En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

فاطمة الزهراء المنصوري.. كيف وصلت أول امرأة إلى رئاسة حكومة المغرب؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية في 29 سبتمبر 2026 نقطة تحول سياسية ومؤسسية في تاريخ المملكة، ليس فقط لأنها أصبحت أول امرأة تتولى هذا المنصب، وإنما لأن وصولها إلى رئاسة الحكومة جاء في أعقاب انتخابات تشريعية أعادت ترتيب الخريطة الحزبية، ووضعت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب بـ97 مقعدًا من أصل 395. وبموجب الفصل 47 من الدستور، عيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.

لحظة تاريخية

يحمل التعيين دلالة تتجاوز البعد الرمزي المرتبط بوصول امرأة للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة المغربية؛ فهو يأتي في سياق تراكم سياسي شهد خلال السنوات الماضية توسع حضور المرأة في مواقع صنع القرار، ويضع المنصوري أمام مسؤولية إدارة السلطة التنفيذية في مرحلة تتداخل فيها الملفات الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات السياسية والاستحقاقات الدولية الكبرى.

وقد أكدت المنصوري عقب استقبالها من الملك أن العمل سيبدأ مباشرة، مشيرة إلى أن مهمتها تتمثل في اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات الملك والمواطنين، في إشارة إلى أن لحظة التعيين ليست نهاية مسار وإنما بداية عملية سياسية ودستورية جديدة.

مسار متدرج

لا تبدو المنصوري شخصية وصلت إلى رئاسة الحكومة من خارج المؤسسات؛ فقد تشكل مسارها السياسي عبر مستويات متعددة، بدأت بالممارسة القانونية، ثم العمل السياسي والمحلي، قبل الانتقال إلى البرلمان والحكومة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة.

ولدت المنصوري في مراكش عام 1976، وحصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم درست قانون عقود الأعمال في جامعة مونبلييه، وحصلت على شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية. وفي 2009 أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الجماعي لمراكش، ثم انتُخبت عضوًا في مجلس النواب لدورتين، قبل أن تنتقل إلى العمل الحكومي.

خبرة تنفيذية

بين عامي 2021 و2026، تولت المنصوري وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي حقيبة ترتبط بصورة مباشرة بالتنمية الحضرية، والإسكان، والتخطيط المجالي، وسياسات الدولة تجاه المدن والمناطق.

وتشير البيانات التي نشرتها المنصوري حول تجربتها الوزارية إلى استفادة أكثر من 108 آلاف شخص من برنامج الدعم المباشر للسكن حتى يونيو 2026، وإعادة بناء أو إصلاح أكثر من 54 ألف مسكن بعد زلزال الحوز، فضلًا عن إعلان 62 مدينة خالية من أحياء الصفيح خلال 2025 و2026 والموافقة على 444 وثيقة للتعمير خلال الفترة 2021-2026. وهذه أرقام صادرة عن فريق المنصوري نفسه، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها عرضًا رسميًا لسجل المرحلة لا تقييمًا مستقلًا لأثر تلك السياسات.

صعود حزبي

تزامن المسار التنفيذي مع صعود المنصوري داخل حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس عام 2008، وأصبحت منذ فبراير 2024 منسقة للقيادة الجماعية للحزب إلى جانب المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي.

وهنا تبرز خصوصية التجربة؛ فالمنصوري لا تدخل رئاسة الحكومة باعتبارها شخصية تكنوقراطية مستقلة، وإنما باعتبارها قيادية حزبية جاءت من حزب تصدر الانتخابات التشريعية، وهو ما يربط نجاح المرحلة المقبلة بقدرتها على الانتقال من قيادة الحزب إلى إدارة ائتلاف حكومي متعدد الأطراف.

خريطة برلمانية

أفرزت انتخابات 23 سبتمبر 2026 مشهدًا برلمانيًا جديدًا، تصدره حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، في مجلس يضم 395 مقعدًا. وبلغت نسبة المشاركة المعلنة 38.02%.

وتعني هذه النتائج أن الحزب المتصدر لا يمتلك بمفرده الأغلبية المطلقة؛ إذ يحتاج تشكيل أغلبية برلمانية إلى 198 مقعدًا. ومن ثم فإن المهمة الأولى أمام المنصوري ليست فقط اختيار الوزراء، وإنما بناء تركيبة سياسية قادرة على تأمين الثقة البرلمانية وتمرير البرنامج الحكومي.

وتنص الآلية الدستورية على أن رئيسة الحكومة تقترح أعضاء الحكومة على الملك، ثم يقدم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، قبل أن تحصل الحكومة على ثقة مجلس النواب.

هندسة التحالفات

تكتسب المشاورات الحكومية أهمية خاصة لأن النتيجة الانتخابية أوجدت برلمانًا متعدد القوى، ما يجعل صياغة الأغلبية عملية تفاوض سياسي تتعلق بتوزيع المسؤوليات والأولويات الحكومية، وليس بمجرد جمع عدد كافٍ من المقاعد.

وهنا سيكون شكل الائتلاف وتماسكه عاملًا مؤثرًا في قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها. فالحكومة التي تستطيع الحصول على الأغلبية البرلمانية تحتاج أيضًا إلى درجة من الانسجام الداخلي حتى لا تتحول التباينات بين الأحزاب المشاركة إلى عائق أمام القرارات الاقتصادية والاجتماعية.

برنامج اقتصادي

دخل حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات ببرنامج للفترة 2027-2031 يتضمن خمسة مواثيق و20 التزامًا قابلًا للقياس، مع تقدير إضافي للكلفة يبلغ نحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، وفق البرنامج المنشور من الحزب. ويتوزع البرنامج على ميثاق للقدرة الشرائية بقيمة 150 مليار درهم، وميثاق لإدماج الشباب بقيمة 50 مليارًا، وميثاق للمواطنة بـ100 مليار، وميثاق للأمان بـ50 مليارًا، إلى جانب استهداف متوسط نمو سنوي يبلغ 5%.

وتضع هذه الأرقام الحكومة المقبلة أمام معادلة اقتصادية دقيقة: تنفيذ التزامات مالية واجتماعية واسعة مع الحفاظ على الاستدامة المالية، وتحويل الإنفاق العام من مجرد بنود في الموازنة إلى نتائج ملموسة في التشغيل والخدمات ومستوى المعيشة.

معركة التشغيل

يأتي التشغيل في مقدمة الملفات التي يمكن أن تحدد طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصًا مع التركيز الكبير في البرنامج الانتخابي على إدماج الشباب. فالمشكلة لا ترتبط فقط بعدد الوظائف الجديدة، وإنما بقدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف مستقرة وذات قيمة مضافة، وبمدى توافق التعليم والتكوين مع احتياجات سوق العمل.

وتطرح المنصوري نفسها في هذا الملف من خلال تصور يبدأ بالتعليم والتكوين ثم الولوج إلى سوق العمل، وهو ما يعكس محاولة لربط سياسة التشغيل بالمنظومة التعليمية بدل التعامل معها باعتبارها قضية منفصلة.

القدرة الشرائية

تمثل القدرة الشرائية محورًا آخر في البرنامج الحكومي المنتظر، خاصة أن السياسة الاجتماعية أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد المكونات الأساسية للنقاش العام في المغرب.

ويتمثل التحدي في إيجاد توازن بين دعم الأسر وتحسين الدخل من جهة، والحفاظ على قدرة المالية العامة على تمويل البرامج الاجتماعية من جهة أخرى. ولذلك فإن تقييم السياسة الجديدة لن يرتبط بحجم الإنفاق وحده، وإنما بمدى وصول أثره إلى الفئات المستهدفة واستدامته على المدى المتوسط.

الدولة الاجتماعية

تطرح المنصوري مفهوم الدولة الاجتماعية باعتباره سياسة ينبغي أن يشعر المواطن بأثرها المباشر، وليس مجرد إطار نظري. وفي تصريحاتها خلال الحملة الانتخابية، ربطت بين السياسة والقرب من المواطن، وبين المسؤولية والمحاسبة وتحقيق النتائج.

وتكشف هذه الرؤية عن محاولة لتحويل النقاش من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى قابل للقياس، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس أثر السياسات الاجتماعية في الصحة والتعليم والسكن والتشغيل والخدمات.

رهان الاستثمار

يرتبط نجاح البرنامج الاقتصادي أيضًا بقدرة الحكومة على الحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمار، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق القيمة وفرص العمل.

وهنا تتقاطع السياسة الاقتصادية مع سياسة التخطيط الترابي، وهي مساحة تمتلك المنصوري خبرة سابقة فيها بحكم توليها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. غير أن الانتقال إلى رئاسة الحكومة يوسع نطاق التحدي من إدارة قطاع إلى تنسيق السياسة الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية للدولة ككل.

استحقاق 2030

يمثل تنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال أحد أكبر الاستحقاقات التي ستتحرك الحكومة المغربية في ظلها. ولذلك فإن السنوات المقبلة لا تتعلق فقط بإتمام الملاعب والمنشآت، وإنما بكيفية استخدام الاستثمارات المرتبطة بالبطولة في تطوير النقل والسياحة والبنية التحتية والخدمات وتحسين التنافسية الاقتصادية.

وتمنح الاستعدادات للبطولة الحكومة فرصة لتسريع مشروعات البنية الأساسية، لكنها في الوقت نفسه تفرض ضرورة إدارة الإنفاق بكفاءة وربط المشروعات الكبرى بعوائد اقتصادية طويلة الأجل.

الماء والمناخ

إلى جانب الملفات التقليدية للاقتصاد والتشغيل، يظل الأمن المائي من الملفات الهيكلية التي تواجه المغرب، في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية والحاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية والحلول التكنولوجية المرتبطة بالمياه.

وهذا الملف يفرض على الحكومة الجديدة التعامل مع قضية تتجاوز دورة انتخابية واحدة، لأنها ترتبط بالإنتاج الزراعي، والأمن الغذائي، والتنمية الصناعية، والاستقرار الاجتماعي، والتغيرات المناخية.

إدارة التوقعات

التحدي السياسي الأكثر حساسية أمام الحكومة الجديدة قد لا يكون فقط في صياغة السياسات، وإنما في إدارة الفجوة بين حجم الوعود وسرعة النتائج. فالبرنامج الذي يتضمن التزامات مالية واسعة وأهدافًا للنمو والتشغيل يحتاج إلى ترتيب أولويات، وجدول زمني، ومؤشرات أداء يمكن من خلالها قياس التقدم.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال المنصوري إلى رئاسة الحكومة ينقل تجربتها من مساحة الإنجاز القطاعي إلى مساحة أكثر اتساعًا تتطلب تنسيقًا بين الوزارات والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

اختبار المؤسسات

تكشف تجربة المنصوري أيضًا عن مسار مهم في تطور المشاركة السياسية للمرأة المغربية، لكن الاختبار المؤسسي للتجربة سيقاس بقدرة الحكومة على العمل داخل الإطار الدستوري والبرلماني، وبمدى فاعلية العلاقة بين الحكومة والبرلمان والأحزاب والمؤسسات المختلفة.

وبذلك يصبح التعيين التاريخي نقطة انطلاق لا نقطة نهاية؛ فالصفة التاريخية مرتبطة بكونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، بينما النتائج السياسية والاقتصادية ستتحدد من خلال الأداء الحكومي الفعلي.

معادلة جديدة

المغرب يدخل بهذه الخطوة مرحلة تجمع بين تغيير في رأس السلطة التنفيذية، وإعادة ترتيب للخريطة الحزبية، وبرنامج اقتصادي واجتماعي واسع، واستحقاقات استراتيجية تمتد إلى 2030 وما بعدها.

ومن ثم فإن تجربة فاطمة الزهراء المنصوري يمكن قراءتها عبر ثلاثة مستويات متداخلة: مسار امرأة صعدت تدريجيًا داخل المؤسسات، وتحول حزبي أفضى إلى وصول الأصالة والمعاصرة إلى صدارة الانتخابات، واختبار حكومي يتعلق بقدرة الائتلاف الجديد على تحويل البرنامج الانتخابي إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس.

وفي هذا السياق، فإن أهمية المرحلة لا تكمن فقط في كون المغرب أصبح لديه أول رئيسة حكومة في تاريخه، وإنما في أن المنصوري تبدأ مهمتها وهي تحمل برنامجًا محددًا بأرقام والتزامات، وتواجه برلمانًا متعدد القوى، واقتصادًا يحتاج إلى مزيد من فرص العمل، وتحديات اجتماعية ومائية، واستحقاقًا دوليًا ضخمًا يتمثل في كأس العالم 2030.

وهكذا ينتقل السؤال المغربي من «من تقود الحكومة؟» إلى «كيف ستُدار الحكومة الجديدة؟»؛ من رمزية الوصول إلى قمة السلطة التنفيذية إلى اختبار القدرة على بناء أغلبية، وضبط الموارد، وتحقيق نتائج قابلة للقياس، والحفاظ على التماسك السياسي خلال السنوات المقبلة.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.