أصبحت المنافسة على الاستثمار في الاقتصاد العالمي مرتبطة بقدرة الدول والمؤسسات على امتلاك أدوات أكثر تطورًا للوصول إلى رأس المال، ولم يعد كافيًا أن تمتلك الدولة موارد طبيعية، أو سوقا كبيرة، أو بنية تحتية، أو حوافز استثمارية، لأن هذه العناصر لا تعمل تلقائيا على جذب المستثمرين، هناك عنصر آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، يتعلق بمن يعرف بهذه المزايا، وكيف يعرف بها، ومن يقدمها له، وبأي لغة، ومن خلال أي شبكة، وفي أي توقيت.
ولذلك فإن إحدى القضايا التي تحتاج إلى إعادة نظر هي بناء منظومة متخصصة لتسويق الاستثمارات لا تتعامل مع المستثمر باعتباره متلقيًا لإعلان، وإنما باعتباره طرفًا في عملية اقتصادية تحتاج إلى معلومات متخصصة واتصال مستمر وثقة مؤسسية.
المشكلة الأساسية أن كثيرًا من الاقتصادات تمتلك ما يمكن تسميته «المعلومات المتناثرة»، توجد بيانات لدى الجهات الحكومية، ودراسات لدى الجامعات، وتقارير لدى المؤسسات الدولية، وخبرات داخل القطاع الخاص، ومواد إعلامية متفرقة، لكن هذه الموارد لا تتحول دائما إلى منتج واحد يستطيع المستثمر استخدامه، وبالتالي فإن القيمة الحقيقية ليست في زيادة كمية المعلومات، وإنما في تجميعها وتنظيمها وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام، وهنا تظهر وظيفة جديدة يمكن أن تؤديها المنصات المتخصصة، تتمثل في بناء صورة متكاملة عن القطاع أو المشروع بدلًا من ترك المستثمر يبحث عن أجزاء الصورة في مصادر مختلفة.
وتزداد أهمية هذه المسألة إذا أدركنا أن المستثمر العالمي يعمل في بيئة شديدة المنافسة على انتباهه، فكل دولة تقدم نفسها باعتبارها وجهة استثمارية، وكل منطقة اقتصادية تعرض مزاياها، وكل مدينة تحاول استقطاب الشركات، وكل قطاع يسعى إلى جذب التمويل، وبالتالي لم تعد المشكلة فقط في المنافسة على رأس المال، وإنما أصبحت أيضًا منافسة على الانتباه والمعلومة والثقة، ومن ينجح في تقديم معلوماته بصورة أكثر وضوحًا وتنظيمًا وقابلية للتحقق يستطيع أن يضع فرصه داخل دائرة اهتمام المستثمر، حتى قبل بدء الاتصال المباشر.
وهنا يمكن أن يظهر دور مختلف للمراكز البحثية، فالمركز الذي يمتلك خبراء في الاقتصاد والسياسة والقانون والعلاقات الدولية والإعلام والبيانات يستطيع أن يقوم بوظيفة تتجاوز إصدار الدراسات التقليدية، يمكنه أن يدرس القطاع، ويحلل اتجاهاته، ويرصد المنافسين، ويحدد الأسواق المحتملة، ويقرأ البيئة السياسية والتنظيمية المحيطة به، ثم يحول هذه المعرفة إلى ملف متكامل يمكن استخدامه من جانب المؤسسات الاستثمارية. وبهذا يتحول البحث من منتج أكاديمي منفصل عن السوق إلى أداة لدعم الحركة الاستثمارية.
هذه النقلة مهمة لأنها تعيد تعريف العلاقة بين البحث العلمي والاقتصاد، فالبحث لا يجب أن ينتهي عند نشر ورقة أو عقد مؤتمر، وإنما يمكن أن يبدأ منه مسار آخر يصل إلى المستثمر والمؤسسة وصانع القرار، ويمكن للدراسات المتخصصة أن تصبح أساسا لتقارير قطاعية، وقواعد بيانات، ونشرات دورية، وأوراق سياسات، وخرائط للفرص، وملفات تعريفية للأسواق، وأدلة للمستثمرين، وبذلك تصبح المعرفة البحثية جزءًا من البنية التي تساعد الاقتصاد على جذب التمويل والخبرات والشراكات.
لكن المسألة تحتاج أيضًا إلى إعادة النظر في مفهوم الإعلام الاقتصادي، فالإعلام عندما يتعامل مع الاستثمار باعتباره أخبارًا عن توقيع الاتفاقيات أو افتتاح المشروعات، فإنه يغطي جزءًا محدودًا من القصة، الدور الأكثر تأثيرًا يمكن أن يبدأ قبل ذلك، من خلال تفسير التحولات التي تخلق الفرص، والكشف عن القطاعات التي تتغير فيها خريطة الطلب، ورصد الصناعات التي تنتقل إليها سلاسل الإمداد، ومتابعة التشريعات التي تفتح مجالات جديدة، وإتاحة مساحة للشركات والخبراء لشرح احتياجات السوق. بهذه الطريقة يصبح الإعلام جزءًا من رصد الفرص قبل تحولها إلى عناوين رئيسية.
ومن هنا يمكن أن تتطور العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والمراكز البحثية إلى نموذج مختلف، فالمركز يمتلك التحليل والبيانات، بينما يمتلك الإعلام أدوات الوصول والتأثير والانتشار، وإذا اجتمع الطرفان حول محتوى اقتصادي متخصص، يمكن إنتاج مواد لا تكتفي بوصف الواقع، وإنما تساعد المستثمر على فهم الاتجاهات. وقد يكون ذلك من خلال ملفات اقتصادية دورية، أو تقارير قطاعية، أو منصات بيانات، أو حلقات نقاشية، أو برامج متخصصة، أو محتوى رقمي متعدد اللغات موجه إلى المستثمرين في أسواق محددة.
الأهم من ذلك أن المنصات البحثية يمكن أن تصبح مساحة لبناء شبكات الثقة. المستثمر لا يتعامل فقط مع الأرقام، بل يهتم أيضًا بمعرفة المؤسسات والخبراء والشركاء المحتملين داخل السوق، وكلما استطاعت المنصة أن تربط بين المستثمر والخبراء والمحامين والاستشاريين والجامعات والشركات المحلية والمؤسسات التمويلية، أصبحت أكثر من مجرد نافذة للمعلومات، وتحولت إلى نقطة اتصال داخل النظام الاقتصادي.
وهذا يقود إلى فكرة مهمة تتمثل في أن تسويق الاستثمار لا ينبغي أن يكون عملية أحادية الاتجاه، في النموذج التقليدي تقوم جهة ما بعرض الفرص وتنتظر المستثمر، بينما النموذج الأكثر تطورًا يقوم على الحوار المستمر مع المستثمرين لمعرفة احتياجاتهم وما يبحثون عنه وما يمنعهم من دخول سوق معينة، هذه المعلومات نفسها تصبح موردًا مهمًا للدولة والمؤسسات الاقتصادية؛ لأنها تكشف نقاط القوة والقصور في البيئة الاستثمارية من وجهة نظر من يفكر فعليًا في ضخ رأس المال.
ومن هنا يمكن للمراكز البحثية أن تؤدي وظيفة الوسيط المحايد الذي يجمع آراء المستثمرين ويحللها ويحولها إلى توصيات قابلة للنقاش، فبدلًا من أن تكون العلاقة بين المستثمر والمؤسسات العامة محصورة في الإجراءات الرسمية، يمكن أن توجد مساحة بحثية لدراسة معوقات الاستثمار بصورة أكثر عمقًا، سواء تعلق الأمر بالإجراءات أو التمويل أو المهارات أو البنية التحتية أو الوصول إلى الأسواق أو التشريعات، وهذه الوظيفة تمنح البحث الاقتصادي قيمة عملية مباشرة.
كما أن المشاركة البحثية في الملفات الوطنية الكبرى يمكن أن تصبح أكثر تنظيمًا، فالمشروعات القومية والتحولات الاقتصادية لا تحتاج فقط إلى التنفيذ، وإنما تحتاج إلى منظومة معرفية تواكبها، المركز البحثي يمكن أن يدرس الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشروع، ويرصد التجارب الدولية المقارنة، ويحدد المخاطر، ويقترح آليات لتعظيم العائد، ثم يساهم في إنتاج خطاب معرفي يشرح المشروع للمجتمع والمستثمرين والمؤسسات الدولية، وبذلك تصبح مراكز البحوث جزءًا من البنية الاستشارية الوطنية بدلًا من اقتصارها على النشاط الأكاديمي.
وهذا الدور لا يعني تحويل المراكز البحثية إلى أذرع دعائية للمؤسسات العامة أو الشركات، بل على العكس، فإن القيمة الحقيقية لبيت الخبرة تكمن في قدرته على تقديم تحليل مهني قائم على الأدلة، فالمستثمر يحتاج إلى معرفة المزايا، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة المخاطر والتحديات، والمنصة التي تقدم صورة متوازنة ومبنية على البيانات يمكن أن تكون أكثر فائدة على المدى الطويل من منصة تكتفي بالرسائل الترويجية.
وتظهر هنا ضرورة بناء مؤشرات لقياس فعالية التسويق الاستثماري وطنية، فلا ينبغي تقييم المنصة بعدد الزيارات أو عدد الأخبار المنشورة فقط، وإنما بعدد المستثمرين الذين تم الوصول إليهم، ونوعية المؤسسات التي تفاعلت مع الفرص، وعدد طلبات المعلومات، وعدد الاجتماعات التي نتجت عنها، وحجم المشروعات التي دخلت مرحلة الدراسة، ومدى استمرار التواصل مع المستثمرين، فالتسويق الاقتصادي، مثل أي نشاط اقتصادي آخر، يحتاج إلى مؤشرات أداء واضحة تمكن من معرفة ما يعمل وما يحتاج إلى تطوير.
كما يمكن تطوير قاعدة بيانات للفرص لا تعتمد على مجرد تسجيل المشروعات، وإنما تصنفها وفق مراحل الجاهزية، فهناك فكرة استثمارية تحتاج إلى دراسة، ومشروع يمتلك دراسة أولية، ومشروع جاهز للتمويل، ومشروع يحتاج إلى شريك تقني، وآخر يبحث عن مستثمر أجنبي. هذا التصنيف يسمح بتوجيه كل فرصة إلى الفئة المناسبة بدلًا من تقديم جميع المشروعات للجميع بالدرجة نفسها.
ويمكن أن يمتد الأمر إلى بناء خريطة للطلب الاستثماري، وليس فقط خريطة للعرض، بمعنى أن نعرف ما الذي تبحث عنه الشركات العالمية حاليًا، وما القطاعات التي تسعى إلى التوسع فيها، وما الدول التي تعيد توزيع عملياتها الإنتاجية، وما أنواع المشروعات التي تبحث عنها صناديق الاستثمار، ثم مقارنة ذلك بالإمكانات المتاحة محليًا، هذه المقاربة تنقل التسويق من مجرد عرض ما لدينا إلى البحث عن نقطة الالتقاء بين ما نملكه وما يحتاجه المستثمر.
كما أن البعد الدولي يجب أن يحظى باهتمام أكبر، فالترويج للفرص خارج الحدود لا يمكن أن يعتمد فقط على المشاركة في المؤتمرات الدولية، وإنما يحتاج إلى شبكة مستمرة من العلاقات مع الجامعات ومراكز الفكر وغرف التجارة والمؤسسات الاستثمارية والإعلام الاقتصادي الدولي. ويمكن للمراكز البحثية أن تلعب دورًا مهمًا في هذه الشبكة من خلال المؤتمرات المشتركة، والإصدارات البحثية، والبرامج التدريبية، والحوارات الاقتصادية، ومذكرات التعاون التي تفتح قنوات اتصال طويلة الأجل.
وفي المقابل، فإن جذب الاستثمار لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد لهذه المنظومة، فهناك قيمة أخرى تتمثل في تعزيز صورة الاقتصاد وقدرته على إنتاج المعرفة، المستثمر الذي يجد أمامه مراكز بحثية متخصصة، وجامعات قادرة على توفير الخبرات، وإعلامًا اقتصاديًا محترفًا، ومنصات بيانات متطورة، وشبكات أعمال نشطة، يرى أمامه بيئة اقتصادية أكثر قدرة على إنتاج المعلومات والخبرات، وليس مجرد سوق تبحث عن التمويل.
وهنا يصبح الاستثمار في المنصات البحثية والإعلامية استثمارًا غير مباشر في القدرة التنافسية للاقتصاد، فالدول لا تتنافس فقط من خلال تكلفة العمالة أو حجم السوق، وإنما أيضًا من خلال قدرتها على توفير المعرفة والخدمات والخبرات التي يحتاجها المستثمر، وكلما تطورت هذه البيئة، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمستثمر الموجود وجذب مستثمرين جدد وتوسيع مجالات الشراكة.
إن إعادة بناء منظومة تسويق الاستثمارات تتطلب إذن تغييرًا في طريقة التفكير، القضية ليست إنشاء منصة جديدة لمجرد وجود منصة، ولا إنتاج مزيد من المواد الدعائية، وإنما بناء بنية تحتية للمعلومات الاستثمارية تربط البيانات بالبحث، والبحث بالإعلام، والإعلام بالمستثمر، والمستثمر بالمؤسسات والخبرات، ثم تقيس نتائج هذه العملية بصورة مستمرة.
وفي هذه المنظومة يمكن للمراكز البحثية أن تحتل موقعًا مهمًا باعتبارها بيوت خبرة قادرة على الجمع بين التحليل الاقتصادي والسياسي والقانوني والإعلامي، ويمكنها أن تتحول إلى شركاء في الملفات الوطنية من خلال تقديم الدراسات والاستشارات وبناء قواعد البيانات وإدارة الحوارات المتخصصة وإنتاج المعرفة التي تحتاجها المؤسسات العامة والخاصة.
وفي النهاية يجب أن يعلم متخذ القرار أن الاستثمار لا يتحرك فقط نحو المكان الذي توجد فيه الفرصة، وإنما نحو المكان الذي يستطيع فيه المستثمر رؤية الفرصة وفهمها والوصول إلى المعلومات المتعلقة بها والتواصل مع الأطراف القادرة على مساعدته في تقييمها وتنفيذها، ولذلك فإن تطوير أدوات التسويق والاتصال والبحث لم يعد مسألة إعلامية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح جزءًا من القدرة التنافسية نفسها.
المطلوب إذن ليس المزيد من الحديث عن الفرص، وإنما بناء منظومة تجعل الفرص قابلة للاكتشاف، وقابلة للفهم، وقابلة للتقييم، وقابلة للاتصال، وقابلة للتحول إلى شراكات ومشروعات، وفي قلب هذه المنظومة يمكن أن تعمل الدولة والقطاع الخاص والمراكز البحثية والإعلام والجامعات والمؤسسات المالية، بحيث يؤدي كل طرف وظيفته، وتتجمع هذه الوظائف في مسار واحد ينتهي بتحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى استثمار، والاستثمار إلى قيمة اقتصادية وتنموية.