En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

ولي العهد والرؤية الملكية.. كيف يبني الأردن خياراته الاقتصادية في زمن الأزمات؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في منطقة تتغير فيها موازين الأمن والاقتصاد بوتيرة متسارعة، وتتعرض فيها طرق التجارة والطاقة وسلاسل التوريد لاختبارات متكررة، تصبح قدرة الدول على بناء شبكة واسعة من الشراكات عاملا مؤثرا في قدرتها على حماية مصالحها وتوسيع خياراتها الاقتصادية، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التحركات الأردنية الأخيرة، من خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول، إلى مشاركة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد في اجتماعات دول جنوب أوروبا في كرواتيا، مرورا بالزيارة الملكية إلى الصين في آب، بوصفها حلقات ضمن مسار دبلوماسي واقتصادي متواصل يستهدف تعزيز مكانة الأردن وتوسيع أسواقه، واستقطاب الاستثمار، وفتح مسارات جديدة للتعاون في قطاعات المستقبل.

تكتسب هذه التحركات أهميتها من توقيتها وطبيعة الملفات التي تتناولها، فالأردن يتحرك في بيئة إقليمية تتزايد فيها المخاطر على التجارة والملاحة والطاقة، فيما يواصل العمل على رفع النمو وتحسين فرص العمل، وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتبدو الرسالة واضحة في هذا السياق، إدارة الأزمات تتطلب استعدادا سياسيا وأمنيا، كما تتطلب عملا اقتصاديا استباقيا يفتح الخيارات قبل أن تضيق، ويحول العلاقات الدولية إلى فرص عملية يستفيد منها الاقتصاد الوطني.

دبلوماسية متراكمة

جاءت مشاركة سمو ولي العهد مندوبا عن جلالة الملك، في قمة دول جنوب أوروبا “ميد 9” التي انعقدت في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 تشرين الأول 2026، ضمن امتداد لعلاقات الأردن مع المجموعة التي تضم تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي كرواتيا وقبرص وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال وسلوفينيا وإسبانيا، وقد شارك الأردن في القمة بصفة ضيف رئيسي للعام الثالث على التوالي، وهي دلالة سياسية مهمة على استمرار حضور المملكة في منصة تجمع دولا أوروبية ذات تأثير مباشر في ملفات المتوسط والتجارة والطاقة والأمن الإقليمي.

وسبق انعقاد القمة لقاء سمو ولي العهد مع رئيس الوزراء الكرواتي أندريه بلينكوفيتش في 6 تشرين الأول، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون في مجالات متعددة، مع التأكيد على أهمية مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي الذي تستضيفه المملكة في تشرين الثاني، بوصفه فرصة لتطوير الشراكات مع دول الاتحاد الأوروبي، كما التقى سموه أمير موناكو ألبير الثاني على هامش القمة، وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون بين البلدين، في إطار العلاقات التي تربط الأردن بمختلف الشركاء الأوروبيين.

وخلال كلمته في القمة دعا سمو ولي العهد إلى تكثيف الجهود الدولية لخفض التوترات، وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية ومعالجة الأسباب الجذرية للتصعيد، كما أشار إلى انعكاسات حرب إيران على المنطقة والعالم، بما في ذلك ارتفاع الأسعار ونقص الطاقة واضطراب سلاسل التوريد، وأكد أهمية تطوير مشاريع مشتركة بين الأردن ودول المجموعة في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا، مشددا على موقع المملكة بوابة استراتيجية تصل الشرق الأوسط بأوروبا، وعلى مركزية القضية الفلسطينية في التعامل مع أزمات المنطقة.

تكمن الأهمية الاقتصادية لهذه المشاركة في أنها تجمع بين عرض الموقف الأردني من التحديات الإقليمية وطرح فرص التعاون العملي، فالأردن لا يتعامل مع أوروبا باعتبارها مساحة للمواقف السياسية المشتركة فحسب، ولكنه أيضا ينظر لها كشريك محتمل في الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتجارة، وهي قطاعات تستطيع أن تسهم في تنويع مصادر النمو وتوسيع قدرة الشركات الأردنية على الوصول إلى الأسواق الخارجية، وتوفير فرص جديدة للقطاع الخاص.

الصين والاتجاه شرقا

وقبل هذه المشاركة بأسابيع قليلة أجرى جلالة الملك عبدالله الثاني زيارة إلى الصين شملت بكين وشنغهاي وشنتشن، والتقى خلالها الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ، وشهدت الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة، من بينها التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي والسياحة والإعلام وصناعة الأفلام والزراعة والتعاون القانوني والقضائي، إلى جانب بحث فرص التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية تتجاوز عدد الاتفاقيات التي وقعت خلالها، لأن الصين تمثل أحد المراكز الرئيسية في الاقتصاد العالمي وتمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، فيما يسعى الأردن إلى تعزيز موقعه كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير والاستفادة من موقعه الجغرافي واتفاقيات التجارة الحرة والقوى العاملة الماهرة وبيئة الأعمال المستقرة، وهي عناصر أشار إليها جلالة الملك في حديثه عن فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين.

كما أن امتداد العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين لنحو خمسة عقود وارتقاء العلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، يوفران قاعدة مؤسسية يمكن البناء عليها في مشروعات طويلة الأجل، فالعلاقات الاقتصادية الأكثر نجاحا هي تلك التي تنتقل من التفاهم السياسي إلى الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة وتطوير الصادرات، وتتيح للشركات الأردنية الاستفادة من أسواق أوسع، فيما تفتح أمام المستثمرين الصينيين فرصا في التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة والتكنولوجيا.

وهنا تتضح قيمة تنويع الشراكات فتعزيز التعاون مع الصين لا يأتي على حساب العلاقات الأوروبية أو الأمريكية أو العربية، وإنما يوسع شبكة الخيارات المتاحة أمام الأردن، ويمنحه قدرة أكبر على التحرك بين مراكز الاقتصاد العالمي وفق المصالح الوطنية، وهذه المقاربة مهمة بصفة خاصة لدولة ترتبط مصالحها باستقرار المنطقة وحركة التجارة عبرها، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق وتدفقات الاستثمار والتكنولوجيا.

من السياسة إلى السوق

تظهر الأهمية الاقتصادية لهذه التحركات عند وضعها إلى جانب أرقام التجارة الخارجية الأردنية، فقد أعلنت دائرة الإحصاءات العامة أن الصادرات الوطنية ارتفعت خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 بنسبة 4.6% لتصل إلى نحو 5.509 مليار دينار، بينما ارتفعت قيمة إعادة التصدير بنسبة 67.2% لتبلغ نحو 886 مليون دينار، وبذلك ارتفع إجمالي الصادرات إلى 6.395 مليار دينار، بزيادة نسبتها 10.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما تراجع عجز الميزان التجاري بنسبة 6%.

تقدم هذه المؤشرات صورة عن أهمية التوسع التجاري لكنها تكشف أيضا عن حجم المهمة التي ما زالت أمام الاقتصاد الأردني، فارتفاع الصادرات يمثل تطورا إيجابيا فيما يشير استمرار العجز التجاري إلى ضرورة توسيع القاعدة الإنتاجية المحلية، ورفع القيمة المضافة للصادرات، وتحسين قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة في الأسواق الخارجية، ومن هنا تبرز قيمة الدبلوماسية الاقتصادية، إذ يمكن للاتفاقيات والعلاقات الثنائية أن تفتح أبوابا جديدة أمام الشركات، غير أن الاستفادة منها تتطلب جاهزية إنتاجية، ومعلومات دقيقة عن الأسواق، وقدرة على تلبية المعايير الفنية والاشتراطات التجارية.

ولا تقتصر الفائدة المتوقعة على تصدير السلع القائمة، إذ تستطيع الشراكات الجديدة أن تساعد في استقطاب استثمارات صناعية وتكنولوجية، وتطوير الخدمات الرقمية وتحسين سلاسل التوريد، وربط الشركات الأردنية بمؤسسات عالمية تمتلك الخبرة والأسواق ورأس المال، كما يمكن للتعاون في السياحة والخدمات اللوجستية أن يدعم القطاعات القادرة على توليد فرص عمل وتحقيق إيرادات بالعملات الأجنبية.

وتمثل هذه الفرص أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى زيادة الاستثمار المنتج وتوسيع فرص العمل، فالتحدي الاقتصادي الأردني لا يرتبط فقط بمعدل النمو السنوي، وإنما بقدرة النمو على توليد وظائف مستدامة، وتحسين إنتاجية العاملين وزيادة مساهمة القطاعات القابلة للتصدير، ولذلك فإن قياس نتائج التحركات الخارجية ينبغي أن يمتد إلى ما يتحقق لاحقا من استثمارات منفذة، وعقود تصدير ومشروعات مشتركة، وفرص عمل، ونقل للتكنولوجيا، وليس إلى عدد الاجتماعات أو الاتفاقيات الموقعة وحده.

خطاب ورسالة

جاءت هذه التحركات بعد خطاب جلالة الملك أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2026، والذي تناول القضية الفلسطينية، والتصعيد الإقليمي، ومسؤولية المجتمع الدولي في التعامل مع جذور الأزمات، إلى جانب التأكيد على المصالح الوطنية الأردنية وأمن المملكة واستقرارها، وقد وضع الخطاب موقف الأردن السياسي ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع، في وقت تتزايد فيه التداعيات الاقتصادية للصراعات على الطاقة والتجارة والغذاء وسلاسل الإمداد.

وفي هذا الإطار تحمل مشاركة ولي العهد نيابة عن جلالة الملك في قمة “ميد 9” دلالة تتجاوز التمثيل الرسمي، فهي تعكس استمرارية الحضور الأردني على المستويين السياسي والاقتصادي، وتؤكد أن العلاقات التي يستند إليها الأردن لم تتشكل في لحظة طارئة و لكنها تراكمت عبر سنوات من العمل الدبلوماسي وبناء الشراكات بإشراف مباشر من جلالة الملك، وتطوير قنوات التعاون مع الدول والمؤسسات الدولية، حتى أصبح الأردن حاضرا في منصات تتصل بأمن المتوسط واستقرار المنطقة ومستقبل التجارة والاستثمار.

وتبرز في هذا السياق سمة مهمة في إدارة المصالح الأردنية، تتمثل في مواصلة العمل على بناء الشراكات خلال الأزمات، بدلا من تعليق المسار الاقتصادي إلى حين اتضاح نتائجها، فانتظار انتهاء الاضطرابات قبل التحرك قد يعني خسارة فرص استثمارية وتجارية، بينما يتيح التحرك المبكر للأردن الحفاظ على التواصل مع الشركاء، وشرح التحديات التي يواجهها الاقتصاد، وطرح فرص التعاون، والاستعداد للاستفادة من أي تحسن في الظروف الإقليمية.

مسار منهجي

لا يمكن فصل هذه التحركات عن طبيعة الاقتصاد الأردني وموقعه الجغرافي، فالمملكة تقع عند تقاطع أسواق المشرق والخليج والبحر المتوسط، وتمتلك إمكانات في الخدمات اللوجستية والصناعة والدواء وتكنولوجيا المعلومات والسياحة، كما ترتبط باتفاقيات تجارية تتيح الوصول إلى عدد من الأسواق الدولية، وتمنحها هذه المزايا فرصة لتطوير دورها بوصفها مركزا للتصنيع والخدمات والتصدير، شرط أن تقترن العلاقات السياسية باستثمارات في البنية التحتية والمهارات والإنتاجية والابتكار.

و تحويل هذه الفرص لنتائج ملموسة يحتاج إلى تنسيق مؤسسي مستمر بين الدبلوماسية والوزارات الاقتصادية والقطاع الخاص، بحيث تتحدد القطاعات المستهدفة لكل سوق، وتُجهز الشركات الأردنية للمنافسة وتتابع الاتفاقيات من مرحلة التوقيع إلى التنفيذ، وتُقاس النتائج بمؤشرات واضحة تشمل حجم الاستثمار الجديد، ونمو الصادرات، وعدد الشركات التي تدخل أسواقا جديدة، ومستوى القيمة المضافة المحلية، ونوعية الوظائف التي تنشأ عن المشروعات.

كما أن مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المرتقب في تشرين الثاني يمثل فرصة مهمة لاختبار هذا التوجه، من خلال تحويل الحضور السياسي والعلاقات الثنائية إلى نقاشات مباشرة مع المستثمرين والشركات، وطرح فرص محددة في الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والخدمات، وتقديم صورة واضحة عن بيئة الاستثمار الأردنية والإصلاحات التي تعزز تنافسيتها، بما يسمح ببناء شراكات قابلة للتنفيذ والقياس.

خلاصة المسار

تؤكد التحركات الملكية ومشاركة سمو ولي العهد في نيويورك وكرواتيا، إلى جانب نتائج الزيارة الملكية للصين، أن الأردن يتعامل مع التحديات الإقليمية ضمن رؤية تتصل بالأمن والسياسة والاقتصاد في آن واحد، فالعلاقات الدولية تكتسب قيمتها حين تساعد الدولة على حماية مصالحها، وتوسيع أسواقها، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.

وقد أسهم تراكم العلاقات والشراكات في توفير مساحة أوسع للتحرك أمام الأردن خلال أزمات متعاقبة، مع بقاء التحديات الاقتصادية قائمة، وفي مقدمتها الحاجة إلى رفع النمو والإنتاجية، وتوسيع فرص العمل، وتقليص العجز التجاري، وتعزيز الاستثمار المنتج، ومن هنا فإن أهمية النهج الأردني تكمن في مواصلة بناء الخيارات والعمل على توسيعها حتى في أصعب الظروف، مع تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات ونتائج قابلة للقياس.

إن الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة الملك ويشارك فيها سمو ولي العهد تضع الأردن أمام فرصة لتعزيز موقعه في شبكة التجارة والاستثمار الإقليمية والدولية، والنجاح في المرحلة المقبلة سيتحدد بقدرة المؤسسات والشركات على استثمار هذه العلاقات، وتطوير الإنتاج المحلي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات الأردنية، وجذب استثمارات تخلق قيمة مضافة وفرص عمل، فالدول التي تستعد للمستقبل أثناء الأزمات تكون أكثر قدرة على استثمار الفرص عندما تتغير الظروف، وهذا ما يمنح المسار الأردني أهميته الاستراتيجية والاقتصادية.

د.عمر البستنجي

د.عمر البستنجي

رئيس المركز- دكتوراة فى الاقتصاد، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة - ماجستير الاقتصاد، جامعة مؤتة - مدرب معتمد دوليا من جامعة ميزوري الأمريكية - ومدرب معتمد من المجلس الأعلى للجامعات المصرية

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.