في منطقة تتقاطع فيها الحروب والأزمات الجيوسياسية واضطرابات التجارة والطاقة وتبدلات موازين القوى، تبدو تجربة الاقتصاد الأردني جديرة بقراءة تتجاوز المؤشرات التقليدية للنمو والناتج والدخل، فالأردن لم ينشأ في بيئة غنية بالموارد الطبيعية، ولم يمتلك فوائض نفطية أو غازية تمنحه هوامش مالية واسعة لمواجهة الصدمات، كما لم يتحرك خلال العقود الماضية في محيط إقليمي مستقر يسمح له ببناء مسار تنموي متدرج بعيدا عن الاضطرابات، ومع ذلك تمكن من الحفاظ على قدر معتبر من الاستقرار النقدي والمالي والمؤسسي، والاستمرار في تطوير بنيته التحتية، وتعزيز قدراته البشرية، وتوسيع علاقاته الاقتصادية والاستثمارية، بما جعل صموده الاقتصادي ظاهرة تستحق التحليل والفهم.
تكمن خصوصية النموذج الأردني في أن الاقتصاد الوطني خاض خلال السنوات الماضية اختبارا متواصلا لقدرة الدول الصغيرة والمفتوحة على التكيف مع بيئة شديدة التقلب، فمنذ عام 2011 واجه الأردن تداعيات الاضطرابات الإقليمية، وتدفقات لجوء واسعة، واضطرابات في حركة التجارة عبر الحدود، وتراجعا في النشاط الاقتصادي لدى عدد من الأسواق المجاورة، ثم تعرض لاحقا لصدمة جائحة كورونا، وموجات تضخم عالمية، وارتفاعات كبيرة في أسعار الفائدة، وتوترات جيوسياسية انعكست على السياحة والاستثمار وسلاسل الإمداد، ومع ذلك استمرت المؤسسات الاقتصادية الأساسية في العمل، وحافظ النظام النقدي على استقراره، وتمكن الاقتصاد من امتصاص جانب مهم من هذه الصدمات.
وتؤكد البيانات الدولية أن الاقتصاد الأردني حقق نموا حقيقيا بنسبة 2.5% عام 2024، قبل أن يرتفع النمو إلى نحو 2.8% عام 2025، وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فيما يتوقع صندوق النقد أن يبلغ النمو نحو 2.7% خلال عام 2026 في ظل استمرار الضغوط الإقليمية، كما بقي التضخم عند مستويات منخفضة نسبيا، إذ بلغ متوسطه نحو 1.8% عام 2025، وهو مؤشر يعكس قدرة السياسة النقدية على احتواء الضغوط السعرية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة ويتأثر بأسعار الطاقة والغذاء العالمية.
ومن المهم التمييز بين الصمود الاقتصادي وتحقيق الرفاه، فاستقرار الاقتصاد لا يعني بالضرورة أن معدلات النمو بلغت مستويات كافية، أو أن البطالة تراجعت إلى حدود مريحة، أو أن الدخول الحقيقية ارتفعت بما يتناسب مع تطلعات المجتمع، وإنما يعني أن الدولة نجحت في حماية الأسس التي تسمح للاقتصاد بالاستمرار والعمل والتكيف في ظل ظروف صعبة، وهذه النقطة تمنح التجربة الأردنية معناها الأعمق، إذ إن الإنجاز الرئيسي تمثل في تجنب الانهيارات الكبرى، والحفاظ على الثقة النقدية والمصرفية، وتهيئة شروط الانتقال من اقتصاد يدير الأزمات إلى اقتصاد يسعى إلى بناء محركات جديدة للنمو.
لقد كان الاستقرار النقدي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي راكمها الأردن خلال العقود الماضية، فربط الدينار الأردني بالدولار الأميركي، وتوفير احتياطيات أجنبية قوية، والحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي، مثلت جميعها عناصر أساسية لدعم الثقة في الاقتصاد الوطني، وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية القابلة للاستخدام بلغت نحو 20.3 مليار دولار في نهاية عام 2024، قبل أن ترتفع إلى نحو 25.4 مليار دولار خلال عام 2025 وفقا لأحدث تقييماته، مع ضرورة الانتباه إلى أن جزءا كبيرا من الزيادة الأخيرة ارتبط بمكاسب تقييمية غير محققة في حيازات الذهب، وهو ما يستدعي قراءة الرقم ضمن مكوناته لا الاكتفاء بحجمه الإجمالي.
وتتجاوز أهمية الاستقرار النقدي مسألة الحفاظ على سعر صرف ثابت، فهو يوفر للمستثمرين والشركات قدرة أكبر على التخطيط، ويحد من مخاطر تقلبات العملة، ويساعد على حماية القوة الشرائية، ويعزز قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الخارجية، خصوصا في دولة تعتمد على التجارة والتحويلات والسياحة والاستثمار الخارجي، كما أن متانة القطاع المصرفي، وارتفاع مستويات السيولة والرسملة فيه، ساهما في الحفاظ على استقرار الأسواق المالية خلال فترات اتسمت بارتفاع المخاطر الإقليمية والدولية.
غير أن تفسير الصمود الأردني لا يكتمل من خلال السياسة النقدية وحدها، إذ يرتبط أيضا بطبيعة الدولة ومؤسساتها وقدرتها على الحفاظ على استمرارية القرار العام في بيئة إقليمية مضطربة، وهنا يبرز الدور الذي اضطلع به جلالة الملك عبد الله الثاني في تقديم الأردن إلى المجتمع الدولي باعتباره دولة مستقرة وذات موقع استراتيجي وقادرة على بناء شراكات طويلة الأجل، فقد أسهم الحضور الدبلوماسي الأردني في إبقاء المملكة حاضرة في المحافل الدولية والإقليمية، وفي ربط الاستقرار السياسي والأمني بفرص التعاون الاقتصادي والاستثماري، وفي تسويق الأردن بوصفه نقطة اتصال بين أسواق المشرق والخليج وأوروبا، ومنصة يمكن للشركات والمؤسسات الدولية أن تنطلق منها نحو أسواق المنطقة.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الدور باعتباره نشاطا بروتوكوليا منفصلا عن الاقتصاد، فالدول محدودة الموارد والسكان لا تستطيع جذب الاستثمار اعتمادا على حجم السوق وحده، وإنما تحتاج إلى بناء صورة متكاملة عن بيئة الأعمال، والاستقرار التشريعي، والأمن، والقدرة المؤسسية، والاتصال بالأسواق الخارجية، والموثوقية السياسية، وقد ساعد الحضور الدولي للأردن في ترسيخ هذه الصورة، وفي إبقاء المملكة ضمن خرائط الشراكات الاقتصادية والتمويلية الدولية، خصوصا في فترات كانت فيها المنطقة تشهد تحولات حادة ترفع منسوب المخاطر أمام المستثمرين.
وفي موازاة ذلك لم يكن الاستثمار في البنية التحتية خيارا فنيا محدودا، وإنما كان جزءا من عملية بناء القدرة الاقتصادية الوطنية، فشبكات الطرق والمطارات والموانئ والاتصالات والطاقة والمياه تمثل القاعدة التي تستند إليها قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتجارة واستقطاب رؤوس الأموال، ويكتسب ميناء العقبة أهمية خاصة باعتباره المنفذ البحري الرئيسي للمملكة، ونقطة يمكن أن تؤدي دورا متزايدا في حركة التجارة الإقليمية وإعادة الإعمار وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، خصوصا إذا اقترنت هذه الميزة بتطوير الخدمات اللوجستية والإجراءات الجمركية والمناطق الصناعية والقدرات التخزينية.
وتتضاعف قيمة الموقع الجغرافي عندما يقترن بالبنية المؤسسية واللوجستية والقدرة على تقديم الخدمات، فالموقع وحده لا ينتج ميزة تنافسية ما لم تدعمه موانئ فعالة، وطرق آمنة، وإجراءات جمركية مرنة، وخدمات مالية وتأمينية، ومناطق صناعية ولوجستية قادرة على استيعاب النشاط الاقتصادي، ولهذا فإن الرهان الأردني ينبغي أن يتجه نحو تحويل المملكة إلى منصة للتخزين وإعادة التصدير والخدمات الهندسية والصيانة والتصنيع والخدمات الرقمية، بما يسمح بتحويل الجغرافيا من عامل ثابت إلى قيمة اقتصادية متجددة.
ومن أبرز التحولات الهيكلية التي شهدها الأردن خلال السنوات الأخيرة التطور المتسارع في قطاع الطاقة، فقد كانت المملكة تاريخيا شديدة الحساسية لتقلبات أسعار النفط والغاز نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد، وما يترتب على ذلك من ضغوط على الحساب الجاري وتكاليف الإنتاج والمالية العامة، غير أن مساهمة مشاريع الطاقة المتجددة في مزيج توليد الكهرباء ارتفعت من نحو 0.5% عام 2014 إلى حوالي 26.9% في نهاية عام 2024، وفقا لوزارة الطاقة والثروة المعدنية، كما بلغت القدرة المركبة لمشاريع الطاقة المتجددة على الشبكة نحو 2.84 جيجاواط، وهو تحول مهم في اقتصاد طالما ارتبط أمنه الطاقي بتقلبات الأسواق الخارجية.
ويمنح هذا التحول الأردن فرصة لتقليص تعرضه لصدمات الطاقة، وتحسين تنافسية بعض القطاعات الإنتاجية، وتطوير استثمارات جديدة في كفاءة الطاقة وتخزين الكهرباء والصناعات الخضراء والهيدروجين الأخضر، غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات تتطلب تحديث الأطر التشريعية والتمويلية، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وربط مشاريع الطاقة المتجددة باحتياجات الصناعة والمياه والنقل، حتى تتحول الطاقة النظيفة من إنجاز قطاعي إلى رافعة للنمو الاقتصادي.
كما يمثل القطاع الصناعي أحد المكونات الأساسية في بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد القيمة المضافة، فقد طور الأردن قاعدة صناعية في مجالات الأدوية والكيماويات والأسمدة والتعدين والصناعات الغذائية، وهي قطاعات تمنح الاقتصاد قدرة نسبية على التصدير والوصول إلى الأسواق الخارجية، وتقلل من الاعتماد على النشاط الخدمي وحده، وتكشف تجربة الصناعات الدوائية بصورة خاصة عن أهمية رأس المال البشري والمعرفة والالتزام بالمعايير الفنية في بناء ميزة تنافسية داخل اقتصاد محدود الموارد الطبيعية، فالقيمة الاقتصادية يمكن أن تنشأ من القدرة على تطوير المواد الخام وتصنيعها وتسويقها ضمن سلاسل إنتاج ذات قيمة أعلى.
وفي هذا السياق يكتسب رأس المال البشري أهمية مركزية في التجربة الأردنية، إذ شكل التعليم والجامعات والتدريب المهني والقدرات الطبية والهندسية والتكنولوجية أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للمملكة، كما ساعد انتشار الكفاءات الأردنية في الأسواق العربية والدولية على تعزيز تدفقات التحويلات والخبرات والعلاقات التجارية، وقد بلغت تحويلات العاملين إلى الأردن ما يعادل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 وفقا لبيانات البنك الدولي، وهو ما يوضح الوزن الاقتصادي لهذه القناة الخارجية، ويؤكد أهمية ربط التعليم والتدريب باحتياجات القطاعات القابلة للتصدير، مثل الصحة والتعليم وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية.
ومع ذلك فإن القراءة المتوازنة لمسيرة الاقتصاد الأردني تبرز أهمية مواصلة العمل على معالجة عدد من التحديات الهيكلية، وفي مقدمتها البطالة ومحدودية الموارد الطبيعية وتحديات المياه، فقد أشار البنك الدولي إلى أن معدل البطالة بين الأردنيين بلغ نحو 21.4% في الربع الثالث من عام 2025، ، وهي مؤشرات تكشف أن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بزيادة الناتج، وإنما بقدرة النمو على خلق وظائف منتجة ودمج شرائح أوسع من السكان في النشاط الاقتصادي.
ويمثل الدين العام أحد الملفات المحورية في مسار تعزيز الاستدامة المالية للاقتصاد الأردني، الأمر الذي يستدعي مواصلة إدارته ضمن رؤية متدرجة توازن بين متطلبات الضبط المالي واحتياجات النمو والتنمية، ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي فقد بلغ إجمالي الدين الحكومي المضمون بعد خصم حيازات مؤسسة الضمان الاجتماعي، نحو 83.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مع توقعات بانخفاض هذه النسبة إلى نحو 79.9% بحلول عام 2028، في إطار برنامج تدريجي لتوطيد المالية العامة.
ولا تقتصر أهمية هذا المسار على خفض مؤشرات المديونية فحسب، حيث تمتد إلى تعزيز قدرة المالية العامة على استيعاب الصدمات المستقبلية، وتوسيع الحيز المتاح أمام الإنفاق التنموي والاستثماري، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي ذي الأولوية، ومن هنا تبرز أهمية مواصلة تحسين كفاءة الإنفاق، وتنمية الإيرادات، وتعزيز كفاءة المرافق العامة، وربط الإصلاح المالي بتحفيز الاستثمار والنمو وتوفير فرص العمل، بما يضمن أن تسهم جهود خفض الدين في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي ودعم آفاق التنمية على المدى الطويل.
ومن هنا تأتي أهمية رؤية التحديث الاقتصادي 2033، التي يفترض أن تنقل مركز الثقل من إدارة الاستقرار إلى بناء اقتصاد يقوده الاستثمار والإنتاج والتصدير والإنتاجية، فنجاح الرؤية لا يقاس بعدد المبادرات أو حجم المشاريع المعلنة، وإنما بقدرتها على تغيير هيكل الاقتصاد، وتوسيع قاعدة القطاعات القابلة للتصدير، وتحسين إنتاجية العمل ورأس المال، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط الإنفاق على البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا بعوائد اقتصادية قابلة للقياس، فالتحدي الحقيقي أمام الأردن يتمثل في تحويل الاستقرار المتحقق إلى نمو أسرع وأكثر شمولا وقدرة على تحسين مستويات المعيشة.
تقدم التجربة الأردنية نموذجا اقتصاديا يعكس أهمية حسن إدارة الموارد، وبناء المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، والاستفادة من الموقع الجغرافي والعلاقات الدولية في دعم مسيرة التنمية، فقد تمكن الأردن من ترسيخ قاعدة اقتصادية حافظت إلى حد كبير على استمراريتها في ظل ظروف إقليمية متقلبة، وراكم مجموعة من المقومات التي يمكن أن تشكل أساسا لمرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، وتبقى مواصلة البناء على هذه المكتسبات مرهونة بتطوير الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وترسيخ وضوح الأولويات التنموية، بما يحقق ترابطا أكبر بين الاستثمار والنمو وتوفير فرص العمل.
وفي المحصلة فإن القيمة الحقيقية للنموذج الأردني تكمن في إثبات إمكانية بناء قدر من الاستقرار والقدرة على الصمود داخل بيئة شديدة التعقيد، وفي تحويل الحضور السياسي والدبلوماسي، والبنية التحتية، ورأس المال البشري، والاستقرار النقدي، إلى عناصر يمكن أن تؤسس لاقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ويبقى الرهان المقبل هو الانتقال من اقتصاد نجح في مواجهة العواصف إلى اقتصاد يستطيع استثمار مرحلة ما بعد العاصفة، وتحويل الثقة المتراكمة إلى فرص عمل واستثمارات وصادرات وتحسن ملموس في حياة المواطنين.