En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

منصة العلمين الاستثمارية ومستقبل الشراكة الاقتصادية الإفريقية:الفرص والتحديات

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

يمثل منتدى العلمين – إفريقيا للأعمال 2026، الذي استضافته مدينة العلمين الجديدة خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، تطورًا مهمًا في مسار الدبلوماسية الاقتصادية المصرية والإفريقية؛ ليس باعتباره مؤتمرًا للاستثمار بالمعنى التقليدي فقط، وإنما باعتباره محاولة لبناء منصة مؤسسية دورية تربط القرار السياسي برأس المال والقطاع الخاص والمشروعات القابلة للتمويل والتنفيذ. وقد أُنشئت الدورة الأولى باعتبارها منتدى أعمال إفريقيًا دائمًا يُعقد كل عامين في مصر، تنفيذًا لقرار قمة الاتحاد الإفريقي الصادر في فبراير 2026، وبمشاركة الحكومة المصرية والاتحاد الإفريقي ووكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية «أودا–نيباد» والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسم بنك»، وتكتسب المنصة أهميتها من توقيتها، في ظل مواجهة القارة الإفريقية فجوة ضخمة في تمويل البنية التحتية، ونقصًا في تمويل التجارة، وحاجة متزايدة إلى التصنيع، وضعف نسبي في التجارة البينية، بالتزامن مع تصاعد التنافس الدولي على الموارد والأسواق الإفريقية.

التوقيت الاقتصادي

لفهم أهمية المنتدى، يجب النظر أولًا إلى الأرقام، فوفقًا للأونكتاد، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا في 2024 بنسبة 75% لتصل إلى 97 مليار دولار، بما يعادل نحو 6% من الاستثمار الأجنبي العالمي. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة، إذ ارتبط جزء كبير من الزيادة بمشروع رأس الحكمة في مصر، وباستبعاد هذا المشروع ارتفع الاستثمار الأجنبي إلى إفريقيا بنحو 12% فقط ليصل إلى حوالي 62 مليار دولار. والأكثر دلالة أن مصر سجلت وحدها تدفقات بلغت 46.6 مليار دولار في 2024 وفق بيانات الأونكتاد، مقارنة بـ4 مليارات دولار لإثيوبيا، و3.8 مليار دولار لساحل العاج، و3.6 مليار دولار لموزمبيق، و3.3 مليار دولار لأوغندا. وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة الإفريقية ليست غياب الفرص الاستثمارية بقدر ما تتمثل في تحويل تلك الفرص إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ والتوسع، وهو ما يتطابق مع فلسفة المنتدى التي تستهدف الانتقال من صياغة الأولويات إلى حشد الموارد وبناء الشراكات وتنفيذ المشروعات.

الفجوة الاستثمارية

لا تعاني إفريقيا فقط من نقص رؤوس الأموال، وإنما تعاني أيضًا من نقص التمويل طويل الأجل للمشروعات الكبرى، ويقدر البنك الدولي فجوة تمويل البنية التحتية في إفريقيا بأكثر من 100 مليار دولار سنويًا، في الوقت الذي لا يزال أكثر من نصف سكان القارة البالغ عددهم نحو 1.2 مليار نسمة يفتقرون إلى الكهرباء، وفي مجال آخر شديد الأهمية، يقدر أفريكسم بنك فجوة تمويل التجارة الإفريقية بحوالي 100 مليار دولار سنويًا، وهي فجوة تؤثر بصورة خاصة على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل نحو 80 إلى 90% من الشركات في القارة، في حين أن 18% فقط من محافظ تمويل التجارة لدى البنوك الإفريقية كانت موجهة للتجارة البينية الإفريقية وفق التقرير. ومن هنا يمكن لمنصة العلمين أن تؤدي وظيفة اقتصادية تتجاوز فكرة اللقاءات والمؤتمرات، إذا نجحت في الربط بين المشروع والمستثمر والتمويل والضمانات والسوق وسلاسل القيمة والتنفيذ، وهي القيمة الاقتصادية الحقيقية التي يمكن أن تقاس بها المنصة مستقبلًا.

المنصة الجديدة

الجديد في العلمين ليس مجرد إقامة منتدى اقتصادي جديد، وإنما محاولة تحويل المنتدى إلى مؤسسة دورية ذات استمرارية زمنية، فالمنتدى الأول انعقد في أكتوبر 2026، ومن المقرر أن يعقد بصورة دورية كل عامين، بما يعني أن المعيار الحقيقي لنجاحه لن يكون عدد المشاركين في دورة 2026، وإنما ما الذي سيحدث بين دورة 2026 ودورة 2028، وقد ضم المنتدى نحو 1500 مشارك من رؤساء دول وحكومات ومسؤولين ومستثمرين ومؤسسات مالية وقادة أعمال، إلى جانب معرض استثماري لعرض المشروعات والفرص والشركات الإفريقية، كما أعلنت المنصة أن الدورة الأولى تجمع أكثر من 20 من رؤساء الدول والحكومات أو ممثليهم، إلى جانب قيادات مؤسسات مالية إقليمية ودولية وفاعلين في قطاعات استراتيجية. ويعطي ذلك المنتدى كثافة سياسية واقتصادية مهمة، لأنه يجمع الحكومات والمؤسسات المالية والمستثمرين والشركات الكبرى والشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والشركات الناشئة والمؤسسات الإفريقية والدولية في إطار واحد، وهو نموذج يمكن أن يساعد على الانتقال من الحوار المنفصل بين الحكومات إلى حوار يجمع الحكومة ورأس المال والقطاع الإنتاجي.

المحاور الاقتصادية

بحسب أجندة المنتدى والجهات المنظمة، لم تقتصر الموضوعات على الاستثمار التقليدي، وإنما امتدت إلى قطاعات تعكس التحول في الاقتصاد الإفريقي. وتأتي البنية التحتية في مقدمة هذه القطاعات باعتبارها المدخل الأساسي لأي تكامل اقتصادي إفريقي، إذ يمكن للربط بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة وشبكات الاتصالات والمناطق الصناعية أن يخفض تكلفة التجارة ويخلق أسواقًا إقليمية حقيقية، وهو ما يتقاطع مع تقديرات البنك الدولي لفجوة البنية التحتية التي تتجاوز 100 مليار دولار سنويًا.

التجارة الإفريقية

تكتسب التجارة البينية أهمية خاصة ضمن أجندة المنتدى، فقد ارتفعت التجارة بين الدول الإفريقية في 2024 بنسبة 12.4% لتصل إلى 220.3 مليار دولار، بينما ارتفع إجمالي تجارة السلع الإفريقية بنسبة 13.9% إلى نحو 1.5 تريليون دولار، ومع ذلك لا تزال إفريقيا تمثل نحو 3.3% فقط من الصادرات العالمية، وتكشف هذه الأرقام حجم الفرصة المتاحة، فالمطلوب ليس فقط زيادة صادرات إفريقيا إلى الخارج، وإنما بناء سوق إفريقية أكثر تكاملًا، وهنا تأتي أهمية اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA، التي يمكن أن تتحول من اتفاقية تجارية إلى قاعدة لبناء سلاسل إنتاج إفريقية.

سلاسل القيمة

من أهم الأفكار التي تفرض نفسها على المنتدى مسألة القيمة المضافة، فالقارة الإفريقية تمتلك موارد طبيعية هائلة ومعادن استراتيجية وأراضي زراعية ومصادر طاقة وسوقًا سكانية كبيرة وقاعدة شبابية واسعة، لكن المشكلة التاريخية تتمثل في تصدير نسبة كبيرة من الموارد في صورة خام، ثم استيراد المنتجات المصنعة بأسعار أعلى. ولهذا ركز المنتدى على المعادن الحرجة والصناعة والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالتحول العالمي في الطاقة والتكنولوجيا. ويشير الأونكتاد إلى أن الطاقة والبنية التحتية والمعادن الحرجة أصبحت من القطاعات التي تجذب الاستثمار إلى إفريقيا، وإن كانت الفوائد ما تزال مركزة في عدد محدود من الدول والقطاعات. ومن هنا يمكن النظر إلى العلمين باعتباره محاولة لطرح سؤال مختلف يتعلق بكيفية تحول الموارد الإفريقية من مصدر للدخل إلى قاعدة صناعية وإنتاجية.

الاقتصاد الرقمي

يمثل التحول الرقمي والابتكار والتكنولوجيا أحد المحاور المهمة في المنتدى، وهو قطاع شديد الأهمية لأن القارة تستطيع في بعض المجالات تجاوز مراحل التنمية التقليدية والانتقال مباشرة إلى الخدمات الرقمية. وتشير بيانات الأونكتاد إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح من محركات الاستثمار الدولي، بينما سجلت البنية التحتية الرقمية نموًا في الاستثمارات خلال الفترة محل الدراسة. ومن هنا يمكن لمنصة العلمين أن تربط الشركات التكنولوجية المصرية بنظيراتها الإفريقية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية والأمن السيبراني والاتصالات والتكنولوجيا الصحية.

الطاقة المتجددة

تمثل الطاقة أحد أكبر الاختناقات الاقتصادية في إفريقيا، ومن ثم فإن الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين وشبكات الكهرباء والربط الكهربائي وتخزين الطاقة يمكن أن يكون أحد أكبر مجالات الشراكة المصرية الإفريقية. كما أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة يزيد أهمية المعادن الإفريقية، بما يخلق فرصة لإقامة صناعات تحويلية داخل القارة بدلًا من تصدير الخامات فقط.

الاقتصاد الصحي

إدراج الصحة ضمن أجندة الاستثمار مهم للغاية، لأن الاقتصاد الصحي لم يعد مجرد خدمة اجتماعية، وإنما أصبح قطاعًا اقتصاديًا واستثماريًا يشمل الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية والمستشفيات والخدمات الصحية الرقمية والبحث والتطوير وسلاسل الإمداد الدوائية، وهو ما يتفق مع اتجاه الاستثمارات الدولية نحو قطاعات استراتيجية جديدة في إفريقيا.

ريادة الأعمال

يمثل وجود منطقة مخصصة للشركات الناشئة ومشاركة واسعة للشركات الصغيرة والمتوسطة نقطة مهمة في هيكل المنتدى، لأن التنمية الإفريقية لا يمكن أن تعتمد فقط على الشركات العملاقة. فالشركات الصغيرة والمتوسطة هي القاعدة العريضة للاقتصاد الإفريقي، لكنها تعاني من مشكلة التمويل، وهنا تتقاطع المسألة مع فجوة تمويل التجارة البالغة نحو 100 مليار دولار سنويًا. وبالتالي فإن نجاح منصة العلمين في خلق أدوات تمويل للشركات الإفريقية سيكون أكثر أهمية من مجرد عقد جلسات حول ريادة الأعمال.

المكاسب المصرية

يمكن تحليل الفائدة المصرية من المنتدى على أكثر من مستوى، فعلى مستوى الاستثمار، أصبحت مصر بالفعل واحدة من أكبر وجهات الاستثمار في إفريقيا، وقد سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها 46.6 مليار دولار في 2024 وفق الأونكتاد، وهو رقم تأثر بصورة كبيرة بصفقة رأس الحكمة، لكن التحدي يتمثل في تحويل هذا الحجم الاستثنائي إلى استثمار منتج ومتكرر ومستدام، وهنا يمكن لمنصة العلمين أن تدعم ذلك من خلال جذب مستثمرين إلى قطاعات إنتاجية جديدة.

ولا تتمثل المصلحة المصرية فقط في جذب المستثمر الإفريقي إلى مصر، وإنما في أن تصبح الشركات المصرية قادرة على الاستثمار في إفريقيا، بما يشمل المقاولات والطاقة والبنية التحتية والنقل واللوجستيات والاتصالات والصناعات الغذائية والأدوية والسيارات ومكوناتها والخدمات المالية والتكنولوجيا. وقد أكدت الهيئة العامة للاستثمار في 2026 أن مصر تستهدف الانتقال من مجرد التجارة مع إفريقيا إلى شراكات استثمارية وإنتاجية متكاملة وسلاسل قيمة إفريقية.

الواجهة الاستثمارية

هناك بعد آخر لا يقل أهمية عن الاستثمار المباشر، وهو صورة مصر. فاختيار مدينة العلمين الجديدة ليس تفصيلًا جغرافيًا، إذ أصبحت العلمين نموذجًا لمدينة ساحلية حديثة ذات وظائف سياحية واقتصادية واستثمارية، وتضم مركزًا دوليًا للمؤتمرات والمعارض، ووفق بيانات هيئة الاستثمار، تبلغ مساحة مدينة العلمين الجديدة نحو 48 ألف فدان، وتستهدف استيعاب نحو 3 ملايين نسمة بنهاية المرحلة الأولى، بينما يبلغ إجمالي الاستثمارات المستهدفة بالمدينة نحو 185 مليار جنيه، مع مشاركة عشرات الشركات المحلية والأجنبية في تنفيذ مشروعاتها. كما بلغت استثمارات السنة المالية 2024/2025 في العلمين الجديدة نحو 50 مليار جنيه وفق تصريحات رئيس جهاز المدينة، وبالتالي، فإن استضافة منتدى إفريقي اقتصادي رفيع المستوى في العلمين تحقق هدفين متزامنين يتمثلان في تسويق مصر كوجهة استثمارية وتسويق العلمين كمدينة دولية قادرة على استضافة الأحداث الاقتصادية الكبرى.

الدبلوماسية الاقتصادية

استضافة رؤساء دول ومسؤولين ومستثمرين ومؤسسات مالية في مدينة ساحلية حديثة تخلق ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الاقتصادية القائمة على المكان. فالمشارك لا يرى قاعة مؤتمرات فقط، وإنما يشاهد بنية تحتية ومدينة جديدة وشبكة طرق ومناطق عمرانية ومشروعات سياحية ومراكز مؤتمرات وواجهة بحرية واستثمارات عقارية وسياحية، وهو ما يحول المؤتمر نفسه إلى أداة للتسويق الاقتصادي.

التجربة المصرية

تحاول مصر تقديم نفسها باعتبارها بوابة للأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، وتطرح الهيئة العامة للاستثمار مصر باعتبارها مركزًا للإنتاج والتصدير إلى أوروبا والعالم العربي وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية وبنيتها الأساسية، ومن ثم يمكن بناء معادلة اقتصادية تقوم على تحويل الموارد الإفريقية إلى تصنيع واستثمار مصري، ثم بناء سلاسل قيمة إقليمية، وصولًا إلى التصدير للأسواق العالمية، وهي معادلة أكثر أهمية من مجرد زيادة حجم التجارة الثنائية.

التمويل المؤسسي

وجود أفريكسم بنك كشريك رئيسي يعطي المنتدى بعدًا ماليًا وليس سياسيًا فقط، لأن المشكلة في إفريقيا ليست اكتشاف الفرص الاستثمارية، وإنما تحويلها إلى مشروعات قابلة للتمويل Bankable Projects، والمشروع القابل للتمويل يحتاج إلى دراسة جدوى ونموذج مالي وعائد واضح ومخاطر محددة وضمانات وإطار قانوني وجهة تنفيذ ومصدر تمويل، وهذا هو الفارق بين مؤتمر للاستثمار ومنصة للاستثمار. فالمنصة الحقيقية ينبغي أن تنتقل من مجرد القول بوجود فرص استثمارية إلى امتلاك مشروعات جاهزة ومستثمرين وممولين وآلية واضحة لمتابعة التنفيذ.

البداية التاريخية

من المهم التأكيد على أن منتدى العلمين – إفريقيا للأعمال ليس منتدى قديمًا يعود إلى سنوات سابقة، وإنما تأسست دورته الأولى في 2026. فقد جاءت الفكرة في إطار مبادرة مصرية، ثم أقرها الاتحاد الإفريقي في قمة فبراير 2026، على أن يصبح المنتدى فعالية دورية كل عامين في مدينة العلمين الجديدة. وبذلك تمثل 2026 مرحلة التأسيس والدورة الأولى، بينما تمثل 2028 الاختبار الأول للاستمرارية والنتائج، وهي نقطة مهمة جدًا في أي تقييم علمي للمنصة.

الميزة التنافسية

يمكن تحديد ما يميز العلمين عن المؤتمرات الاستثمارية التقليدية في أن النموذج يستهدف الربط بين السياسة والاستثمار والتنفيذ، ويتجاوز النطاق الوطني أو القطاعي إلى نطاق إفريقي عابر للحدود، ويجمع الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والشركات الناشئة، كما أنه لا يقوم على حدث منفرد وإنما على منتدى دوري كل عامين، كذلك تتسع أجندته لتشمل البنية التحتية والتجارة والمعادن الحرجة والاقتصاد الرقمي والصحة والطاقة والصناعات الجديدة، بينما يتمثل المخرج المستهدف في مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ. والهدف المعلن للمنتدى هو مواءمة أولويات السياسات والاستثمار، وتعبئة الشراكات، وتقوية مسارات التمويل، وتعزيز التجارة البينية، ودمج القطاعات الاقتصادية الناشئة، وضمان الاستمرارية والمساءلة.

الفرص الاستثمارية

من منظور اقتصادي، تتوزع أهم الفرص التي يمكن أن تستفيد منها مصر وإفريقيا على عدد من القطاعات المتكاملة، وفي مقدمتها البنية التحتية العابرة للحدود كالطرق والموانئ والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية، والطاقة المتجددة والربط الكهربائي والهيدروجين، والصناعات الغذائية التي تربط الإنتاج الزراعي الإفريقي بالتصنيع والتصدير، والتعدين والمعادن الحرجة المرتبطة بالطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية، إلى جانب التكنولوجيا المالية والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية والأدوية والمستلزمات والمستشفيات والخدمات الرقمية، وصناعة السيارات ومكوناتها وبناء سلاسل التوريد الإفريقية، فضلًا عن اللوجستيات والنقل التي يمكن أن تستفيد منها مصر بصورة خاصة بسبب قناة السويس والموانئ والموقع الجغرافي، إضافة إلى السياحة وخلق منتجات سياحية مشتركة تربط شمال إفريقيا بالأسواق الإفريقية والعالمية.

التحديات الرئيسية

رغم أهمية المنتدى، فإن التحليل العلمي يجب ألا يكتفي بالإيجابيات، فالاختبار الحقيقي للمنصة ليس عدد الرؤساء أو المشاركين، وإنما حجم الاستثمار الذي سيتحول من إعلان إلى تنفيذ، ولذلك تحتاج المنصة إلى نظام متابعة واضح لكل مشروع يتضمن قيمة المشروع والمستثمر والتمويل والجدول الزمني وجهة التنفيذ ونسبة الإنجاز، كما ينبغي تجنب التركيز على المشروعات العقارية وحدها، لأن الاستثمار العقاري مهم لكنه لا يكفي لبناء قاعدة إنتاجية، بينما ينبغي أن تكون الأولوية للمشروعات التي تزيد الإنتاج والتصدير والتشغيل والقيمة المضافة ونقل التكنولوجيا، ويظل التمويل أحد أبرز التحديات، في ظل فجوة تمويل التجارة الإفريقية التي تبلغ نحو 100 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن ضعف التكامل بين الأسواق بسبب اختلاف التشريعات والجمارك والعملات والمعايير والبنية التحتية وأنظمة الدفع، إلى جانب المخاطر السياسية والأمنية التي تؤثر في قرارات الاستثمار طويل الأجل.

قياس النجاح

لا ينبغي قياس نجاح المنتدى بعدد الحضور أو عدد الاتفاقيات فقط، وإنما يمكن بناء مؤشر أداء لمنصة العلمين يقوم على قيمة الاستثمارات التي تم جذبها فعليًا، وعدد المشروعات التي وصلت إلى الإغلاق المالي Financial Close، وعدد المشروعات التي دخلت مرحلة التنفيذ، وعدد الشراكات المصرية الإفريقية العابرة للحدود، وحجم الزيادة في التجارة البينية الناتجة عن المشروعات، وعدد الوظائف والقيمة المضافة التي تم خلقها. وبذلك تصبح دورة 2028 قادرة على الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا تغير في الاقتصاد الإفريقي بين العلمين 2026 والعلمين 2028؟

القيمة الاستراتيجية

من منظور الاقتصاد السياسي، يمكن قراءة منصة العلمين في إطار أوسع من الاستثمار، إذ تحاول مصر بناء موقع لها باعتبارها حلقة وصل بين ثلاثة فضاءات رئيسية هي إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. وتمتلك مصر في هذا السياق مجموعة من المزايا تشمل الموقع الجغرافي وقناة السويس والموانئ وشبكة الطرق والقاعدة الصناعية والسوق المحلية الكبيرة والاتفاقيات التجارية والعضوية في الاتحاد الإفريقي والموقع المؤسسي في المنظومة الإفريقية والخبرة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية. ولهذا فإن الهدف الأكثر استراتيجية لا يتمثل في جذب رأس المال إلى مصر فقط، وإنما في جعل مصر مركزًا لإعادة توزيع الاستثمار والتجارة والإنتاج داخل القارة.

يمكن القول إن منتدى العلمين – إفريقيا للأعمال 2026 يمثل انتقالًا من مفهوم «مؤتمر الاستثمار» إلى محاولة بناء «منصة اقتصادية إفريقية مستدامة»، وتنبع أهميته من تزامنه مع لحظة اقتصادية إفريقية شديدة التعقيد، ارتفع خلالها الاستثمار الأجنبي إلى 97 مليار دولار في 2024، وتجاوزت التجارة الإفريقية 1.5 تريليون دولار، وبلغت التجارة البينية 220.3 مليار دولار، مقابل استمرار فجوة تمويل التجارة عند نحو 100 مليار دولار سنويًا وفجوة البنية التحتية بأكثر من 100 مليار دولار سنويًا.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للمنصة لا تتمثل في استضافة حدث دولي في العلمين، وإنما في قدرتها على تحويل رأس المال الإفريقي والدولي إلى مشروعات إنتاجية عابرة للحدود، وتحويل الموارد الإفريقية إلى سلاسل قيمة، وربط الشركات بالأسواق، وربط المشروعات بالتمويل، أما بالنسبة لمصر، فإن استضافة المنتدى تمنحها فرصة لبناء دبلوماسية اقتصادية أكثر ارتباطًا بالقطاع الخاص والاستثمار والتجارة، وتسويق العلمين الجديدة كواجهة دولية، وفي الوقت نفسه تعزيز موقع الشركات المصرية في الأسواق الإفريقية.

والأهم أن المنتدى يضع مصر أمام مسؤولية جديدة تتمثل في تحويل العلمين من مكان يجتمع فيه صناع القرار والمستثمرون إلى مركز تتولد منه مشروعات إفريقية حقيقية قابلة للتمويل والتنفيذ. وهنا تحديدًا سيكون معيار النجاح الحقيقي في دورة 2028: ليس كم عدد من حضروا العلمين، وإنما كم مشروعًا خرج منها إلى أرض الواقع، وكم دولارًا من الاستثمار، وكم وظيفة، وكم مليار دولار من التجارة الجديدة، وكم سلسلة قيمة إفريقية أصبحت أكثر تكاملًا.

د.محمد الطماوي

د.محمد الطماوي

كاتب وباحث - برنامج دكتوراة الاقتصاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، حاصل على الماجستير في الاقتصاد من الجامعة ذاتها، ودبلوم الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودبلوم الأمن القومي من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا - مدرب معتمد من المجلس الأعلي للجامعات - مدرب معتمد محترف دوليا من جامعة ميزوري الأمريكية وجامعة القاهرة

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.