En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

من بلاد الرافدين إلى وادي السيليكون:الدبلوماسية العلمية في قلب صراع القوة الدولية

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

ليس من السهل أن يكتب الباحث عن الدبلوماسية العلمية باعتبارها مجرد تقاطع بين مجالين منفصلين؛ فالعلم لم يعد حقلًا معرفيًا يعيش بعيدًا عن السياسة، والدبلوماسية لم تعد نشاطًا تفاوضيًا يقتصر على السفارات والاتفاقيات والمراسم، في القرن الحادي والعشرين أصبحت المعرفة نفسها مصدرا للقوة، وأصبحت التكنولوجيا جزءا من الأمن القومي، وتحولت المختبرات والجامعات ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا إلى أطراف مؤثرة في تشكيل النظام الدولي.

ومن هذه المنطقة شديدة التعقيد يأتي كتاب «الدبلوماسية العلمية: من وادي الرافدين إلى وادي السيليكون» للباحث والمفكر الكبير والدبلوماسي العراقي ثائر طاهر الفوادي، ليقدم محاولة مختلفة لقراءة العلاقة بين العلم والسياسة، لا بوصفها ظاهرة حديثة بالكامل، وإنما باعتبارها امتدادًا لمسار حضاري طويل بدأ في مراكز المعرفة القديمة وانتهى إلى قلب الثورة التكنولوجية المعاصرة. وتكتسب فكرة الكتاب أهمية أكبر اليوم؛ إذ أصبحت الدبلوماسية العلمية نفسها موضوعًا لإعادة البناء عالميًا، مع تصاعد التنافس على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية.

ينطلق الكتاب، في جوهره، من سؤال بالغ الأهمية: هل تستطيع الدبلوماسية التقليدية وحدها إدارة عالم أصبحت أكثر مشكلاته تعقيدًا من أن تُحل بالوسائل السياسية التقليدية؟ فالأوبئة لا تعترف بالحدود، والمناخ لا يتوقف عند خطوط السيادة، والأمن السيبراني لا يحتاج إلى جيوش تعبر الحدود، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد تشكيل أسواق العمل والجيوش وأنظمة المعلومات في الوقت نفسه، بينما أصبحت الطاقة والغذاء والمياه والفضاء والتكنولوجيا ملفات متداخلة بصورة لم تعد تسمح بفصل السياسة عن المعرفة العلمية، ولهذا فإن قيمة الدبلوماسية العلمية تكمن في قدرتها على خلق مساحة ثالثة بين السياسة والعلم؛ مساحة يستطيع فيها صانع القرار أن يفهم الحقيقة التقنية، ويستطيع العالم أن يفهم المصالح والقواعد التي تحكم النظام الدولي.

وهنا يضع الفوادي إصبعه على واحدة من أهم مشكلات الدبلوماسية الحديثة: الفجوة بين من يصنع القرار ومن يفهم التكنولوجيا التي أصبح القرار متعلقًا بها. فالدبلوماسي يستطيع التفاوض، لكنه قد لا يمتلك الأدوات الفنية لفهم ملف نووي معقد أو منظومة ذكاء اصطناعي أو تكنولوجيا حيوية أو قضية تتعلق بأشباه الموصلات، والعالم يمتلك المعرفة المتخصصة، لكنه لا يعمل بالضرورة وفق منطق المصالح الوطنية والتوازنات الدولية والقانون الدولي. ومن ثم فإن الدبلوماسية العلمية لا تعني تحويل العلماء إلى دبلوماسيين أو الدبلوماسيين إلى علماء، وإنما بناء شراكة مؤسسية بين الطرفين تجعل المعرفة جزءًا من عملية صنع السياسة الخارجية.

وتبدو هذه الفكرة أكثر راهنية في عام 2026 مما كانت عليه عند صدور الكتاب؛ فالاتحاد الأوروبي أقر في مايو 2026 إطارًا جديدًا للدبلوماسية العلمية، معتبرًا أن البحث والابتكار أصبحا من عناصر القوة والتنافسية والنفوذ الجيوسياسي، وربط الإطار الأوروبي بين الدبلوماسية العلمية والسيادة التكنولوجية وأمن البيانات والتعاون الدولي. وهذا التطور المؤسسي يؤكد أن الفكرة لم تعد نقاشًا أكاديميًا هامشيًا، وإنما تحولت إلى جزء من أدوات السياسة الخارجية للدول والتكتلات الكبرى.

والأكثر أهمية أن مفهوم الدبلوماسية العلمية نفسه يشهد تحولًا، فالتصور القديم كان يميل إلى تقديم العلم باعتباره لغة عالمية قادرة على بناء الجسور بين الدول حتى في أوقات الخلاف، لكن التطورات الأخيرة أظهرت وجهًا آخر؛ فالعلم أصبح أيضًا مجالًا للتنافس على النفوذ، والتكنولوجيا تحولت إلى ورقة في العقوبات والقيود التجارية وسلاسل الإمداد والأمن القومي، وتذهب الأدبيات الأكاديمية المنشورة في 2026 إلى أن التنافس العلمي لم يعد يدور فقط حول امتلاك التكنولوجيا، بل حول التحكم في البنية التحتية والقواعد والمؤسسات التي تحدد كيف تُنتج المعرفة وكيف تُعتمد وكيف تُستخدم في صنع القرار.

ومن هنا يمكن فهم اختيار المؤلف لمسار يبدأ من وادي الرافدين وينتهي في وادي السيليكون، فالعنوان في حد ذاته يحمل أطروحة كاملة: هناك رحلة طويلة انتقلت فيها القوة من امتلاك الأرض والموارد إلى امتلاك المعرفة، ثم إلى القدرة على تحويل المعرفة إلى ابتكار، ثم إلى السيطرة على التكنولوجيا التي تحدد اتجاه الاقتصاد والأمن والسياسة، وادي الرافدين يمثل في الكتاب أحد أقدم مراكز إنتاج وتنظيم المعرفة الإنسانية، بينما يمثل وادي السيليكون الصورة الأكثر كثافة للقوة التكنولوجية الحديثة. وبينهما تمتد رحلة الحضارات والترجمة والعلوم والجامعات والمختبرات والشبكات العالمية للمعرفة.

وهنا تأتي واحدة من أكثر نقاط الكتاب تميزًا: إعادة إدخال التاريخ العربي والإسلامي إلى النقاش المعاصر حول الدبلوماسية العلمية، فبدل أن يبدأ تاريخ العلاقة بين العلم والدولة من المؤسسات الغربية الحديثة، يعود المؤلف إلى بلاد الرافدين والحضارة العربية والإسلامية، ويتوقف عند بغداد وحركة الترجمة وبيت الحكمة، ليقدم تصورًا يرى أن المنطقة لم تكن تاريخيًا مجرد مستورد للمعرفة، وإنما كانت في مراحل مهمة مركزًا لإنتاجها وترجمتها وتطويرها ونقلها بين الحضارات.

وتصبح بغداد في هذا السياق أكثر من مدينة تاريخية؛ إنها نموذج لفكرة أن المعرفة تستطيع أن تعبر الحدود حتى عندما تكون السياسة محكومة بالتنافس، فالكتب انتقلت، والمترجمون تحركوا، والعلماء تواصلوا، والمفاهيم العلمية عبرت من لغة إلى أخرى ومن حضارة إلى أخرى، وفي هذه العملية لم تكن اللغة العربية مجرد قناة لنقل النصوص، وإنما أصبحت في مراحل تاريخية لغة واسعة للمعرفة العلمية والفلسفية. وهذه الزاوية تجعل الكتاب يتجاوز السرد التاريخي التقليدي، لأنه يعيد قراءة حركة الترجمة باعتبارها جزءًا من شبكة دولية مبكرة لتداول المعرفة.

ومن بيت الحكمة إلى الجامعات ومراكز الأبحاث الحديثة، تتغير المؤسسات لكن يبقى السؤال نفسه: من يملك المعرفة ومن يستطيع توظيفها؟ وهنا يربط الكتاب بين التراث العلمي العربي والإسلامي وبين التحدي المعاصر، فالمسألة ليست استعادة الماضي من أجل الاحتفاء به، وإنما فهم كيف تحولت المعرفة عبر التاريخ إلى عنصر من عناصر القوة الحضارية، وكيف يمكن أن تستعيد الدول العربية دورًا أكثر فاعلية في إنتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها.

وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما ينتقل الكتاب من التاريخ إلى المؤسسات، فالمؤلف لا يكتفي بتعريف الدبلوماسية العلمية أو سرد تطورها، وإنما يطرح سؤالًا عمليًا حول كيفية إدخال العلم إلى قلب مؤسسات السياسة الخارجية، ومن هنا تظهر أفكار مثل المستشار العلمي داخل وزارة الخارجية، والقنصل العلمي، والوحدات المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا، وربط البعثات الدبلوماسية بالشبكات العلمية والجامعات ومراكز البحث. وهذه ليست تفاصيل إدارية صغيرة، وإنما تعكس تصورًا جديدًا للدولة التي تريد أن تفهم العالم من خلال أكثر من نافذة.

فالسفارة في المستقبل قد لا تكون مهمتها فقط متابعة التطورات السياسية والاقتصادية، وإنما قد تحتاج أيضًا إلى متابعة مختبرات الذكاء الاصطناعي، والتشريعات التكنولوجية، واتجاهات البحث العلمي، وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، والتطورات في الطاقة النووية والفضاء والتكنولوجيا الحيوية، ولذلك فإن فكرة المستشار العلمي التي يطرحها الكتاب تكتسب أهمية متزايدة في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا مرتبطة مباشرة بموازين القوة.

واللافت أن التطور العالمي خلال عام 2026 يكاد يقدم تطبيقًا عمليًا لهذا التصور؛ فالإطار الأوروبي الجديد للدبلوماسية العلمية يدعو إلى تعزيز التنسيق بين الحكومات والجهات العلمية، ويطرح إمكان إنشاء هياكل وطنية للتنسيق في هذا المجال، مع ربط الدبلوماسية العلمية بملفات المناخ والمياه والطاقة والفضاء والصحة والتكنولوجيا الرقمية.

لكن الكتاب يصبح أكثر عمقًا عندما يرفض التعامل مع العلم باعتباره قوة حميدة بصورة مطلقة. فالمعرفة يمكن أن تبني، لكنها يمكن أيضًا أن تمنح الدول قدرات جديدة على المنافسة والضغط والردع، والتكنولوجيا التي تستخدم في تحسين حياة الإنسان يمكن أن تدخل في الوقت نفسه إلى منظومات التسليح والمراقبة والهجمات السيبرانية. والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للإنتاج والبحث الطبي، كما يمكن أن يصبح عنصرًا في الأمن والدفاع والتنافس الاستراتيجي، ولذلك فإن الدبلوماسية العلمية الحديثة تتحرك بين منطقين متعارضين: منطق التعاون من أجل مواجهة المشكلات العالمية، ومنطق حماية التفوق الوطني في التكنولوجيا الحساسة.

وهذه النقطة تحديدًا أصبحت في قلب النقاش الدولي المعاصر، فدراسة حديثة ضمن Palgrave Handbook of Science Diplomacy الصادر في 2026 ترى أن المنافسة الأميركية الصينية في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي جعلت التفوق التكنولوجي وأدوات التحكم في التكنولوجيا جزءًا من أدوات القوة الجيوسياسية، وأن الدبلوماسية العلمية أصبحت مطالبة بالتعامل مع هذا التوتر بين التعاون الدولي والسعي إلى الاستقلال أو التفوق التكنولوجي.

ومن هنا لا يمكن النظر إلى وادي السيليكون في الكتاب باعتباره مجرد تجمع لشركات التكنولوجيا، إنه رمز لتحول جوهري في مفهوم القوة الدولية. ففي الماضي كان النفوذ يرتبط بدرجة كبيرة بالموارد الطبيعية والقوة العسكرية وحجم الاقتصاد، أما اليوم فأصبح من الممكن أن تمتلك شركة تكنولوجية أو شبكة بحثية أو منصة رقمية تأثيرًا يتجاوز أحيانًا تأثير مؤسسات حكومية تقليدية في مجالات محددة، وهذا ما يدفع مفهوم الدبلوماسية العلمية إلى الخروج من الإطار الحكومي الضيق نحو نموذج أكثر اتساعًا يشارك فيه العلماء والجامعات والشركات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

وتشير الأدبيات الجديدة إلى هذا التحول بصورة واضحة؛ فمفهوم «الدبلوماسية العلمية 2.0» يوسع دائرة الفاعلين لتشمل شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية والمجتمع المدني، خصوصًا مع صعود الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية، وبذلك فإن الدبلوماسية العلمية لم تعد مجرد لقاء بين وزير خارجية وعالم، وإنما أصبحت شبكة واسعة من الفاعلين الذين يمتلكون أجزاء مختلفة من المعرفة والتكنولوجيا والتأثير.

ومن أكثر النماذج التي تكشف أهمية التفاعل بين العلم والدبلوماسية ما ارتبط بالمفاوضات النووية الإيرانية، فقد أظهر وجود مسؤولين يمتلكون خلفيات علمية وفنية قدرة على الدخول في التفاصيل التقنية للملف النووي، وهي تفاصيل كان من الصعب أن تُدار بالمعرفة السياسية وحدها. وتكشف هذه التجربة عن قاعدة مهمة: كلما أصبحت القضية الدولية أكثر تقنية، ازدادت الحاجة إلى دبلوماسية تفهم التقنية بقدر فهمها للسياسة.

لكن الكتاب يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يسأل فقط كيف يمكن للعلم أن يساعد الدبلوماسية، بل يسأل أيضًا كيف يمكن للدبلوماسية أن تحمي العلم من التحول إلى أداة للصراع. وهذه مسألة شديدة الحساسية في عصر تتجه فيه الدول إلى تشديد الرقابة على التقنيات الاستراتيجية، وحماية البيانات، وتأمين سلاسل الإمداد، ووضع قيود على نقل بعض التقنيات والمعارف. وقد أصبحت «السيادة التكنولوجية» نفسها مفهومًا حاضرًا في السياسات الدولية المعاصرة، بما يعكس انتقال التكنولوجيا من كونها قطاعًا اقتصاديًا إلى كونها قضية أمن واستقلال استراتيجي.

وعلى المستوى العربي، تفتح أطروحة الكتاب مساحة شديدة الأهمية للتفكير في المستقبل. فالدول العربية تواجه ملفات لا يمكن فصلها عن العلم والتكنولوجيا: ندرة المياه، الأمن الغذائي، التحول في أسواق الطاقة، تغير المناخ، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، المدن الذكية، التكنولوجيا الصحية، والنقل والطاقة الجديدة. وبالتالي فإن الدبلوماسية العلمية يمكن أن تتحول من مفهوم نظري إلى أداة لبناء شراكات عربية ودولية في مجالات ترتبط مباشرة بمصالح التنمية.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للكتاب بالنسبة للقارئ العربي: فهو لا يقول إن استعادة الدور الحضاري تتم عبر استحضار الماضي فقط، وإنما يطرح ضمنيًا سؤالًا أكثر صعوبة: كيف يتحول الإرث العلمي إلى قدرة مؤسسية معاصرة؟ فليس المهم أن نعرف أن بغداد كانت مركزًا للمعرفة؛ المهم أن نعرف كيف يمكن بناء بغداد جديدة للمعرفة في القرن الحادي والعشرين. وليس المهم أن نستعيد أسماء العلماء، بل أن نبني جامعات ومراكز أبحاث وشبكات ابتكار قادرة على إنتاج المعرفة والتأثير في قواعد التكنولوجيا العالمية.

وهذا يجعل الكتاب في جوهره كتابًا عن القوة الناعمة والمعرفة والسيادة بقدر ما هو كتاب عن الدبلوماسية العلمية. فالدولة التي تنتج المعرفة تستطيع أن تفاوض من موقع مختلف، والدولة التي تمتلك التكنولوجيا تستطيع أن تضع المعايير بدل أن تكتفي بتلقيها، والدولة التي تمتلك الجامعات ومراكز البحث تستطيع أن تكون شريكًا في صياغة المستقبل بدل أن تكون مجرد سوق للمنتجات التكنولوجية التي يصنعها الآخرون.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المسافة بين وادي الرافدين ووادي السيليكون ليست مسافة جغرافية فقط، بل مسافة بين عصر كانت فيه المعرفة تعبر الحضارات، وعصر أصبحت فيه المعرفة نفسها محل صراع على الملكية والسيادة والنفوذ. وهذا التحول هو أحد أهم المفاتيح التي تساعد على فهم الكتاب.

إن قوة «الدبلوماسية العلمية من وادي الرافدين إلى وادي السيليكون» لا تأتي فقط من موضوعه النادر عربيًا، وإنما من محاولته الجمع بين التاريخ والنظرية والممارسة. فهو يستعيد جذور المعرفة في الحضارات القديمة، ويضع الحضارة العربية والإسلامية في قلب مسار انتقال العلوم، ثم ينتقل إلى مؤسسات السياسة الخارجية، ويصل في النهاية إلى التكنولوجيا الحديثة ومنافسة القوى الكبرى.

وبذلك لا يصبح الكتاب مجرد دراسة عن فرع جديد من فروع الدبلوماسية، وإنما قراءة في تحول مفهوم القوة الدولية نفسه، فالعالم الذي كان يقيس قوته بالجيوش والأساطيل أصبح مضطرًا إلى قياسها أيضًا بالجامعات والمختبرات والبيانات والخوارزميات والرقائق الإلكترونية والقدرة على جذب العلماء وحماية المعرفة وتحويل البحث العلمي إلى ابتكار.

وربما تكون المفارقة الأبرز التي يكشفها الكتاب أن العلم الذي كان يُنظر إليه باعتباره لغة عالمية مشتركة يواجه اليوم خطر التحول إلى لغة للمنافسة والانقسام، وهذا ما تؤكده الأدبيات الحديثة التي ترى أن الدبلوماسية العلمية انتقلت من تصورها التقليدي كجسر للتعاون إلى مجال تتقاطع فيه المصالح الوطنية والتنافس التكنولوجي والحوكمة العالمية.

لذلك فإن الرسالة الأعمق للكتاب ليست أن العلم يمكن أن يخدم الدبلوماسية فحسب، وإنما أن الدبلوماسية نفسها مطالبة بأن تتعلم لغة العلم إذا أرادت أن تفهم العالم الجديد، فالمفاوضات المقبلة لن تدور فقط حول الحدود والأسواق والاتفاقيات، وإنما حول من يمتلك الذكاء الاصطناعي، ومن يضع معايير استخدامه، ومن يتحكم في البيانات، ومن يمتلك الرقائق، ومن يستطيع تطوير التكنولوجيا الحيوية، ومن يحدد قواعد الفضاء، ومن يمتلك المعرفة التي تسمح له بأن يكون صانعًا للقواعد لا مجرد متلقٍ لها.

ومن هنا يصبح الانتقال من وادي الرافدين إلى وادي السيليكون أكثر من عنوان جذاب؛ إنه مسار فكري يختصر رحلة المعرفة الإنسانية من الكتابة الأولى إلى الخوارزمية، ومن بيت الحكمة إلى المختبر الرقمي، ومن حركة الترجمة إلى اقتصاد المعرفة، ومن التواصل بين الحضارات إلى المنافسة على التكنولوجيا، وبين البداية والنهاية يضع المؤلف سؤالًا بالغ الأهمية أمام العالم العربي: هل نكتفي باستعادة موقعنا في ذاكرة العلم، أم نستطيع أن نبني موقعًا جديدًا في مستقبل العلم؟

وهذه في النهاية هي القيمة الكبرى للكتاب: أنه ينقل النقاش من الاحتفاء بالماضي إلى التفكير في المستقبل، ومن الحديث عن العلم بوصفه نشاطًا أكاديميًا إلى التعامل معه بوصفه أحد مصادر القوة الوطنية والدولية، ومن الدبلوماسية باعتبارها فن التفاوض التقليدي إلى الدبلوماسية باعتبارها قدرة على فهم المعرفة وإدارتها وتوظيفها وبناء الجسور حولها. وفي عالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد وتوازنات سياسية تحكمها التكنولوجيا، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الدول تحتاج إلى الدبلوماسية العلمية، وإنما كيف ستبنيها، ومن سيملك مؤسساتها، ومن سيكون قادرًا على تحويل المعرفة إلى نفوذ دون أن تتحول التكنولوجيا إلى وقود لصراع جدي

د.محمد الطماوي

د.محمد الطماوي

كاتب وباحث - برنامج دكتوراة الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، حاصل على الماجستير في الاقتصاد من الجامعة ذاتها، ودبلوم الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودبلوم الأمن القومي من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا - مدرب معتمد من المجلس الأعلي للجامعات - مدرب معتمد محترف دوليا من جامعة ميزوري الأمريكية وجامعة القاهرة

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.