En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

فخ الإنفاق الاستهلاكي في التعليم

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

ليس كل إنفاق على التعليم استثماراً، كما أن ارتفاع تكلفة التعليم لا يعني بالضرورة ارتفاع العائد منه، وهذه ربما تكون واحدة من أهم المفارقات التي يجب أن نتوقف أمامها في النقاش حول مستقبل التعليم في مصر والعالم العربي: كيف يمكن أن تنفق الأسرة والدولة المزيد على التعليم، بينما لا ترتفع بالقدر نفسه إنتاجية الخريج أو قدرته على الحصول على عمل جيد أو مساهمته في الاقتصاد؟ تعود الإجابة في جانب مهم منها إلى التمييز بين الإنفاق الذي يبني رأس المال البشري والإنفاق الذي يستهلكه، فمنذ آدم سميث، ثم بصورة أكثر وضوحاً مع نظريات ثيودور شولتز وغاري بيكر في رأس المال البشري، أصبح التعليم يُنظر إليه باعتباره استثماراً في الإنسان، لأنه يضيف إلى مخزونه من المعرفة والمهارات، ويرفع إنتاجيته ودخله المتوقع مستقبلاً، لكن هذه النظرية لا تقول إن كل إنفاق تعليمي استثمار؛ فالاستثمار لا يُقاس باسم النشاط وإنما بعائده.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته «فخ الإنفاق الاستهلاكي في التعليم»، وهو الوضع الذي تتزايد فيه الأموال التي تنفقها الدولة والأسر على التعليم، بينما لا يتحول هذا الإنفاق بالقدر الكافي إلى معرفة أو مهارة أو إنتاجية أو دخل مستقبلي، يصبح التعليم في هذه الحالة خدمة يستهلكها الفرد، بدلاً من أن يكون أصلاً بشرياً يتراكم عائده عبر الزمن.

وهذا التمييز مهم للغاية، لأن رأس المال البشري يختلف عن أي أصل آخر في الاقتصاد، فالآلة يمكن أن نعرف قدرتها الإنتاجية من كمية ما تنتجه، والعقار يمكن أن نقيس عائده من دخله، لكن التعليم أكثر تعقيداً؛ إذ يعتمد عائده على جودة المعرفة المكتسبة، ومدى ارتباطها بسوق العمل، وقدرة الاقتصاد نفسه على توفير فرص تستثمر هذه المهارات.

وقد قدم غاري بيكر إطاراً مهماً لفهم هذا الأمر من خلال فكرة العائد على الاستثمار في التعليم، فالطالب يتحمل تكلفة مباشرة من رسوم ونفقات، وتكلفة غير مباشرة تتمثل في الدخل الذي كان يمكن أن يحصل عليه لو دخل سوق العمل مبكراً، مقابل توقع زيادة دخله وإنتاجيته في المستقبل، فإذا لم يتحقق هذا العائد، فإن المعادلة الاقتصادية للاستثمار التعليمي تصبح موضع تساؤل.

لكن هناك نظرية أخرى لا تقل أهمية، هي نظرية الإشارة عند مايكل سبنس، التي تفسر جزءاً من قيمة الشهادة بطريقة مختلفة، فالشهادة قد لا تزيد إنتاجية صاحبها بالضرورة بقدر ما تعطي صاحب العمل إشارة عن قدراته أو انضباطه أو قدرته على إتمام مسار تعليمي معين، والمشكلة تبدأ عندما تتحول الإشارة إلى هدف مستقل عن المهارة، عندها يصبح المجتمع في سباق للحصول على شهادات أعلى، ويزداد الإنفاق على التعليم، من دون أن تتزايد بالضرورة القدرات الإنتاجية بالمعدل نفسه.

وهنا نقترب من جوهر المشكلة في بعض أنماط التعليم العربي: قد نكون أمام تضخم في الشهادات أكثر منه تراكم في رأس المال البشري.

فالأسرة قد تنفق على مدرسة دولية، ثم جامعة خاصة، ثم دورات تدريبية، ثم دروس إضافية، ثم برامج مهنية، وكل ذلك على أمل تحسين فرص الابن في سوق العمل، لكن إذا كان الجزء الأكبر من هذه النفقات يذهب إلى الحصول على شهادة أو تحسين المظهر التعليمي بدلاً من بناء مهارات حقيقية، فإن الإنفاق يتحول تدريجياً إلى استهلاك تعليمي مكلف.

وتزداد خطورة الأمر عندما يدخل التمويل الاستهلاكي على الخط، فالاقتراض في ذاته ليس مشكلة اقتصادية، وإنما المشكلة في الأصل الذي يموله الدين، عندما تقترض شركة لشراء آلة جديدة قادرة على زيادة الإنتاج، فإن الدين يمول أصلاً منتجاً يمكن أن يولد تدفقات نقدية مستقبلية، أما عندما تقترض الأسرة لتغطية تكلفة تعليم مرتفعة لا تضيف إلى الابن مهارات تتناسب مع تكلفتها، فإنها تتحمل ديناً حقيقياً في مقابل أصل بشري غير مضمون العائد.

وهكذا يظهر التقاطع بين فخ الإنفاق الاستهلاكي وفخ التمويل الاستهلاكي، الأول يجعل التعليم نفسه أكثر استهلاكية وأقل إنتاجية، والثاني يسمح بتأجيل دفع تكلفة هذا الاستهلاك إلى المستقبل، وفي الحالتين قد تنشأ مفارقة خطيرة: الأسرة تستهلك جزءاً من دخلها المستقبلي اليوم لكي تشتري مستقبلاً أفضل، ثم تكتشف أن الأصل الذي اشترته لا يولد العائد المتوقع.

وفي مصر، تأخذ المسألة شكلاً أكثر تعقيداً بسبب اتساع التعليم الموازي، فالأسرة قد تدفع للمدرسة، ثم تدفع للدروس الخصوصية والمراكز التعليمية، ثم تتحمل تكاليف إضافية للانتقال والتكنولوجيا والأنشطة، ثم تنتقل إلى مرحلة التعليم الجامعي وما يصاحبها من نفقات، المشكلة ليست في كل بند على حدة، وإنما في احتمال تحول مجموع هذه النفقات إلى اقتصاد تعليمي ضخم يستهلك موارد الأسرة دون أن ينتج زيادة مماثلة في رأس المال البشري.

وهذا ما يمكن فهمه أيضاً من خلال مفهوم سوء تخصيص الموارد، فالاقتصاد لا يملك موارد غير محدودة، وكل جنيه يذهب إلى نشاط منخفض العائد يعني أن هناك جنيهاً لم يذهب إلى نشاط آخر قد يكون أعلى إنتاجية، فإذا كانت الجامعات تنفق على التوسع في تخصصات لا يحتاج إليها سوق العمل، بينما تعاني الصناعة من نقص الفنيين والتقنيين، فإن المشكلة لا تكون في نقص الإنفاق على التعليم، وإنما في اتجاه الإنفاق نفسه.

الأخطر أن ظاهرة كهذه قد تنتج ما يسمى «تضخم التعليم»؛ أي ارتفاع المستوى التعليمي المطلوب للحصول على الوظيفة نفسها دون ارتفاع مماثل في الإنتاجية، فيصبح الحصول على شهادة جامعية أمراً ضرورياً لوظيفة كانت في السابق تحتاج إلى تعليم أقل، ثم تصبح درجة الماجستير شرطاً لوظيفة كانت تتطلب البكالوريوس، وهكذا، ينفق المجتمع سنوات إضافية وأموالاً إضافية للحصول على إشارة تعليمية أعلى، بينما لا يتحسن الناتج الاقتصادي بالقدر نفسه.

ومن هنا يمكن تفسير جانب من ظاهرة البطالة بين المتعلمين، المشكلة ليست أن التعليم يؤدي إلى البطالة، وإنما أن نوعية التعليم وتخصصاته ومهاراته قد لا تتوافق مع هيكل الطلب على العمل، وعندما يخرج الاقتصاد ملايين الشهادات في تخصصات متشابهة بينما يحتاج إلى فنيين ومبرمجين ومهندسين تطبيقيين ومتخصصين في التكنولوجيا والخدمات الحديثة، يصبح لدينا اختلال في توزيع رأس المال البشري.

وهذا يقود إلى نتيجة اجتماعية خطيرة أيضاً، فحين يصبح الحصول على تعليم جيد مرتبطاً بقدرة الأسرة على تحمل نفقاته، ثم يصبح تمويل هذه النفقات ممكناً من خلال الاقتراض، يتحول التعليم من أداة للحراك الاجتماعي إلى أحد العوامل التي قد تعيد إنتاج التفاوت، الأسرة الأكثر قدرة تستطيع الاستثمار في تعليم نوعي وتدريب دولي وخبرات عملية، بينما قد تضطر الأسرة المتوسطة إلى الاقتراض للحصول على تعليم لا يضمن بالضرورة العائد نفسه.

الحل إذن ليس تقليل الإنفاق على التعليم، وإنما رفع إنتاجية الإنفاق التعليمي نفسه، يجب أن نعيد تعريف النجاح التعليمي من خلال ما ينتجه الطالب بعد التخرج، وليس فقط من خلال عدد الطلاب أو المباني أو الشهادات، نسبة التشغيل، ومستويات الأجور، والمهارات الرقمية، والبحث التطبيقي، وبراءات الاختراع، والشراكات مع الصناعة، وإنشاء الشركات الناشئة، كلها مؤشرات أكثر قرباً من مفهوم رأس المال البشري الحقيقي.

كما يجب أن يتغير موقع القطاع الخاص في المنظومة التعليمية، فالصناعة لا ينبغي أن تنتظر حتى يتخرج الطالب لتكتشف أنه لا يمتلك المهارات المطلوبة، وإنما يجب أن تشارك في تصميم المناهج والتدريب والبحث التطبيقي، وهنا يمكن للجامعة أن تتحول من مؤسسة تبيع التعليم إلى مؤسسة تنتج المعرفة والمهارة والابتكار.

ولا يقل أهمية عن ذلك إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتكنولوجي، فاقتصاد المستقبل لا يحتاج إلى ملايين الشهادات المتشابهة بقدر حاجته إلى رأس مال بشري متنوع يمتلك مهارات إنتاجية حقيقية، وقد تكون تكلفة تدريب فني متخصص أقل كثيراً من تكلفة سنوات طويلة من التعليم النظري، بينما يكون عائده على الفرد والاقتصاد أعلى.

في النهاية، القضية ليست كم تنفق مصر على التعليم، ولا كم تنفق الأسرة على تعليم أبنائها، وإنما ما الذي يتحول من هذا الإنفاق إلى رأس مال بشري قابل للتراكم، فالإنفاق الذي يبني المعرفة والمهارة والإنتاجية هو استثمار، حتى لو كان مكلفاً، أما الإنفاق الذي يشتري شهادة دون قدرة إنتاجية مقابلة، فهو استهلاك، حتى لو حمل اسم «تعليم».

وحين نمول هذا الاستهلاك بالدين، فإننا لا نحل المشكلة، وإنما نرحّل تكلفتها إلى المستقبل.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تكون الأسرة مستعدة للتضحية اليوم من أجل مستقبل أبنائها، وقد تكون الدولة مستعدة لإنفاق المزيد من المال من أجل بناء اقتصاد المعرفة، لكن إذا لم يتحول هذا الإنفاق إلى رأس مال بشري حقيقي، فإننا لا نبني المستقبل وإنما نستهلك جزءاً منه مقدماً.

فالمدرسة والجامعة لا ينبغي أن تكونا مجرد مكانين يمر فيهما الطالب للحصول على شهادة، وإنما مصنعين لرأس المال البشري، والفارق بين التعليم باعتباره استثماراً والتعليم باعتباره استهلاكاً لا تحدده قيمة المصروفات، وإنما تحدده قيمة الإنسان الذي يخرج من المؤسسة التعليمية وقدرته على إنتاج قيمة جديدة لنفسه ولمجتمعه.

د.مدحت نافع

د.مدحت نافع

خبير وأستاذ في الاقتصاد والتمويل والتنمية المستدامة والحوكمة، حاصل على دكتوراه الاقتصاد من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، يشغل حاليا عضوية ومقرر لجنة الاقتصاد الكلي بالمجلس الاستشاري لرئيس مجلس الوزراء المصري، ورئاسة مجلس إدارة الشركة العربية للسبائك وشركة NYM للاستشارات.

مقالات أخرى للكاتب د.مدحت نافع

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.