En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

الرباعية الإقليمية.. هل تتشكل نواة جديدة لإدارة أزمات الشرق الأوسط؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم يعد اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان مجرد لقاء دبلوماسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل بات يعكس مسارًا إقليميًا آخذًا في التشكل، خصوصًا مع تكرار اجتماعات هذه الصيغة خلال العام الجاري. فقد جاء اجتماع نيويورك في 21 سبتمبر 2026 بعد اجتماع القاهرة في يونيو، وفي ظل تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الخليج واليمن والبحر الأحمر، بما يجعل الاجتماع جزءًا من محاولة أوسع لإيجاد قنوات إقليمية للتشاور في مواجهة أزمات متشابكة لم تعد حدودها الجغرافية واضحة. وقد أكدت الدول الأربع استمرار التنسيق والتشاور لدعم السلام والأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.

لحظة إقليمية

تكتسب الرباعية أهميتها من توقيتها قبل أي شيء آخر، فالشرق الأوسط يعيش مرحلة تتقاطع فيها أزمات غزة واليمن والسودان وأمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية، بينما تتداخل الأبعاد الأمنية مع المصالح الاقتصادية والطاقة والتجارة. وبالتالي، لم يعد من الممكن التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا؛ فالتوتر في اليمن ينعكس على أمن السعودية والبحر الأحمر، واضطراب الملاحة يؤثر في التجارة العالمية وقناة السويس، بينما يرتبط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي والأمن القومي المصري، وفي هذا السياق، جاءت دعوة الدول الأربع إلى تغليب الحوار والدبلوماسية باعتبارهما الطريق إلى تسويات مستدامة للأزمات.

تركيبة ذات دلالة

تكمن خصوصية الرباعية في تركيبتها الجغرافية والسياسية. فمصر تمثل ثقلًا عربيًا ومحورًا أساسيًا في قضايا البحر الأحمر وفلسطين والسودان، بينما تمثل السعودية مركز ثقل خليجيًا واقتصاديًا وسياسيًا مهمًا. وتضيف تركيا وزنًا إقليميًا وموقعًا جيوسياسيًا يربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، في حين تمنح باكستان المجموعة امتدادًا آسيويًا وإسلاميًا وأمنيًا. ومن ثم، فإن اجتماع الدول الأربع يخلق مساحة تشاور تتجاوز الأطر العربية التقليدية، وتجمع بين شرق المتوسط والخليج والبحر الأحمر وجنوب آسيا، وهي مناطق أصبحت مترابطة بصورة متزايدة في حسابات الأمن والطاقة والتجارة.

قلب المعادلة

وجود مصر والسعودية معًا داخل هذا الإطار يمثل أحد أهم عناصر ثقله السياسي. فالقاهرة والرياض ترتبطان مباشرة بأغلب الملفات التي تشكل جوهر الأمن الإقليمي، من فلسطين واليمن إلى البحر الأحمر والسودان، كما أن التنسيق بينهما داخل صيغة تضم تركيا وباكستان يوسع دائرة الحوار من الإطار العربي إلى إطار إقليمي أرحب، وتزداد أهمية الدور المصري في ضوء استضافة القاهرة للاجتماع السابق في يونيو، ثم استضافة البعثة المصرية في نيويورك للاجتماع الأخير، بما يعكس استمرار الحضور المصري في دفع هذا المسار التشاوري.

أمن السعودية

جاء اجتماع نيويورك في ظل تطورات أمنية جعلت قضية حماية السعودية وأمن الخليج في مقدمة الأولويات، فقد أكدت الدول الأربع دعمها لأمن المملكة وحقها في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، في سياق الهجمات المنسوبة إلى جماعة الحوثيين، لكن أهمية الموقف لا تتوقف عند التضامن السياسي مع السعودية، وإنما تمتد إلى ربط أمن المملكة بأمن الملاحة الإقليمية، وهو ما يحول التهديدات في الخليج والبحر الأحمر من قضايا أمنية محلية إلى قضية إقليمية ذات تداعيات دولية.

أمن الممرات

هنا تظهر أهمية مصر بصورة خاصة، فقد شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة ضمان حرية الملاحة الكاملة والآمنة، باعتبارها ركيزة لاستقرار الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية، وهذه الرؤية تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الأمن الإقليمي؛ فالبحر الأحمر لم يعد مجرد مساحة جغرافية ذات أهمية عسكرية، وإنما أصبح جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل في الملاحة يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما يجعل استقرار البحر الأحمر مصلحة مشتركة لمصر والسعودية والقوى الاقتصادية الكبرى.

اليمن والحل السياسي

يمثل اليمن الحلقة التي تربط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، ولذلك جاء تأكيد الرباعية دعم الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي والدفع نحو عملية سياسية وحوار يمني شامل، واللافت أن التعامل مع اليمن لم يأت منفصلًا عن قضية الملاحة؛ لأن التطورات داخل اليمن أصبحت ذات تأثير مباشر على أمن البحر الأحمر وباب المندب وعلى حركة التجارة الدولية. ومن هنا، فإن أي مقاربة إقليمية جادة للأزمة اليمنية تحتاج إلى الجمع بين دعم المسار السياسي ومعالجة التداعيات الأمنية والاقتصادية للصراع.

قلب المشهد

تظل القضية الفلسطينية عنصرًا مركزيًا في أي صيغة تستهدف إعادة ترتيب الأمن الإقليمي. فقد أكدت الدول الأربع دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة، وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن مصر والسعودية وتركيا وباكستان تشارك أيضًا في تحركات أوسع بشأن غزة، بما يعكس تعدد مستويات التنسيق الإقليمي وعدم اقتصار التحرك على الرباعية وحدها.

البعد الإفريقي

يمثل السودان بالنسبة إلى مصر امتدادًا مباشرًا للأمن القومي، لكن أهميته تتجاوز ذلك إلى أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ولذلك فإن تأكيد الرباعية دعم سيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، ورفض الكيانات الموازية التي تقوض مؤسسات الدولة، يفتح الباب أمام رؤية أوسع للأمن الإقليمي تمتد جنوبًا من الخليج والبحر الأحمر إلى العمق الإفريقي، وهنا يمكن لمصر أن تضيف إلى أجندة الرباعية منظورًا مختلفًا يقوم على الربط بين أزمات الشرق الأوسط والاضطرابات في شمال شرق إفريقيا.

توسيع الدائرة

إدخال تركيا وباكستان إلى جانب مصر والسعودية يمنح الرباعية طبيعة مختلفة عن الترتيبات العربية التقليدية. فتركيا تمتلك علاقات واسعة مع أطراف إقليمية متعددة، بينما ترتبط باكستان بعلاقات استراتيجية مع السعودية ولها موقع جيوسياسي حساس في جنوب آسيا. كما أن التطورات الأخيرة في العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان تضيف طبقة أمنية جديدة إلى المشهد، وإن كانت الرباعية نفسها لا تمثل، وفق الإطار المعلن عنها، تحالفًا دفاعيًا جماعيًا، ولذلك ينبغي النظر إليها حاليًا باعتبارها منصة للتشاور والتنسيق السياسي الإقليمي أكثر من كونها حلفًا عسكريًا.

شبكات التنسيق

تكشف الرباعية عن اتجاه أوسع في المنطقة يتمثل في الانتقال من مفهوم التحالفات الجامدة إلى شبكات أكثر مرونة من الشراكات والتنسيق. فالدول لم تعد مضطرة بالضرورة إلى وضع نفسها داخل معسكر واحد في جميع الملفات، وإنما تستطيع بناء ترتيبات مختلفة وفق طبيعة القضية. وقد يكون هذا النموذج أكثر ملاءمة للشرق الأوسط الذي تتداخل فيه المصالح بصورة معقدة، حيث يمكن للدولة نفسها أن تتعاون مع طرف في ملف اقتصادي، وتختلف معه في ملف أمني، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال سياسية معه.

الاقتصاد يدخل معادلة الأمن

أحد أهم التحولات التي تكشفها الرباعية هو تراجع الفصل التقليدي بين الأمن والسياسة والاقتصاد، فأمن الملاحة يؤثر في قناة السويس، وقناة السويس مرتبطة بالتجارة العالمية، والتجارة مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد، والطاقة مرتبطة بالاستقرار السياسي في الخليج، وبالتالي فإن حماية الممرات البحرية أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي، بينما أصبحت الأزمات السياسية مصدرًا محتملًا للصدمات الاقتصادية. وهذه المعادلة تمنح مصر والسعودية مصلحة مشتركة في بناء مقاربة تربط الأمن الإقليمي بالاستقرار الاقتصادي.

د.إسماعيل تركي

د.إسماعيل تركي

نائب رئيس المركز، من الباحثين المهتمين بمجال العلوم السياسية والدراسات البحثية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وتتركز اهتماماته في البحث والتحليل السياسي

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.