تناولنا في المقال السابق اثنين من أهم التحديات التي تواجه شباب الباحثين في الجامعات المصرية، وكلاهما يرتبط بالتمويل، فالتحدي الأول كان محدودية الموارد المالية اللازمة لإجراء البحوث العلمية، أما التحدي الثاني فيتعلق بالارتفاع المستمر في تكاليف النشر العلمي الدولي في المجلات المفهرسة في قواعد البيانات العالمية مثل Scopus وWeb of Science، والذي أصبح يمثل عبئًا متزايدًا على الباحثين، خاصة في ظل ارتباط النشر الدولي بالحصول على درجة الدكتوراه، وتقييم أعضاء هيئة التدريس عند التقدم للترقيات الأكاديمية. وفي هذا المقال نتحدث عن تحديين لا يقلان أهمية عن مسألة التمويل، وهما الحاجة إلى تطوير مهارات الكتابة الأكاديمية لدى الكثير من الباحثين وكذلك ضعف الارتباط بين موضوعات الرسائل العلمية واحتياجات المجتمع الحقيقية والأولويات الوطنية.
إن الكتابة الأكاديمية لا تعني فقط طريقة عرض نتائج البحث، ولكنها تمثل مهارة علمية متكاملة تستطيع تحويل الفكرة البحثية إلى عمل علمي متماسك قادر على المنافسة الدولية، ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن نسبة كبيرة من الأبحاث المرفوضة من المجلات الدولية المفهرسة لا يكون سبب الرفض بالضرورة هو ضعف الفكرة البحثية أو محدودية النتائج، ولكن الرفض يكون غالبًا بسبب قصور واضح في الكتابة الأكاديمية وطريقة الصياغة والعرض. وتتعدد أشكال قصور الكتابة الأكاديمية ومنها الأخطاء اللغوية وضعف صياغة الأسلوب العلمي، غياب الترابط المنطقي بين أجزاء البحث المختلفة، عدم وضوح الأسئلة البحثية أو الفرضيات أو أهداف الدراسة، قصور في مراجعة الأدبيات، اختيار منهجية بحثية لا تتناسب مع طبيعة الأسئلة البحثية، عدم وضوح المساهمة العلمية التي يقدمها البحث.
ومع أوجه القصور السابقة هناك أيضا بعض الأسباب الأخلاقية والتي قد ترجع إلى ضعف التدريب على الكتابة العلمية، ومنها ارتفاع نسب الاقتباس عن الحد المسموح به، أو الوقوع في ممارسات الانتحال الأكاديمي والسرقة العلمية، أو الاستخدام غير المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بما يخالف أخلاقيات البحث العلمي. أما الأسباب الأخرى المتعلقة بضعف التدريب على الكتابة الأكاديمية فتتمثل في اختيار الباحث لموضوعات لا تتمتع بالأصالة أو لا تتوافق مع نطاق المجلة المستهدفة.
والأسباب السابقة دائمًا ما تؤدي إلى رفض البحث العلمي حتى لو كانت فكرة البحث جيدة ونتائجه مهمة، وغالبًا ما يتم الرفض للبحث قبل أن يصل إلى مرحلة التحكيم العلمي، فيما يعرف بـ الرفض المكتبي (Desk Rejection)، وهي الحالة التي يقرر فيها رئيس تحرير المجلة أو المحرر المسؤول عدم إرسال البحث إلى المحكمين لعدم استيفائه المتطلبات الأساسية للكتابة الأكاديمية أو لمعايير المجلة. وتشير العديد من التقارير إلى أن نسبة الرفض المكتبي في المجلات الدولية تتجاوز نصف عدد الأبحاث المقدمة في بعض التخصصات، وهو ما يعكس أهمية الالتزام بالكتابة الأكاديمية السليمة قبل إرسال البحوث للنشر.
من هنا جاء اهتمام الجامعات الرائدة حول العالم بالاستثمار في إعداد الباحثين من خلال توفير الدعم الفني لهم بتقديم دورات تدريبية متخصصة في الكتابة الأكاديمية المحترفة، ولم تقتصر جهود هذه الجامعات على توفير التمويل المادي أو المعامل البحثية المتقدمة، بل امتدت إلى إنشاء منظومات متكاملة لدعم الباحثين في جميع مراحل إعداد البحث العلمي من خلال تنمية مهارات الكتابة الأكاديمية.
وهناك العديد من التجارب الناجحة في هذا الإطار والتي تعد نماذج جديرة بالاستفادة. ففي الجامعات الصينية، التي حققت إنجازات رائعة في حجم الإنتاج البحثي خلال السنوات الماضية، كانت برامج الكتابة الأكاديمية باللغة الإنجليزية جزءًا أساسيًا من استراتيجيات الجامعات في إعداد طلاب الدراسات العليا، بالإضافة إلى إنشاء مراكز متخصصة لمراجعة الأبحاث قبل إرسالها للنشر، وهو الأمر الذي قامت جامعة القاهرة به مؤخرًا بإنشاء وحدة المراجعة والتدقيق اللغوي التابعة لإدارة البحوث.
إذا أردنا مواجهة هذا التحدي فيجب أن تتوسع الجامعات المصرية في إنشاء وحدات متخصصة لدعم الباحثين، وتقدم خدمات متكاملة تشمل التدريب على الكتابة الأكاديمية، والتدقيق اللغوي والعلمي، ومراجعة منهجية البحث، وفحص نسب الاقتباس، والتوعية بأخلاقيات استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، إلى جانب تقديم الاستشارات المتعلقة باختيار المجلات العلمية المناسبة. هذه الوحدات أيضًا هي وسيلة مناسبة لمجابهة بعض الكيانات المخالفة للقانون الموجودة خارج اسوار الجامعة، والتي عادة ما تقوم بانتهاك أخلاقيات البحث العلمي تحت ستار مساعدة الباحثين في إنجاز رسائلهم العلمية وبحوثهم.
أما التحدي الرابع الذي يواجه شباب الباحثين ويعتبر من اهم التحديات، فهو ضعف الارتباط بين موضوعات الرسائل العلمية واحتياجات المجتمع الحقيقية والأولويات الوطنية. فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تعتمد على اختيار منهجية سليمة وكتابة رصينة وفقط، ولا حتى بعدد الأبحاث التي يتم نشرها في دوريات دولية مرموقة وتكون مستخرجة من الرسالة، وإنما الأهم من كل ذلك هو قدرة هذه الرسالة على إنتاج معرفة جديدة مع تقديم حلول لمشكلة اجتماعية واقعية، أو تطوير صناعة أو منتج أو خدمة، أو دعم عملية صنع القرار، بما يسهم في النهاية في تحقيق التنمية وتحسين جودة حياة المواطنين.
والمشكلة الحقيقية وراء هذا الضعف في الربط مع احتياجات المجتمع تكمن في اختلال التوازن، وفي غياب منظومة واضحة تحدد الأولويات البحثية وتتابع تنفيذها، وبالتالي ضمان توجيه نسبة مناسبة من الجهد البحثي نحو المشكلات ذات الأولوية بالنسبة للمجتمع والدولة. فغالبية الرسائل العلمية في مصر تتضمن إما موضوعات نظرية بحتة بعيدة عن المشكلات الواقعية التي يواجهها المجتمع، أو موضوعات تطبيقية بالفعل، لكنها لا ترتبط بالضرورة بالأولويات الوطنية أو باحتياجات المؤسسات والقطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي بعض الأحيان يتم اختيار الموضوعات البحثية بناء على سهولة التنفيذ، أو سهولة الحصول على البيانات، أو لأن المشرف سبق له العمل في موضوع الرسالة وبالتالي من السهل استكمال ما بدأه، أو لأن هناك عددًا كبيرًا من الدراسات في هذا الموضوع، وليس بالضرورة ان يكون الموضوع مرتبطًا بمشكلة ملحة تستحق الدراسة.
وهناك عدة أسباب لهذه الظاهرة، ويأتي في مقدمتها ضعف التوجيه المؤسسي للباحثين عند اختيار الموضوعات والنقاط البحثية، فعلى الرغم من وجود خطط بحثية لدى غالبية الأقسام العلمية والكليات في الجامعات المصرية، فإن موضوعات الرسائل العلمية قد لا تتوافق مع موضوعاتها ومحاورها أو تسهم في تنفيذها، وفي كثير من الحالات يظل اختيار موضوع الرسالة خاضعًا بدرجة كبيرة للاتفاق بين الباحث والمشرف الرئيسي على الرسالة، دون وجود آلية مؤسسية واضحة تربط هذا الاختيار بالخطة البحثية للقسم أو الكلية أو الجامعة، أو بالأولويات البحثية للدولة واحتياجات المجتمع.
ولا تكمن المشكلة فقط في غياب وجود آلية لإلزام الباحثين بالخطة البحثية، وإنما أيضًا في غياب آليات المتابعة والتقييم. فالخطط البحثية تتضمن محاور وأهداف محددة، ولكن لا تقيس الكثير من الجامعات مدى الالتزام بالخطط من خلال مؤشرات أداء واضحة تسمح بقياس مدى تنفيذها، وما تم إنجازه منها، وما لم يتم إنجازه، وأسباب التعثر، ومدى توافق الرسائل العلمية التي تم تسجيلها مع المحاور البحثية المستهدفة.
أما السبب الثاني فيتمثل في ضعف الحوافز المادية والمعنوية الموجهة نحو تشجيع الباحثين على اختيار موضوعات ترتبط بحل مشكلات المجتمع، فالباحث الشاب في بداية مسيرته الأكاديمية غالبًا ما يبحث عن الحوافز الأكاديمية المالية والأدبية، وبالتالي قد يكون من الجيد تخصيص جوائز لأفضل رسالة ماجستير أو دكتوراه قدمت حلًا قابلًا للتطبيق لمشكلة مجتمعية أو اقتصادية أو صناعية أو بيئية.
السبب الثالث يرتبط بضعف ثقة أصحاب المصلحة في قدرة المؤسسات الأكاديمية على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تواجههم، فالصناعة، والقطاع الخاص، ومؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، وغيرها من الجهات التي تواجه مشكلات يومية تحتاج إلى حلول علمية، لا تحرص على وجود قنوات واضحة للتواصل مع الجامعات والباحثين بسبب عدم الثقة في قدرة المخرجات البحثية على حل المشكلات التي يواجهونها، وقد أدى ذلك إلى ضعف مساهمة هذه الجهات في تمويل البحث العلمي، هذا الأمر تسبب في مشكلة معقدة تمثلت في أن المؤسسات لا تقوم بدورها في تمويل البحث العلمي لأنها لا تقدر العائد المتوقع منه، والباحثون بدورهم لا يوجهون أبحاثهم بالقدر الكافي نحو احتياجات هذه المؤسسات بسبب ضعف التواصل معها، فتظل الفجوة قائمة بين الطرفين. والخروج من هذه الدائرة يتطلب بناء ثقة متبادلة تقوم على مشروعات مشتركة ونتائج قابلة للقياس، وليس فقط على توقيع مذكرات تفاهم أو عقد مؤتمرات وندوات.
هناك عدد آخر من الأسباب التي أثرت على مدى الترابط بين البحث العلمي لشباب الباحثين واحتياجات المجتمع سنتناولها في مقالات قادمة، مع تقديم تصور للحلول لتضييق الفجوة بين البحث العلمي والأولويات المجتمعية.