لا تقتصر القيمة الاقتصادية لتاريخ الأمم على ما يستقطبه من سياح، أو ما تحتفظ به المتاحف من آثار فهناك قيمة أخرى أكثر اتساعا تتولد عندما تنجح الدولة في تحويل إرثها الحضاري إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار، ومنتجات قادرة على المنافسة، وعلامات تجارية تحمل هويتها إلى الأسواق العالمية، وفي هذه المساحة تحديدا تبرز فرصة استراتيجية أمام الأردن، تتمثل في الانتقال بمشروع السردية الأردنية من توثيق الذاكرة الوطنية وتعزيز حضورها في وعي الأجيال إلى بناء منظومة اقتصادية تستثمر هذه الذاكرة في الصناعات الإبداعية والغذائية والأزياء والسياحة والتصميم والمحتوى الرقمي.
لقد جاء مشروع السردية الأردنية استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، الهادفة إلى توثيق الإرث الحضاري الأردني الممتد عبر العصور، وصياغة رواية وطنية معاصرة تخاطب الأجيال الجديدة بأدوات حديثة، ويمكن لهذا المسار أن يفتح أفقا اقتصاديا إضافيا، إذا ما اقترن بسياسة استثمارية مدروسة تنقل عناصر الهوية من المجال الثقافي إلى دورة الإنتاج، وتربطها بالابتكار والملكية الفكرية والتسويق والتصدير.
الهوية بوصفها أصلا اقتصاديا
في التحليل الاقتصادي لا تتحول الهوية إلى قيمة سوقية لمجرد امتلاك تاريخ عريق، وإنما عندما تتوافر القدرة على تحديد الأصول الثقافية القابلة للتطوير ودراسة الطلب عليها، وتصميم منتجات ذات جودة، وبناء علامة تجارية مميزة، ثم إيصالها إلى الأسواق المستهدفة بكلفة تنافسية وعائد مستدام، وهذه عملية استثمارية متكاملة تتطلب رأس مال وخبرة إدارية وتسويقية ومعرفة بالأسواق، ولا يمكن اختزالها في إطلاق شعار أو إنتاج مجموعة من التذكارات السياحية.
ويمتلك الأردن قاعدة أولية مهمة لهذا التوجه، إذ تضم قائمة التراث العالمي ثمانية مواقع أردنية فيما أدرجت اليونسكو أحد عشر عنصرا مرتبطا بالتراث الثقافي غير المادي للأردن، من بينها المنسف والقهوة العربية والسامر والفضاء الثقافي للبدو في البتراء ووادي رم، إلى جانب عناصر تتصل بالحرف والملابس والممارسات الاجتماعية، وتمثل هذه الأصول مخزونا متنوعا من القصص والتصميمات والمعارف والمنتجات المحتملة، شريطة إخضاعها لدراسة اقتصادية تحدد ما يمكن تطويره تجاريا والأسواق التي يمكن استهدافها، والميزة التي تميز المنتج الأردني عن منافسيه.
والميزة هنا أن الأردن لا يحتاج إلى اختراع هوية تجارية من الصفر، وإنما إلى بناء منظومة تستخرج القيمة الاقتصادية من هويته القائمة، وتحولها إلى منتجات حديثة تحافظ على أصالتها وتستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات المستهلك العالمي.
من الرمز الثقافي إلى العلامة التجارية
تقدم التجربة الأميركية مثالا واضحا على العلاقة بين الثقافة والاقتصاد، إذ انتقلت صورة رعاة البقر والغرب الأميركي من سياقها التاريخي إلى السينما والأزياء والمنتجات الاستهلاكية، وأصبحت الملابس المرتبطة بتلك البيئة جزءا من سوق عالمية لا تقتصر على المستهلكين المهتمين بالتاريخ الأميركي.
وتوضح شركة ليفاي شتراوس هذه الآلية، فقد بدأت قصتها بملابس عمل متينة وحصل مؤسسوها عام 1873 على براءة اختراع لتقوية السراويل بمسامير معدنية، ثم تطورت منتجاتها إلى علامة عالمية مرتبطة بتاريخ الملابس العملية وثقافة الغرب الأميركي، وبحسب بيانات الشركة فقد بلغت إيراداتها الصافية 6.3 مليارات دولار في عام 2025، وتباع منتجاتها في نحو 120 دولة، عبر قرابة خمسين ألف موقع للبيع بالتجزئة.
لا تعني هذه التجربة أن الرمز التاريخي وحده صنع الإيرادات، فالنجاح جاء من تراكم الجودة والتصميم والتوزيع والاستثمار في العلامة التجارية الى جانب الموروث التاريخي، إضافة إلى قدرة الشركة على تطوير منتجات تتجاوز البيئة التي نشأت فيها، وهذه هي النقطة الاقتصادية الأهم بالنسبة للأردن إذ ينبغي ألا يكون الهدف يتوقف على بيع منتج يذكّر المستهلك بالأردن فقط، فالعمل الحقيقي يكمن في بناء علامة أردنية تمنحه سببا فعليا للشراء، سواء تعلق الأمر بالجودة أو التصميم أو الوظيفة أو القيمة الثقافية التي يحملها المنتج.
الدرس الياباني، من الساموراي إلى اقتصاد المحتوى
تقدم اليابان تجربة أكثر عمقا في توظيف التاريخ والثقافة ضمن الاقتصاد الحديث، فقد انتقلت صورة الساموراي من سياقها العسكري والاجتماعي التاريخي إلى السينما والألعاب الإلكترونية والكتب والأزياء والسياحة الثقافية، وأصبحت هذه الصورة جزءا من المحتوى الذي تتداوله الأسواق العالمية، مع ضرورة التمييز بين الوقائع التاريخية والصور الفنية التي أعادت تشكيلها.
لكن الدرس الياباني الأوسع يظهر في صناعة الأنمي والمانغا والألعاب المرتبطة بشكل كبير بالثقافة و التاريخ الياباني حتى و إن ظهرت بشخصيات يغلب عليها الطابع الخيالي، حيث لا يتوقف النشاط الاقتصادي عند إنتاج العمل الفني أو بيعه، وإنما يمتد إلى حقوق البث والتوزيع والترخيص التجاري والألعاب والملابس والمقتنيات والتجارب السياحية، حيث تستطيع الشخصية الواحدة عندما تحقق انتشارا واسعا أن تتحول إلى أصل تجاري تستفيد منه شركات متعددة وعلى مدى سنوات طويلة.
ووفقا لجمعية الرسوم المتحركة اليابانية، بلغ حجم سوق صناعة الأنمي اليابانية بمفهومها الواسع نحو 3.84 تريليون ين في عام 2024، مسجلا نموا سنويا قدره 14.8%، وهو أعلى مستوى مسجل حتى ذلك الوقت، وبلغت قيمة السوق الخارجية 2.17 تريليون ين متجاوزة السوق المحلية البالغة 1.67 تريليون ين، وهذه الأرقام تقيس الإنفاق المرتبط بالسوق الواسعة للأنمي ولا تقتصر على إيرادات شركات الإنتاج وحدها.
ولا يصح اختزال هذه الصناعة في السردية التاريخية اليابانية فقد تم تطوير هذه المنتجات بما يتناسب مع متطلبات السوق لكن دون المساس بقدسية السردية التاريخية، فالأنمي يتناول موضوعات متعددة، من الخيال العلمي إلى الحياة اليومية والرياضة والمغامرة، لكن ارتباطه بالثقافة اليابانية وشخصياتها وقيمها البصرية أسهم في بناء حضور عالمي للمحتوى الياباني، وتؤكد هذه التجربة أن الهوية الثقافية تستطيع أن تشكل أساسا لصناعة تصديرية متكاملة، عندما تتوافر منظومة إنتاج وتمويل وحقوق ملكية فكرية وتوزيع دولي.
ومن منظور أردن، فإن استلهام تاريخ الأنباط أو العمارة الإسلامية أو الحياة البدوية في الأفلام والألعاب والرسوم المتحركة والمنتجات التصميمية يمكن أن يفتح سوقا تتجاوز حدود السياحة التقليدية، غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب الاستثمار في المواهب والتقنيات وحقوق الملكية الفكرية، وتأسيس شراكات مع شركات إنتاج وتوزيع دولية، ودراسة فرص الطلب قبل ضخ الاستثمارات.
الدور الهاشمي وبناء الهوية الوطنية الجامعة
لا يمكن فصل أي تصور اقتصادي للسردية الأردنية عن الدور التاريخي للقيادة الهاشمية في بناء الدولة الحديثة، وصيانة الذاكرة الوطنية وربط الإرث الحضاري بمشروع وطني جامع، فمنذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، ثم الاستقلال وإعلان المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946، تبلورت مؤسسات الدولة وهويتها السياسية والوطنية عبر مسار جمع بين التاريخ العربي والإسلامي وموروث المجتمعات الأردنية، ومبادئ الثورة العربية الكبرى، والتطور المؤسسي للدولة.
وتنبع أهمية هذا الدور في مشروع السردية من أن الهوية الوطنية لا تتشكل من حقبة تاريخية واحدة، و لكنها تتكون من تراكم الحضارات والتقاليد والتجارب الاجتماعية التي أسهمت في تشكيل المجتمع الأردني، وتوفر الدولة الحديثة بمؤسساتها واستمراريتها الإطار الذي يمكن من خلاله توثيق هذا التنوع وتقديمه ضمن رواية وطنية جامعة، تحفظ خصوصية المكونات الثقافية وتربطها بمفهوم المواطنة والانتماء المشترك.
أما اقتصاديا فإن وجود سردية وطنية موثقة ومتسقة يساعد على بناء هوية تجارية واضحة للمنتجات الأردنية، ويمنح المستثمرين والمصممين والمنتجين مرجعية ثقافية يمكن الاستناد إليها في تطوير أعمالهم، وهنا تتكامل وظيفة الدولة في صون التراث وتوثيقه مع وظيفة القطاع الخاص في تطوير المنتجات وتسويقها، من دون الخلط بين الدور الثقافي للدولة والمخاطر التجارية التي ينبغي أن يتحملها المستثمرون وفق دراسات الجدوى.
كيف تبني الدولة بيئة استثمارية لهذا المشروع؟
الخطوة الأولى هي الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية اقتصادية محددة، تتضمن حصر الأصول الثقافية القابلة للتطوير، وتصنيفها حسب القطاعات والأسواق، وتقدير كلفة تحويلها إلى منتجات، وحجم الطلب المتوقع، والقدرة على المنافسة والتصدير، وينبغي أن تشمل الدراسة تحليل سلوك المستهلكين في الأسواق المستهدفة، وحجم المنافسة، وقنوات التوزيع، وهوامش الربح، وحقوق الملكية الفكرية، ومخاطر الاستثمار، بدلا من افتراض أن كل عنصر تراثي قابل تلقائيا للتحول إلى مشروع تجاري ناجح.
والخطوة الثانية تتمثل في تهيئة بيئة استثمارية تساعد على نشوء شركات أردنية قادرة على تطوير علامات تجارية قابلة للنمو، ويشمل ذلك توفير التمويل المبكر، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات، وتطوير حاضنات للصناعات الإبداعية، وربط الجامعات والمصممين والحرفيين بشركات التسويق والتصدير، وتوفير برامج تدريب في إدارة العلامات التجارية والتجارة الإلكترونية والتسعير ودراسة الأسواق.
أما الخطوة الثالثة فهي بناء منظومة متكاملة للملكية الفكرية والمنشأ والجودة، فالمنتجات المستلهمة من التراث تحتاج إلى حماية التصميمات والعلامات التجارية وإلى آليات تمنع الاستخدام التجاري المضلل للرموز الثقافية، وتضمن حصول المجتمعات والحرفيين الذين حافظوا على هذا الموروث على نصيب عادل من القيمة المتولدة عنه. ويمكن تطوير علامات جماعية وشهادات منشأ للمنتجات التي تستوفي معايير محددة، بما يعزز ثقة المستهلك ويحمي السمعة التجارية للأردن.
وتتطلب الخطوة الرابعة اختيار أسواق مستهدفة وفق معايير اقتصادية واضحة، حيث أن اختراق السوق الخليجية قد يناسب بعض المنتجات الغذائية والتصميمية، فيما قد تحتاج الأسواق الأوروبية والأميركية إلى معايير مختلفة للتعبئة والجودة والامتثال التنظيمي، وقد تتيح المنصات الرقمية فرصا للمنتجات الثقافية والألعاب والمحتوى الإبداعي، ولا بد من اختبار المنتجات على نطاق محدود، وقياس استجابة المستهلكين ثم توسيع الاستثمار تدريجيا بناء على النتائج.
ويجب أن تخضع الاستراتيجية لمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل قيمة الصادرات والإيرادات الخارجية لحقوق الملكية الفكرية، وعدد العلامات التجارية التي تنجح في الاستمرار والنمو، والوظائف النوعية التي توفرها، ونسبة القيمة المضافة المحلية، وحجم الدخل الذي يصل إلى المجتمعات المنتجة، فهذه المؤشرات تتيح التمييز بين المبادرة ذات الحضور الإعلامي المؤقت والمشروع الذي يبني قدرة إنتاجية وتنافسية مستدامة.
من توثيق التاريخ إلى صناعة المستقبل
إن الفرصة الاقتصادية التي يتيحها مشروع السردية الأردنية لا تكمن في تحويل التاريخ إلى سلعة، وإنما في بناء قطاع إنتاجي جديد يستمد أفكاره من الهوية الوطنية، ويستخدم أدوات الاقتصاد الحديث للوصول إلى الأسواق العالمية، فالأردن يمتلك رصيدا حضاريا متنوعا وموروثا اجتماعيا حيا، وهوية وطنية تشكلت عبر مسار تاريخي طويل، وما يحتاج إليه هو إطار مؤسسي يحول هذه الأصول إلى منتجات وشركات وعلامات تجارية قابلة للاستمرار والتوسع.
وتقدم التجارب الأميركية واليابانية، إلى جانب التجربة المصرية في السياحة الثقافية، شواهد على تعدد المسارات التي يمكن أن تنتقل عبرها الهوية إلى الاقتصاد، مع اختلاف النماذج والظروف والأسواق، ولا يتمثل المطلوب في استنساخ تلك التجارب، بقدر ما تكمن القيمة المطلوبة في استخلاص آليات نجاحها وتكييفها مع خصوصية الأردن وحجم سوقه وقدراته الإنتاجية.
وعندما تتكامل الرؤية الوطنية التي يعبر عنها مشروع السردية الأردنية مع سياسات الاستثمار والابتكار والتصدير، يمكن أن يصبح التراث مصدرا لفرص اقتصادية تتجاوز القطاع السياحي، وتفتح مجالات أمام الشباب والمبدعين والمستثمرين، وتزيد حضور المنتجات الأردنية في الأسواق الخارجية، وعندها لا تبقى السردية وسيلة لفهم تاريخ الأردن وحفظه فحسب، و لكنها تتجاوزها لتصبح موردا لصناعة مستقبل اقتصادي يحمل هويته إلى العالم، ويحول الاعتزاز بالماضي إلى قيمة مضافة في الحاضر والمستقبل.