لم تعد قوة الدول في النظام الدولي تُقاس بما تمتلكه من قدرات اقتصادية وعسكرية فحسب، بل باتت ترتبط أيضًا بقدرتها على بناء الثقة، وتشكيل الوعي، وتوسيع دوائر التواصل مع الشعوب، وتحويل رصيدها الحضاري والثقافي إلى علاقات مستدامة. ومن هذا المنطلق، يحتل الأزهر الشريف موقعا مهمًا في معادلة القوة الناعمة المصرية؛ فهو مؤسسة علمية ودينية ذات امتداد تاريخي، ومرجعية تحظى بحضور دولي، وجسر يربط مصر بمجتمعات إسلامية متعددة، وفي مقدمتها إندونيسيا وماليزيا.
وتتضاعف أهمية هذا الدور في ضوء التحرك المصري نحو آسيا، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والتكنولوجية مع الاعتبارات السياسية والثقافية، وتبحث الدول عن شراكات تتجاوز حدود التبادل التجاري إلى بناء علاقات طويلة الأمد، وقد اكتسب هذا البعد دلالة واضحة خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا في 9 و10 أكتوبر 2026، عندما استحضر الرئيس مكانة الأزهر في تعزيز الوسطية وإعداد الوعاظ، وأعلن استعداد مصر لزيادة أعداد الطلاب الماليزيين الدارسين بالمؤسسة واستقبال وعاظ ومعلمين ماليزيين. وجاء ذلك بالتوازي مع مباحثات لتوسيع التعاون في الصناعة والإلكترونيات والطاقة والزراعة والتعليم العالي وغيرها من المجالات.
وتكشف هذه المعادلة عن حقيقة استراتيجية مهمة: أن الحضور المصري في آسيا لا يعتمد على المصالح المادية وحدها، بل يستند أيضًا إلى رصيد حضاري وتعليمي يمكن أن يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للتعاون. فالأزهر لا يحل محل الدبلوماسية الرسمية، ولا يتولى إبرام الاتفاقيات الاقتصادية، لكنه يمنح العلاقات المصرية الآسيوية عمقًا إنسانيًا وثقافيًا، ويتيح قنوات للتواصل تتجاوز التغيرات السياسية والظروف الاقتصادية الآنية.
رسالة الوسطية
يمثل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، محورًا رئيسيًا في الحفاظ على رسالة الأزهر العلمية والدينية وتعزيز حضورها الدولي، من خلال ترسيخ خطاب الاعتدال، وتوسيع الحوار بين الأديان والثقافات، والتأكيد على قيم التعايش واحترام التنوع. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في عالم تتصاعد فيه الصراعات والاستقطابات، وتتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات قادرة على الجمع بين المرجعية الفكرية والانفتاح على قضايا المجتمعات المعاصرة.
وتنبع أهمية الأزهر من أن الوسطية ليست مجرد خطاب ديني، وإنما منهج للتعامل مع الاختلاف، يقوم على رفض الغلو، واحترام التعدد، وإعلاء قيمة المعرفة والحوار. وهذا ما يمنح المؤسسة قدرة على التواصل مع مجتمعات تختلف في ظروفها الثقافية والسياسية، مع الحفاظ على رسالتها العلمية. وفي جنوب شرق آسيا، حيث تتمتع إندونيسيا وماليزيا بثقل إسلامي وسكاني واقتصادي، يمثل هذا الرصيد مدخلًا مهمًا لتعزيز التواصل مع المؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية.
وقد عكست زيارة الإمام الأكبر إلى ماليزيا في يوليو 2024 أهمية هذا المسار، من خلال لقاءاته الرسمية والعلمية وبحث تطوير التعاون في التعليم والشؤون الإسلامية، إلى جانب تكريمه بمنحه دكتوراه فخرية من جامعة العلوم الإسلامية الماليزية. كما أظهرت الزيارة اهتمامًا بتوسيع التعاون في تعليم اللغة العربية وتأهيل الكوادر الدينية، بما يعزز الروابط بين الأزهر والمؤسسات الماليزية.
وتبرز أهمية قيادة الإمام الأكبر أيضًا في ربط الرسالة الدينية بالقضايا الإنسانية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والدعوة إلى حماية المدنيين، وتعزيز السلام والعدالة. فهذه القضايا توفر مساحات للتواصل الفكري والإنساني مع المجتمعات الآسيوية، التي تشترك مع مصر في الاهتمام بعدد من ملفات العالم الإسلامي، وإن اختلفت المواقف الوطنية في بعض تفاصيلها.
ومن ثم، فإن دور شيخ الأزهر يتجاوز إدارة مؤسسة دينية إلى الحفاظ على رصيد معرفي وحضاري يمثل أحد مكونات الحضور المصري الدولي. وتزداد أهمية هذا الدور كلما ارتبط بخطط عملية للتبادل العلمي، وبرامج للحوار، وتعاون مؤسسي يسمح بانتقال رسالة الوسطية من الخطاب إلى الممارسة.
الحضور العالمي
توضح الإحصائيات حجم الانتشار الدولي للأزهر، وتكشف أن قوته الناعمة تقوم على قاعدة بشرية وتعليمية واسعة، لا على المكانة الرمزية وحدها. فوفق حصاد مجمع البحوث الإسلامية لعام 2025، بلغ عدد الطلاب الوافدين الدارسين بالأزهر 89,920 طالبًا وطالبة من 129 دولة، من بينهم 10,170 طالبًا وطالبة من 101 دولة على منح أزهرية. كما قدم الأزهر 2,874 منحة علمية خلال عام 2025، وبلغ عدد مبعوثيه إلى دول العالم 758 مبعوثًا.
وتكشف هذه الأرقام عن ثلاثة مستويات للتأثير. الأول هو التأثير التعليمي المباشر، من خلال استقبال الطلاب وتأهيلهم علميًا. والثاني هو التأثير المجتمعي الممتد، عبر عودة الخريجين إلى بلدانهم للعمل في التعليم والدعوة والبحث والمؤسسات العامة. أما الثالث فيتمثل في التواصل الميداني الذي يحققه المبعوثون، بما يتيح للمؤسسة الأزهرية التفاعل مع احتياجات المجتمعات المختلفة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الشبكة في أنها توفر لمصر علاقات طويلة الأمد مع أجيال من المتخصصين والباحثين والمعلمين. فخريج الأزهر لا يحمل معه شهادة علمية فحسب، بل يحمل خبرة تعليمية وثقافية اكتسبها في مصر، وعلاقة مؤسسية يمكن أن تستمر بعد عودته إلى بلده. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتطور هذه العلاقات إلى تعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية، بما يعزز التبادل المعرفي ويتيح فرصًا جديدة للشراكة.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي التعامل معها بوصفها دليلًا مباشرًا على حجم النفوذ السياسي أو المكاسب الاقتصادية المصرية. فهي تقيس اتساع النشاط التعليمي والدعوي، بينما يحتاج قياس الأثر السياسي والاقتصادي إلى مؤشرات أخرى، مثل عدد الاتفاقيات الأكاديمية المنفذة، والمشروعات البحثية المشتركة، وحجم التبادل المؤسسي، والنتائج التي تحققها برامج التعاون.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من مجرد الاحتفاء بانتشار الأزهر إلى تطوير أدوات تقيس العائد من هذا الانتشار، وتربط بين المنح الدراسية والتعاون الجامعي والاحتياجات الفعلية للدول الشريكة. فالقوة الناعمة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحول إلى شبكة علاقات نشطة ومؤسسات قادرة على العمل المشترك.
القيادة الأكاديمية
يمثل التعليم والبحث العلمي المسار المؤسسي الذي يضمن استمرار رسالة الأزهر وتطويرها، وهنا تبرز أهمية الدكتور محمود صديق حسن، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، الذي كلفه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في 27 يوليو 2026 بالقيام بأعمال رئيس جامعة الأزهر، لحين تعيين رئيس للجامعة وفقًا للقانون.
وتكتسب هذه المسؤولية أهمية خاصة لأن الجامعة هي الواجهة الأكاديمية التي تتشكل من خلالها تجربة الطلاب الوافدين، وتتحدد عبرها جودة البرامج التعليمية والبحثية، ومدى قدرة المؤسسة على بناء علاقات علمية دولية. فالمكانة التاريخية للأزهر توفر قاعدة قوية، لكن الحفاظ على تنافسية الجامعة يتطلب تطوير المناهج، وتعزيز البحث العلمي، والاهتمام بالكفاءات الأكاديمية، وتوسيع البرامج التي تجمع بين العلوم الشرعية واللغوية والتخصصات المعاصرة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التعاون مع الجامعات الإندونيسية والماليزية مجالًا مهمًا لتطوير برامج مشتركة في الاقتصاد والإدارة واللغات والعلوم الاجتماعية وتحليل البيانات، إلى جانب الدراسات الإسلامية والعربية. كما يمكن توسيع التبادل بين أعضاء هيئة التدريس، وتنظيم المؤتمرات العلمية، وإطلاق مشروعات بحثية تتناول تجارب التنمية في الدول الثلاث، بما يعزز الاستفادة المتبادلة من الخبرات.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ظل التحولات التي يشهدها التعليم العالي عالميًا، حيث لم تعد مكانة الجامعات ترتبط فقط بتاريخها أو عدد طلابها، وإنما أيضًا بجودة البحث العلمي، وقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الشراكات الدولية، والاستجابة لمتطلبات سوق العمل. ومن ثم، فإن تطوير جامعة الأزهر يمثل استثمارًا في قدرتها على مواصلة دورها الحضاري، وتعزيز مكانة مصر في شبكات التعليم والبحث العلمي الدولية.
كما يمكن للجامعة أن تستفيد من شبكة خريجيها في إندونيسيا وماليزيا عبر تطوير آليات للتواصل المهني والأكاديمي، وتنظيم لقاءات دورية للخريجين، وربطهم بمشروعات البحث والتدريب والتبادل العلمي. ويمكن لهذه الشبكات أن تصبح قناة مهمة لتبادل المعرفة والتعريف بالفرص التعليمية والاقتصادية، مع الحفاظ على الطابع العلمي للمؤسسة وخصوصية العلاقات المهنية.
والأهم أن الدور الأكاديمي للدكتور محمود صديق يتكامل مع دور الإمام الأكبر؛ فشيخ الأزهر يقود الرسالة الفكرية والدينية للمؤسسة، بينما تضطلع الجامعة بمسؤولية التعليم والبحث وتأهيل الكوادر، ويمنح هذا التكامل المؤسسة قدرة على الجمع بين المرجعية العلمية والتطبيق الأكاديمي، بما يعزز حضورها الدولي ويجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات المعاصرة.
الشراكة الإندونيسية
تمثل إندونيسيا إحدى أهم دوائر التواصل الآسيوي للأزهر، بالنظر إلى ثقلها السكاني ومكانتها في العالم الإسلامي، فضلًا عن امتداد العلاقات التعليمية والدينية بينها وبين مصر. وقد أشار مسؤولون إندونيسيون في تصريحات منشورة خلال عامي 2024 و2025 إلى أن عدد الطلاب الإندونيسيين الدارسين بالأزهر بلغ نحو 15 ألف طالب. كما أعلن الأزهر في ديسمبر 2024 تدريب 300 إمام إندونيسي من خلال أكاديميته العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ، في إطار التعاون على تطوير التعليم الديني وتأهيل الكوادر.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع العلاقات التعليمية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن الانتقال من التواصل الأكاديمي والدعوي إلى شراكة معرفية ومؤسسية أوسع؟ فالعلاقة التاريخية مع الأزهر يمكن أن تمثل مدخلًا للتعاون في إعداد المعلمين، وتطوير المناهج، وتعزيز البحث المشترك، وتبادل الخبرات بشأن إدارة المؤسسات التعليمية والدينية.
وقد اتخذ التبادل الثقافي بعدًا إضافيًا مع تطوير تعليم اللغة الإندونيسية داخل جامعة الأزهر. ووفق بيانات وزارة التعليم الإندونيسية، اختار 51 طالبًا اللغة الإندونيسية لغة ثانية خلال العام الدراسي 2024–2025، بينما بلغ عدد المتقدمين للبرنامج المتخصص في اللغة والأدب الإندونيسي 350 طالبًا، ويعكس ذلك اتجاهًا نحو جعل التبادل الثقافي أكثر توازنًا، بحيث لا يقتصر على انتقال الطلاب الإندونيسيين إلى مصر، بل يشمل أيضًا التعريف باللغة والثقافة الإندونيسيتين داخل المؤسسات المصرية.
ويحمل هذا التطور دلالة استراتيجية مهمة، لأن تعلم اللغة يمثل إحدى أدوات فهم المجتمع الآخر، وتسهيل التواصل المباشر، وتقليل الحواجز الثقافية التي قد تعوق التعاون. ويمكن البناء على هذه التجربة لتطوير برامج بحثية مشتركة حول الاقتصاد الإندونيسي، وتجارب التصنيع، وسياسات التنمية، والتحول الرقمي، بما يجعل التعاون الأكاديمي أكثر اتصالًا بالأولويات الاقتصادية والاستراتيجية للدولتين.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الأزهر وإندونيسيا يمكن أن تتطور إلى نموذج أوسع للتعاون المعرفي، يجمع بين التعليم الديني واللغوي من جهة، والبحث العلمي ودراسات التنمية من جهة أخرى. ويتيح هذا المسار لمصر تعزيز حضورها المؤسسي في جنوب شرق آسيا، دون اختزال العلاقة في بعدها الديني وحده.
الشراكة الماليزية
تقدم ماليزيا نموذجًا واضحًا لتراكم الروابط التعليمية مع الأزهر عبر أجيال من الطلاب والخريجين، فقد أشار الأزهر إلى أن عدد خريجيه الماليزيين تجاوز 100 ألف خريج منذ استقلال ماليزيا، فيما اقترب عدد الطلاب الماليزيين الدارسين لديه من 7 آلاف طالب وفق بيانات منشورة في يناير 2026. وتكشف هذه المؤشرات عن عمق العلاقة التعليمية، وعن وجود شبكة بشرية واسعة يمكن أن تدعم استمرار التواصل العلمي والثقافي بين البلدين.
وقد اكتسبت هذه العلاقة أهمية إضافية مع زيارة الإمام الأكبر إلى ماليزيا عام 2024، ثم استحضار الرئيس السيسي لدور الأزهر خلال مباحثاته مع رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم في أكتوبر 2026. ففي المؤتمر الصحفي المشترك، أكد الرئيس أهمية الأزهر في تعزيز الوسطية، وأعلن استعداد مصر لتوسيع استقبال الطلاب والوعاظ والمعلمين الماليزيين. كما أشار رئيس الوزراء الماليزي إلى أهمية دور الأزهر في التعليم الديني وتعليم اللغة العربية، وإلى الرغبة في توسيع التعاون الأكاديمي معه.
وتبرز هنا أهمية الربط بين التعاون التعليمي والمصالح الاقتصادية. فماليزيا تمتلك خبرات مؤسسية في التمويل الإسلامي والصناعات الحلال والاقتصاد المعرفي، ويمكن أن تشكل هذه المجالات أرضية لتعاون بحثي وتدريبي مع المؤسسات المصرية. ويستطيع التعاون الجامعي أن يساهم في إعداد الدراسات، وتبادل الخبرات، وتطوير برامج أكاديمية متخصصة، بينما تتولى الجهات الاقتصادية والتنظيمية تحويل النتائج إلى مشروعات قابلة للتطبيق.
كما أن الاتفاق على تعزيز التعاون في التعليم العالي خلال الزيارة الرئاسية يوفر فرصة لتوسيع الشراكات الجامعية، وربط المنح والتبادل الطلابي ببرامج بحثية مشتركة، بما يجعل العلاقة أكثر شمولًا.
ولا يعني ذلك أن الروابط الدينية تؤدي تلقائيًا إلى زيادة التجارة أو الاستثمار؛ فهذه النتائج تتطلب سياسات اقتصادية واضحة، وتسهيل الإجراءات، وتوفير المعلومات، وبناء الشراكات بين الشركات والمؤسسات. لكن الرصيد الثقافي والتعليمي يستطيع أن يؤدي دورًا داعمًا من خلال تعزيز المعرفة المتبادلة، وتوفير قنوات للتواصل، وتوسيع فرص التعاون بين الخبراء والمؤسسات.
الدبلوماسية الاقتصادية
تظهر القيمة الاستراتيجية للأزهر عندما يُنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة القوة الناعمة المصرية، وليس أداة اقتصادية مباشرة. فالمؤسسة لا تتولى الترويج التجاري أو التفاوض على الاستثمارات، لكنها تستطيع أن تسهم في بناء البيئة الثقافية والمعرفية التي تساعد على توسيع العلاقات المؤسسية، وتدعم الثقة بين المجتمعات.
ويمكن ترجمة هذا الرصيد إلى مسارات عملية، من خلال تشجيع الجامعات ومراكز البحث المصرية والآسيوية على تنظيم منتديات تجمع الأكاديميين والخبراء ورجال الأعمال، وتطوير برامج مشتركة في الاقتصاد والتنمية، وتفعيل شبكات الخريجين للتعريف بالفرص التعليمية والمهنية. كما يمكن الاستفادة من العلاقات الأكاديمية في إعداد دراسات مقارنة حول التصنيع والتصدير والتمويل الإسلامي والاقتصاد الرقمي، بما يدعم صانعي القرار والمؤسسات الاقتصادية بالمعلومات والخبرات.
وتكتسب هذه المسارات أهمية خاصة في ضوء التحرك المصري لتوسيع التعاون مع الاقتصادات الآسيوية. فالمباحثات التي تناولت الصناعة والإلكترونيات والطاقة والزراعة والتعليم العالي تتيح مجالًا لتكامل الخبرة الاقتصادية مع المعرفة العلمية، بحيث تتولى الجامعات ومراكز البحث دعم التعاون بالدراسات والتدريب، فيما تتولى الجهات التنفيذية والاقتصادية بناء المشروعات والاتفاقيات.
ويمكن قياس أثر هذا التكامل من خلال مؤشرات واضحة، مثل عدد برامج التبادل العلمي المنفذة، وعدد المشروعات البحثية المشتركة، ومشاركة الجامعات في برامج تدريب الكوادر، وعدد الشراكات المؤسسية التي تتحول إلى مشروعات فعلية. ويساعد هذا النهج على الانتقال من الاحتفاء بالمكانة التاريخية إلى إدارة القوة الناعمة بوصفها رصيدًا يحتاج إلى تطوير وتقييم مستمرين.
التقارب السياسي
تتجاوز أهمية العلاقات المصرية مع إندونيسيا وماليزيا الجانب الاقتصادي إلى وجود مساحات مشتركة للحوار بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقضايا التنمية في الدول النامية، والحوار بين الثقافات، وتعزيز الاستقرار. وتوفر الروابط العلمية والدينية مساحة إضافية لتبادل المعرفة بشأن هذه القضايا، بينما تظل المواقف الحكومية والتنسيق في المحافل الدولية من اختصاص المؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، يمكن للأزهر أن يسهم في تعزيز التواصل الفكري والإنساني، من خلال المؤتمرات والندوات والبحوث المشتركة، وتطوير برامج تستهدف الشباب والباحثين، وتوسيع الحوار حول قضايا التعايش ومواجهة التطرف. وتكمن أهمية هذه الأنشطة في قدرتها على خلق بيئة من المعرفة المتبادلة، تساعد على فهم الاختلافات الثقافية والسياسية، وتدعم استمرار التواصل بين المجتمعات.
أما على المستوى الرسمي، فإن الجولة الآسيوية للرئيس السيسي تتيح فرصًا لتعزيز التنسيق السياسي وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وهو ما يجعل التكامل مع الدبلوماسية الثقافية والتعليمية أكثر أهمية. فالعلاقات الثنائية تصبح أكثر تنوعًا عندما تجمع بين الاتفاقيات الحكومية والتعاون الجامعي والتواصل المجتمعي، بدلًا من الاعتماد على قناة واحدة فقط.
ومن هنا، فإن الدور الأزهري لا يتمثل في توجيه السياسات الخارجية أو تحديد مواقف الدول، بل في دعم البيئة المعرفية والثقافية التي تساعد على التواصل والحوار، وتمنح العلاقات المصرية الآسيوية عمقًا إضافيًا. وهذا التمييز ضروري لفهم حدود القوة الناعمة وإمكاناتها الفعلية.
مستقبل التعاون
يتطلب تعظيم الاستفادة من الدور الدولي للأزهر الانتقال إلى رؤية مؤسسية أكثر تنظيمًا، تجمع بين رسالة الوسطية، وتطوير الجامعة، وتوسيع الشراكات التعليمية والبحثية مع إندونيسيا وماليزيا. ويمكن أن تبدأ هذه الرؤية بتطوير برامج مشتركة في تعليم اللغات، وتبادل أعضاء هيئة التدريس، وتوسيع المنح الدراسية، وإطلاق مشروعات بحثية في الاقتصاد والتنمية والحوكمة، إلى جانب تعزيز تدريب المعلمين والدعاة.
كما يمكن إنشاء آليات منتظمة للتواصل مع خريجي الأزهر في الدولتين، وتطوير لقاءات أكاديمية ومهنية تجمعهم بالمؤسسات المصرية، بما يحول شبكة الخريجين من رصيد تاريخي إلى قناة فعالة للتبادل العلمي والمؤسسي. ويستطيع هذا المسار أن يدعم التعريف بالفرص التعليمية والبحثية، ويعزز التواصل بين الجامعات ومراكز الفكر، ويفتح المجال أمام شراكات جديدة.
ويتطلب ذلك تنسيقًا بين شيخ الأزهر وقيادة الجامعة والجهات المعنية بالطلاب الوافدين والعلاقات الدولية، إلى جانب الوزارات والمؤسسات الاقتصادية المختصة. فالقوة الناعمة لا تحقق نتائجها بمجرد امتلاك المكانة أو السمعة، وإنما من خلال حسن توظيفهما في برامج واضحة، وشراكات مستدامة، ومؤشرات تقيس النتائج وتحدد مجالات التطوير.
الخلاصة الاستراتيجية
تكشف العلاقات المصرية مع إندونيسيا وماليزيا أن الأزهر الشريف يمثل أحد أهم أصول القوة الناعمة المصرية، بما يمتلكه من تاريخ علمي ومكانة دينية وشبكة واسعة من الطلاب والخريجين والمبعوثين. وتؤكد الأرقام المنشورة أن هذا الحضور يمتلك قاعدة بشرية ومؤسسية كبيرة، يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون العلمي والثقافي وتعزيز التواصل مع مجتمعات جنوب شرق آسيا.
ويظل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب محورًا رئيسيا في قيادة رسالة الأزهر الفكرية والدينية، وترسيخ الوسطية والحوار، فيما تمثل جامعة الأزهر، بقيادة الدكتور محمود صديق حسن الذي كُلّف برئاستها لما له من خبره علمية وإدارية، المسار الأكاديمي الذي يمكن من خلاله تطوير هذه المكانة عبر التعليم والبحث العلمي وتأهيل الكوادر.
أما الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد أبرزت أهمية التكامل بين الدبلوماسية الرسمية والروابط الثقافية والتعليمية، خصوصًا مع تأكيد التعاون مع ماليزيا في التعليم العالي، واستعداد مصر لتوسيع استقبال الطلاب والوعاظ والمعلمين. ويتيح هذا التوجه فرصة لتعزيز حضور مصر في آسيا، شريطة أن يتحول إلى برامج تنفيذية تربط العلاقات التاريخية بالمصالح المشتركة.
إن القيمة الحقيقية للأزهر لا تكمن فقط في عراقة تاريخه أو اتساع انتشاره، وإنما في قدرته على بناء الثقة وتعزيز الحوار وتكوين روابط علمية وإنسانية تستمر عبر الأجيال. ومن هنا، فإن الاستثمار في رسالة الوسطية، وتطوير جامعة الأزهر، وتوسيع التعاون مع إندونيسيا وماليزيا، يمثل مسارًا مهمًا لتعزيز الحضور المصري في آسيا، وربط القوة الحضارية بفرص التنمية والشراكة السياسية والاقتصادية.