En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

تحويلات العاملين.. فرصة ضائعة لخفض أعباء الدين الخارجي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في عالم تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات النامية، لم تعد تحويلات العاملين في الخارج مجرد أموال تصل إلى الأسر لتغطية نفقات المعيشة، وإنما أصبحت أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وأكثر الأدوات قدرة على توفير قدر من المرونة أمام الأزمات المالية والاقتصادية، غير أن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن ارتفاع تحويلات العاملين لا يعني بالضرورة انخفاض الدين الخارجي، بل إن العلاقة بين الاثنين ترتبط بكيفية إدارة هذه التدفقات، وبقدرة الاقتصاد على تحويل الأموال القادمة من الخارج إلى احتياطيات واستثمارات وإنتاج، بدلًا من استهلاكها بالكامل.

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أهمية تحويلات العاملين بصورة واضحة داخل اقتصادات الدول النامية، وأصبحت في بعض الحالات تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد ارتفع متوسط نسبة التحويلات إلى الناتج المحلي الإجمالي عالميًا من نحو 3.3 في المائة عام 2004 إلى 4.3 في المائة عام 2021، بينما سجلت الدول منخفضة الدخل مستويات أعلى نسبيًا، وصلت إلى نحو 6.2 في المائة عام 2022، وتعكس هذه الأرقام تحول التحويلات إلى مورد مالي لا يمكن التعامل معه باعتباره هامشيًا، خصوصًا في الاقتصادات التي تعاني نقصًا في مصادر النقد الأجنبي أو ارتفاعًا في تكلفة التمويل الخارجي.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأموال إلى وسيلة لتعويض اختلالات الاقتصاد بدلًا من أن تكون جزءًا من عملية إصلاحه، فالدولة التي تستقبل مليارات الدولارات من مواطنيها في الخارج يمكن أن تجد نفسها في الوقت نفسه أمام ارتفاع مستمر في الدين الخارجي، لأن التحويلات قد تدخل الاقتصاد ثم تخرج سريعًا في صورة واردات أو إنفاق استهلاكي، دون أن تترك وراءها قدرة إنتاجية جديدة أو احتياطيات كافية أو مشروعات قادرة على توليد موارد بالنقد الأجنبي.

وهنا تبرز أهمية الاحتياطيات الدولية، فالاحتياطي القوي لا يمثل مجرد رقم في حسابات البنك المركزي، وإنما يوفر للدولة مساحة للمناورة عندما تتعرض العملة لضغوط، أو ترتفع فاتورة الواردات، أو تتراجع التدفقات الخارجية، أو تزداد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وكلما استطاعت الدولة تحويل جزء من التدفقات الخارجية إلى احتياطيات، أصبحت قدرتها على امتصاص الصدمات أكبر، وانخفضت حاجتها إلى اللجوء السريع إلى الاقتراض الخارجي في لحظات الأزمات.

وفي المقابل، فإن ارتفاع الدين الخارجي يضع الاقتصاد أمام معادلة أكثر صعوبة. فالدين قد يكون أداة ضرورية لتمويل الاستثمار والبنية الأساسية، لكنه يتحول إلى عبء عندما يستخدم بصورة متكررة لتمويل العجز والاستهلاك وسداد التزامات سابقة دون خلق مصادر جديدة للدخل، ومع وصول الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى نحو 8.8 تريليون دولار في بداية عام 2024، تصبح مسألة تنويع مصادر التمويل الخارجي وإدارة الموارد المتاحة أكثر إلحاحًا، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض وتقلبات الاقتصاد العالمي.

والخطأ الأكبر هو النظر إلى تحويلات العاملين باعتبارها بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي، فالمغترب الذي يرسل جزءًا من دخله إلى أسرته لا يمكن أن يتحول إلى مصدر دائم لتمويل عجز الموازنة أو سد فجوات الاقتصاد، تحويلات العاملين هي نتيجة لعمل وإنتاج خارج الحدود، وليست سياسة اقتصادية يمكن للدولة الاعتماد عليها إلى ما لا نهاية. ولذلك فإن المسؤولية الحقيقية تقع على السياسات التي تحدد كيفية استقبال هذه الأموال وتوجيهها وتوظيفها.

الاقتصاد الذكي ليس هو الذي يجذب أكبر قدر ممكن من التحويلات فقط، وإنما الذي يعرف كيف يحول هذه التحويلات إلى قيمة اقتصادية مضاعفة، جزء من الأموال يمكن أن يتحول إلى مدخرات، وجزء إلى استثمارات، وجزء إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة، وجزء إلى أدوات مالية تدعم الاستقرار النقدي. وكل دولار يتم توجيهه إلى نشاط إنتاجي قادر على توليد دخل أو صادرات جديدة، يختلف تمامًا عن دولار يذهب بالكامل إلى الاستهلاك أو تمويل واردات لا تضيف قدرة إنتاجية للاقتصاد.

وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما ندرك أن تأثير التحويلات ليس واحدًا في جميع الدول، فالاقتصادات منخفضة الدخل لا تمتلك دائمًا الأدوات والمؤسسات التي تمكنها من الاستفادة الكاملة من هذه التدفقات، بينما تمتلك الاقتصادات متوسطة الدخل مساحة أكبر لتنويع مصادر التمويل وإدارة الاحتياطيات واستخدام الأدوات النقدية والمالية. ولذلك فإن قيمة التحويلات لا تتحدد بحجمها فقط، وإنما بالبيئة الاقتصادية والمؤسسية التي تستقبلها.

المعادلة الحقيقية إذن ليست أن زيادة التحويلات تعني بالضرورة انخفاض الديون، وإنما أن التحويلات المستقرة، عندما تقترن باحتياطيات قوية وإدارة رشيدة للدين واستثمار منتج، يمكن أن تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية، وكلما نجحت الدولة في بناء هذه المنظومة، تحولت تحويلات مواطنيها من مجرد مصدر للنقد الأجنبي إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الاقتصادات النامية هو استخدام التدفقات الخارجية لتأجيل مواجهة مشكلاتها الداخلية، فالتحويلات يمكن أن تمنح الاقتصاد وقتًا، والاحتياطيات يمكن أن تمنحه حماية، والقروض يمكن أن تمنحه تمويلًا، لكن لا شيء من ذلك يستطيع أن يحل محل الإنتاج والتصدير والاستثمار والإصلاح المؤسسي. الاقتصاد الذي يعتمد بصورة دائمة على الأموال القادمة من الخارج سيظل معرضًا للصدمات، مهما ارتفع حجم هذه الأموال.

ومن هنا، فإن تحويلات العاملين يجب أن تُقرأ باعتبارها فرصة استراتيجية وليست مجرد مورد مالي. المطلوب ليس فقط زيادة حجمها، وإنما خلق البيئة التي تجعل جزءًا منها يتحول إلى استثمار وإنتاج واحتياطيات، مع تنويع مصادر النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على الاقتراض، فالقوة الاقتصادية لا تقاس فقط بقدرة الدولة على جذب الأموال، وإنما بقدرتها على تحويل الأموال القادمة من الخارج إلى قدرة إنتاجية من الداخل.

وفي النهاية، قد تكون تحويلات العاملين أحد أهم خطوط الدفاع أمام أزمات الدين والعملة، لكنها لن تصبح قوة اقتصادية حقيقية إلا عندما تنتقل من كونها أموالًا تصل إلى الاقتصاد إلى كونها أموالًا تعمل داخل الاقتصاد، وعند هذه النقطة تحديدًا، تتحول تحويلات المغتربين من وسيلة لتخفيف الأزمة إلى أداة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وأكثر استقلالًا في قراره الاقتصادي.

د.مريم وليم

د.مريم وليم

أستاذ الاقتصاد المساعد بالمعهد العالي للدراسات النوعية – مصر الجديدة، حاصلة على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من كلية التجارة بجامعة عين شمس، تتركز اهتماماتها البحثية في مجالي المالية العامة والسياسة النقدية، حيث تقوم بتدريس مقررات الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة منذ العام الأكاديمي 2019/2020 وحتى الآن

مقالات أخرى للكاتب د.مريم وليم

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.