تسجيل الرسائل العلمية بالخطط البحثية للأقسام والكليات والجامعات. ولا يعني ذلك بأي حال فرض موضوعات محددة على الباحثين، وإنما توجيه الباحثين نحو الموضوعات البحثية ذات الأولوية، مع ترك تحديد الموضوع الدقيق، والمنهج، والأسئلة البحثية للطالب والمشرف. ولضمان تنفيذ أهداف الخطة، يجب إنشاء لجان دائمة لمتابعة تنفيذ الأولويات البحثية، تكون منبثقة عن مجالس الدراسات العليا والبحوث بالجامعات، وتضم ممثلين عن الكليات والتخصصات المختلفة، إلى جانب ممثلين عن الأطراف المجتمعية مثل الجهات الحكومية والصناعة. وتتولى هذه اللجان متابعة التنفيذ من خلال مؤشرات رقمية واضحة، وتقديم تقارير دورية إلى مجالس الدراسات العليا والبحوث، بما يتيح معالجة المشكلات التي تحتاج إلى تدخل وتصحيح المسار في الوقت المناسب.
وفي رأيي أن الأهم من وضع الخطة هو متابعة تنفيذها، فأكبر المشاكل التي واجهتنا خلال العقود الماضية لم يكن عدم وجود خطط فعالة، بل المشكلة الحقيقية كانت في متابعة تنفيذ هذه الخطط، والتأكد من تحقق أهدافها بمؤشرات كمية واضحة.
ثانيًا يجب إنشاء منصات إلكترونية في الجامعات، كما أشرنا في مقال سابق، تكون متاحة للباحثين والأطراف المجتمعية صاحبة المصلحة، وتتضمن قائمة بالمشكلات التي تحتاج إلى حلول، واسم الجهة التي طرحت المشكلة، والبيانات المتاحة عنها، والتخصصات المطلوبة لمعالجتها، وفرص التمويل المتاحة. أيضًا تعرض الجامعة من خلال هذه المنصات قائمة بالبحوث والرسائل العلمية التي نفذها منتسبو الجامعة، والمرتبطة بحلول للمشكلات المجتمعية، كما تعرض إمكانات الباحثين لديها، بما يسهم في تحقيق تواصل مباشر بين الباحثين والجهات التي تحتاج إلى حلول علمية لمشكلاتها.
هذه المنصات يمكن أن تكون أهم أداة في سد الفجوة بين الصناعة والبحث العلمي، فيمكن من خلالها أن يكون هناك أتصال مباشر بين أصحاب المصلحة والباحثين الذين يمتلكون أفكارًا قابلة للتطبيق العملي، تستطيع أن تحسن القدرات الإنتاجية في الصناعات المختلفة، وتقدم حلولًا لمشكلات المجتمع الحقيقية.
ثالثًا من المهم تبني برامج تمويل للبحث العلمي مرتبطة بالأولويات الوطنية، يشارك فيها القطاع الخاص والصناعة، بدلًا من توزيع التمويل بصورة لا ترتبط دائمًا بالأولويات والاحتياجات المجتمعية. ويمكن تخصيص جزء من التمويل البحثي لمسابقات تستهدف حل مشكلات محددة في المجالات ذات الأولوية مثل المياه والطاقة على سبيل المثال. ويجب أن يؤمن القطاع الخاص أن أفضل استثمار طويل الأجل هو الاستثمار في البحث العلمي، فقد اثبتت معظم الدراسات أن العائد على الاستثمار في هذا القطاع هو أعلى عائد، ليس فقط على القطاع الخاص نفسه بل على المجتمع ككل.
رابعًا يجب تطوير منظومة تقييم الأعمال البحثية في الجامعات والمراكز البحثية والمجالس العليا، من خلال إدخال مفهوم «الأثر البحثي» ضمن معايير التقييم. فإلى جانب جودة العمل البحثي وأصالته ونشره في مجلات دولية مصنفة، يجب أيضًا أن يتضمن التقييم أسئلة تتعلق بما أضافه العمل البحثي إلى أولويات المجتمع، ومدى قابلية نتائجه للتطبيق، وما إذا كانت هذه النتائج قد استُخدمت من قبل جهة مستفيدة. وقد بدأ المجلس الأعلى للجامعات بالفعل التحرك في هذا الاتجاه خلال الفترة الماضية حيث تمت الموافقة على أن يكون هناك مسار اختياري للترقية يعتمد على ما قدمه المتقدم للترقية من براءات اختراع وتطويره لمنظومات الإنتاج ومساهمته في حل المشكلات القومية، بجانب مخرجات البحث العلمي للمتقدم ونشاطه داخل القسم والكلية والجامعة بالطبع.
خامسًا يجب أن تقوم الجامعات والمراكز البحثية بتخصيص جوائز لأفضل الرسائل والبحوث ذات الأثر المجتمعي، بحيث تُمنح سنويًا لأفضل الأعمال ذات الأثر التطبيقي أو المجتمعي. وينبغي ألا يقتصر تقييم هذه الأعمال على الجانب الأكاديمي، وإنما يمتد أيضًا إلى مدى ارتباطها بمشكلة حقيقية، وقابلية نتائجها للتطبيق، ومدى استفادة المجتمع أو المؤسسات المختلفة منها. هذا الإجراء يتماشى تماما مع المسار الاختياري للترقية في المجلس الأعلى للجامعات المشار إليه في رابعًا، وبالتالي يشجع أعضاء هيئة التدريس في الجامعة على التقدم للترقية من خلال هذا المسار.
سادسًا من الضروري تعزيز دور حاضنات الأعمال ومكاتب نقل التكنولوجيا والابتكار في الجامعات؛ بحيث لا تتوقف الجامعة عند إنتاج المعرفة، بل تقوم أيضًا بنقل هذه المعرفة إلى المجتمع، وتحويل نتائج البحوث إلى منتجات وخدمات وسياسات وحلول قابلة للتطبيق. هذه الكيانات الجامعية كان لها دور كبير جدا في تنمية العديد من الدول، وساهمت في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بها، وشاركت بقوة في رفع معدل النمو الاقتصادي وتقليل معدلات البطالة، وفتح أسواق جديدة في المجتمع، ورفع تنافسية الصادرات.
سابعًا يجب تشجيع البحوث متعددة التخصصات؛ فكثير من مشكلات المجتمع لا يمكن حلها من خلال تخصص واحد، وإنما تتطلب تضافر جهود الباحثين من تخصصات متعددة. ومن ثم، ينبغي تشجيع شباب الباحثين على العمل في فرق بحثية تجمع بين تخصصات مختلفة، بدلًا من استمرار العمل في جزر منعزلة، وذلك من أجل تقديم حلول أكثر نجاعة للمشكلات المجتمعية المعقدة. فإذا نظرنا إلى مشكلة مجتمعية حقيقية سنجد أن حلها يتطلب تضافر العديد من الباحثين من خلفيات مختلفة وليس من تخصص واحد. على سبيل المثال في ملف صحة المواطن، بكل تأكيد نحتاج إلى باحثين ومتخصصين من القطاع الطبي، لكنهم وحدهم غير قادرين على حل المشكلات من جذورها، فنحتاج إلى متخصصين في التخطيط والتأمين الصحي والحوسبة والجغرافيا والاقتصاد والمحاسبة والإدارة وغيرهم من المتخصصين.
ثامنًا يجب الحرص على إشراك الأطراف المجتمعية المستفيدة منذ بداية المشروع البحثي، وليس بعد الانتهاء منه. فالأطراف المجتمعية لا ينبغي أن تكون مجرد جهات تتلقى نتائج البحث بعد الانتهاء من تنفيذه، وإنما يجب إشراكها منذ مرحلة تحديد المشكلة وصياغة الأسئلة البحثية، مرورًا بتصميم البحث وتنفيذ الحل المقترح، وحتى اختبار هذا الحل وتقييمه. عندما يشارك صاحب المصلحة منذ بداية المشروع يكون على دراية تامة بكافة أبعاده ويستطيع أن يساهم بقوة في تصحيح مسار المشروع إذا تعثر لأي سبب، وخصوصا للأسباب المادية. ونجاح التجربة سوف يشجع أصحاب المصلحة في تبني المزيد من المشروعات البحثية التي تحقق لهم المنفعة المادية والمساهمة بقوة في المشاركة المجتمعية.
في ختام هذه السلسلة من المقالات، التي تناولنا فيها موضوعًا بالغ الأهمية، وهو الفجوة بين ما ينتجه شباب الباحثين واحتياجات المجتمع، نؤكد أن سد هذه الفجوة ليس مسؤولية شباب الباحثين وحدهم، بل هي مسؤولية منظومة البحث العلمي بأكملها؛ فهي التي تحدد للباحث، بدرجة كبيرة، ما الذي يُطلب منه. ومن ثم، فإن تغيير هذه الثقافة يتطلب تغييرًا في المنظومة المؤسسية بأكملها. وبداية سد الفجوة يعتمد على تفعيل خطة أولويات قومية يشارك في تطويرها كل أصحاب المصلحة من نتائج البحث العلمي، على أن تكون هناك متابعة مستمرة ومؤشرات واضحة للتنفيذ.