En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

نحو بناء جيل متميز من الباحثين المصريين (3)

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في المقالتين السابقتين تناولنا أبرز التحديات التي تواجه شباب الباحثين في الجامعات المصرية، وفي المقالة السابقة تحدثنا عن الأسباب التي أثرت على مدى الترابط بين البحث العلمي لشباب الباحثين واحتياجات المجتمع، وتناولنا ثلاثة أسباب من ضمن عدة أسباب أخرى نستكملها في هذا المقال، والأسباب الثلاثة التي تم ذكرها في المقال السابق هي ضعف التوجيه المؤسسي للباحثين عند اختيار الموضوعات والنقاط البحثية، ضعف الحوافز المادية والمعنوية الموجهة نحو تشجيع الباحثين على اختيار موضوعات ترتبط بحل مشكلات المجتمع، ضعف ثقة أصحاب المصلحة في قدرة المؤسسات الأكاديمية على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تواجههم.

 السبب الرابع الذي يؤثر على الترابط بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع هو ضعف التواصل بين الباحثين والقطاعات المستفيدة من نتائج البحث على عكس ما يحدث في دول العالم المتقدم، ففي الجامعات الأوروبية والأمريكية نجد أن معظم الباحثين المسجلين في برامج الدراسات العليا يعملون كباحثين أو استشاريين في مؤسسات الصناعة والإنتاج وقطاعات الاقتصاد المختلفة، ويكون في الغالب سبب استكمالهم للدراسات العليا هو التأهيل العلمي لحل مشكلات تطبيقية في مجال عملهم، وبالتالي هناك تواصل قوي بين الباحثين والجهات المستفيدة.

أما في مصر فنجد أن غالبية طلاب البحث يبحثون في الأصل عن فرص عمل وليسوا على قوة العمل في أي جهة، وبالتالي نجد أن معظم الأسئلة البحثية التي يجيبون عنها هي أسئلة أكاديمية بحتة بعيدة كل البعد عن المشكلات الواقعية، هذا الواقع يخلق مشكلة كبيرة، فهناك آلاف الباحثين في الجامعات المصرية الذين يمكن أن يعملوا على موضوعات يمكن أن تسهم في حل مشكلات حقيقية، لكن الجهات التي تحتاج إلى هذه الحلول قد لا تعرف بوجود هذه الخبرات.

وفي هذا الإطار تبرز مبادرة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي “أستاذ لكل مصنع” وهي مبادرة أطلقتها الوزارة بغرض ربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة، وتحويل المخرجات الأكاديمية إلى حلول عملية، وتمولها هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهي من أهم المبادرات لتعزيز التواصل بين الباحثين وقطاعات الصناعة. حيث يستطيع الأستاذ الذي يتم انتدابه لأحد المصانع التعرف على المشكلات الحقيقية التي تواجه الصناعة ونقلها إلى طلابه من شباب الباحثين للعمل عليها، لكن هذه المبادرة تمثل جزء من الحل وستظل مسألة التواصل بين شباب الباحثين والجهات المستفيدة تحتاج لحلول أخرى. أحد هذه الحلول هو إنشاء وحدات مؤسسية داخل الجامعات والمراكز البحثية لكي تقوم بدور حلقة الوصل بين الباحث والمشكلات الحقيقية في الواقع، وتعمل على تعريف المجتمع والقطاع الخاص بالخبرات البحثية المتاحة داخل الجامعات.

السبب الخامس للمشكلة هو تركيز المحكمين للأبحاث والرسائل العلمية في تقييمهم لمجمل الأداء البحثي للباحث على مخرجات البحث التقليدية، مثل عدد الأبحاث المنشورة، وعدد الاستشهادات العلمية عليها في مجلات دولية، وتصنيف المجلات المنشور فيها الأبحاث، دون إعطاء الوزن المناسب للتأثير المجتمعي لمجمل الأداء البحثي للباحث.

في الحقيقة فإن النشر الدولي والمؤشرات الببليومترية هي مؤشرات كمية هامة في تقييم أي باحث، وهي في الغالب مؤشرات موضوعية بعيدة عن التحيزات والتقييمات المتحيزة، لكن المشكلة فيها هي أنها أصبحت عند البعض غاية نهائية للبحث العلمي وليس الأثر المجتمعي للبحث العلمي .العالم لا ينظر إلى هذه المؤشرات الكمية بتلك الطريقة، ففقد يكون لدينا بحث منشور في دورية دولية مرموقة، لكنه لا يجد طريقه إلى التطبيق، بينما قد يكون لدينا بحث آخر أقل تقييما من حيث المؤشرات الدولية، لكنه ينجح في تطوير طريقة إنتاج، أو خفض تكلفة خدمة، أو تحسين جودة منتج، أو معالجة مشكلة بيئية أو اجتماعية. أيهما افضل؟ العالم يقدر أكثر البحث ذو الأثر المجتمعي حتى لو لم يكن منشورًا في أرقى المجلات.

وقد بدأ المجلس الأعلى للجامعات في إعادة النظر في منظومة التقييم الخاصة بترقيات أعضاء هيئة التدريس بحيث يتم الاعتماد على منظومة تقييم تجمع بين التميز العلمي والأثر المجتمعي، فيتم أخذ براءات الاختراع والمخرجات الابتكارية الأخرى في الاعتبار عند تقييم مجمل أعمال المتقدم للترقية.

السبب السادس للمشكلة، هو ضعف قدرات الباحثين في تحويل المشكلة الحقيقية إلى سؤال بحثي قابل للدراسة والقياس، وهي مهارة تحتاج إلى تدريب على مناهج البحث منذ مرحلة البكالوريوس وفي بداية الالتحاق بالدراسات العليا. فالبحث الجيد لا يبدأ فقط من قراءة الأدبيات السابقة، وإنما يبدأ أيضًا من فهم المشكلة الواقعية، وتحديد أبعادها، وتحليل أسبابها، ثم صياغتها في صورة مشكلة بحثية واضحة يمكن اختبارها علميًا.

ومن هنا يجب ألا يقتصر تدريب الباحث على مناهج البحث والإحصاء والكتابة الأكاديمية، وإنما يجب أن يتضمن أيضًا مهارات تحديد المشكلات، وتحليل الاحتياجات، وتصميم الحلول، وقياس الأثر.

السبب السابع من أسباب الفجوة هو ندرة وجود منصات إلكترونية جامعية تربط بصورة مباشرة بين الباحثين واحتياجات الصناعة ومؤسسات الأعمال والقطاعات الإنتاجية والخدمية، بحيث يمكن من خلالها إتاحة عرض المشكلات والتحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع، وبالتالي تمكّن الباحثين من التعرف على هذه المشكلات والعمل على تقديم حلول علمية لها.

معظم الجامعات العالمية المعروفة تمتلك منصات وقواعد بيانات وآليات رقمية لربط المشكلات المجتمعية الحقيقية بالبحث العلمي الذي ينتجه الباحثون بها. وتقوم الفكرة الأساسية لهذه المنصات على إتاحة عرض المشكلات الحقيقية لأطراف المجتمع، ثم يتم توظيف الخبرات والقدرات العلمية بالجامعة والقادرة على التعامل مع المشكلة وتقديم حلول لها. ومن خلال عرض المشكلات الحقيقية، يستطيع الباحث أن يتعرف على طبيعة المشكلة، وحجمها ومدى انتشارها، والجهات الأكثر تأثرًا بها، والتكلفة الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها، والجهود التي بذلت سابقًا للتعامل معها، والحلول التي تم اختبارها ولم تحقق النتائج المرجوة. وجود هذه المعلومات تساعد الباحث على الانتقال من مجرد دراسة موضوع عام إلى تحديد فجوة بحثية حقيقية يمكن للبحث العلمي أن يسهم في سدها.

هذه المنصات أيضًا يمكنها أن تؤدي دورًا آخر لا يقل أهمية عن الدور السابق ذكره وهو الحد من تكرار الجهود البحثية، من خلال إتاحة المعلومات حول الدراسات والمشروعات التي سبق تنفيذها في الجامعة ومراكزها البحثية، ونتائج هذه الدراسات، والحلول التي قدمتها، والفجوات البحثية التي مازالت لم تعالج. وبذلك يمكن توجيه الباحثين نحو الأسئلة التي لم تجد إجابة بعد، بدلًا من إعادة إنتاج أبحاث تناولت المشكلة نفسها من قبل دون إضافة حقيقية.

أما السبب الأخير لضعف الارتباط بين شباب الباحثين واحتياجات المجتمع، فهو ضعف التمويل الموجه إلى مشروعات بحثية محددة تستهدف حل مشكلات تطبيقية حقيقية. فلا شك أن لدينا في مصر مؤسسات وطنية مهمة تقوم بدعم البحث العلمي، مثل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وكذلك هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهي مؤسسات تلعب دور كبير في توفير تمويلات كبيرة للباحثين والمشروعات البحثية. إلا أن حجم هذه التمويلات لا يسهم إلا في تغطية نسبة محدودة من المشكلات والتحديات الحقيقية التي يواجهها المجتمع. ففي كثير من جامعات العالم المتقدم، تسهم الصناعة والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية ومؤسسات الأعمال في تمويل مشروعات بحثية تستهدف مشكلات محددة تواجهها بالفعل، وهذا التمويل يحقق قدرًا أكبر من الارتباط بين البحث العلمي واحتياجات الواقع؛ لأن الباحث يعمل منذ البداية على مشكلة حقيقية، والجهة الممولة تكون في انتظار نتيجة يمكن الاستفادة منها وتطبيقها. ومن الطبيعي في حال توفر هذه التمويلات أن تتجه أعداد كبيرة من الباحثين إلى الموضوعات والمشكلات الأكثر إلحاحًا من منظور المجتمع، بدلا من اقتراح مشكلات أكاديمية بحتة قد لا تكون مرتبطة بالضرورة بالمشكلات الحقيقية في المجتمع.

في ختام هذا المقال، نؤكد أن البحث العلمي المصري يقدم بالفعل أبحاثًا مهمة ذات جودة عالية وينشر الكثير منها في أرقى المجلات العالمية، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه منظومة البحث العلمي المصري يتمثل في كيفية تعظيم أثر هذه الأبحاث في سد احتياجات المجتمع وتحقيق أولويات التنمية. وهو الأمر الذي لا يمكن ان يتحقق فقط من خلال زيادة عدد الأبحاث أو النشر في الدوريات العلمية، وإنما يتطلب إعادة النظر في كيفية ربط الباحثين بالجهات المستفيدة.

هذا هو التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة، وسوف نتناول في المقالات القادمة، بإذن الله، بعض الحلول والآليات التي يمكن أن تساعد في إعادة توجيه البحث العلمي المصري ليصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع.

أ.د. محمود السعيد

أ.د. محمود السعيد

عالم وأكاديمي مصري، مصنف ضمن أفضل 2% من علماء العالم وفق تصنيف جامعة ستانفورد الأمريكية، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس جامعة القاهرة، كما شغل سابقا منصب عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة، وله إسهامات بارزة في مجال البحث العلمي

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.