En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

اقتصاد الظل في غرب إفريقيا.. الخرائط الخفية لتمويل الإرهاب واستمرار التطرف

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

يمثل كتاب «اقتصاد الظل: الخرائط السرية للاقتصاد الأسود» دراسة تحليلية عميقة في واحدة من أخطر القضايا المعاصرة داخل إقليم غرب إفريقيا، وهي العلاقة المركبة بين الإرهاب والاقتصاد غير المشروع وشبكات المصالح، لا يتعامل الكتاب مع الإرهاب بوصفه ظاهرة أمنية أو أيديولوجية فقط، بل يقدمه باعتباره ظاهرة اقتصادية–سياسية متجذرة في بيئات الهشاشة والفساد وضعف الدولة. ومن هنا تأتي قوة الكتاب؛ لأنه يكشف الوجه الخفي للصراعات الحديثة، حيث لا تتحرك التنظيمات الإرهابية بالسلاح وحده، بل عبر شبكات تهريب الذهب والمخدرات والسلاح والبشر والأدوية المزيفة، بما يحول العنف إلى اقتصاد كامل قادر على تمويل نفسه وإعادة إنتاج نفوذه.

صدر الكتاب عن دار «كنوز للنشر والتوزيع» في طبعته الأولى عام 2026، ويحمل عنوانًا فرعيًا كاشفًا لطبيعته البحثية: «طرق الكوكايين والذهب والبشر والإرهاب: أثر العلاقات الاقتصادية بين التنظيمات الإرهابية وجماعات المصالح على استمرار التطرف في إقليم غرب إفريقيا: رؤية تحليلية في المؤشرات الدولية»، ويقدمه اللواء الدكتور محمد عبد الباسط، مدير مركز مكافحة الإرهاب لدول الساحل والصحراء، وهو ما يمنح العمل بعدًا أمنيًا واستراتيجيًا واضحًا، خاصة أن موضوعه يتقاطع مباشرة مع قضايا مكافحة الإرهاب، وتجفيف منابع التمويل، وفهم التحولات الأمنية في الساحل وغرب إفريقيا.

كتب هذا العمل كل من د.محمد الطماوي ود.عمر البستجي. ويجمع المؤلفان بين الخلفية الأكاديمية والاهتمام العملي بقضايا الاقتصاد السياسي والأمن والتنمية، وينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن استمرار التطرف في غرب إفريقيا لا يمكن تفسيره فقط بالفقر أو الفراغ الأمني أو الخطاب المتطرف، بل يجب فهمه من خلال البنية الاقتصادية غير المشروعة التي توفر للتنظيمات الإرهابية موارد مالية وأدوات نفوذ وتحالفات محلية وإقليمية ودولية، فالتنظيمات المسلحة لم تعد مجرد جماعات هامشية تعتمد على الدعم الخارجي أو الغنائم المؤقتة، بل أصبحت فاعلًا اقتصاديًا داخل أسواق التهريب العابرة للحدود، قادرة على فرض الجباية، وتنظيم الأسواق، وتوفير «أمن بديل» في المناطق التي تتراجع فيها سلطة الدولة.

يعتمد الكتاب على منهج وصفي تحليلي مدعوم ببيانات كمية، ويربط بين مؤشرات الجريمة المنظمة والحوكمة والنمو الاقتصادي خلال الفترة من 2018 إلى 2023، ومن خلال هذه المقاربة، يحاول أن يوضح كيف تحولت التنظيمات الإرهابية إلى فاعل اقتصادي رئيسي داخل الإقليم، وكيف تداخلت مصالحها مع شبكات التهريب، وبعض الفاعلين المحليين، والنخب الفاسدة، والشبكات العابرة للحدود، بما أدى إلى إطالة أمد الصراع وإضعاف الدولة وخلق بيئات حاضنة للتجنيد والتطرف.

يتناول الكتاب في محوره الأول الإطار المفاهيمي والنظري للعلاقة بين التنظيمات الإرهابية وجماعات المصالح، فيبدأ بتحديد معنى التنظيمات الإرهابية، وطبيعة جماعات المصالح، ثم ينتقل إلى مراجعة الدراسات السابقة التي تناولت اقتصاد الحرب، والجريمة المنظمة، وشبكات التهريب، ودورها في إدامة العنف. وتكمن أهمية هذا المحور في أنه يؤسس للقارئ قاعدة نظرية لفهم كيف يمكن أن تتحول العلاقة بين الإرهاب والجريمة من مجرد تلاقٍ عابر إلى شبكة مصالح مستقرة يصعب تفكيكها.

وفي المحور الثاني، ينتقل الكتاب إلى تفكيك البنية الجيوسياسية والأمنية لإقليم غرب إفريقيا، موضحًا أهمية الموقع والموارد والسكان، ثم يربط ذلك بتصاعد نشاط الجماعات الإرهابية مثل بوكو حرام، وداعش في الصحراء الكبرى، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ولا يكتفي الكتاب بوصف الخريطة الأمنية، بل يربطها بضعف الدولة، وتراجع سيادة القانون، وانكشاف المناطق الحدودية، خاصة في مناطق مثل ليبتاكو-جورما، حيث تصبح الجغرافيا نفسها عاملًا مساعدًا على تمدد الإرهاب.

أما المحور الثالث فيركز على العلاقة الاقتصادية بين التنظيمات الإرهابية وجماعات المصالح، ويكشف كيف تعمل أسواق الجريمة المنظمة باعتبارها شريانًا ماليًا للتطرف. وهنا يتناول الكتاب أنشطة مثل تهريب الذهب، وتجارة المخدرات، وتهريب السلاح، والاتجار بالبشر، والقرصنة، والأدوية المزيفة، ويفسر كيف توفر هذه الأنشطة للتنظيمات موارد لوجستية ومالية، بينما توفر التنظيمات لهذه الشبكات الحماية والمرور الآمن والنفوذ المحلي. وبذلك تتحول العلاقة إلى تبادل منفعة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، لا إلى علاقة تبعية بسيطة.

ويخصص المحور الرابع لقياس أثر هذه العلاقات الاقتصادية غير المشروعة على استمرار وتوسع التطرف في الإقليم. وفي هذا الجزء يتعامل الكتاب مع مؤشرات اقتصادية وحوكمية متعددة، مثل الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب الفرد من الناتج، ونسبة الشباب في سن التجنيد، والإنفاق على التعليم، والإنفاق العسكري، والاستثمار الأجنبي المباشر، والسيطرة على الفساد، وفاعلية الحكومة، وسيادة القانون، والاستقرار السياسي، والجودة التنظيمية، والصوت والمساءلة، والغاية من ذلك إظهار أن الإرهاب لا يتمدد في فراغ، بل داخل بيئة تتراكم فيها الفجوات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية.

وفي المحور الخامس، يفتح الكتاب زاوية مختلفة بالحديث عن الإمكانات الاقتصادية غير المستغلة في غرب إفريقيا، خصوصًا في الزراعة والثروات المعدنية والنفطية. ويتناول هذا المحور الأراضي الصالحة للزراعة، والأراضي المنتجة للحبوب، ومؤشر إنتاج الماشية، والقيمة المضافة للقطاع الزراعي، ومساهمة دول غرب إفريقيا في سوق المعادن العالمي، والكميات المكتشفة من النفط والغاز، وتبرز أهمية هذا المحور في أنه لا يكتفي بتشخيص مصادر الهشاشة، بل يوضح أن الإقليم يمتلك موارد ضخمة كان يمكن أن تكون أساسًا للتنمية، لكنها تتحول في ظل ضعف الحوكمة إلى مادة للصراع والتهريب والتمويل غير المشروع.

ويتناول المحور السادس التهديدات الإرهابية وانعكاساتها البنيوية على هياكل الدولة الوطنية، من خلال رصد عدد الهجمات الإرهابية، وعدد القتلى والجرحى، وحجم النزوح الناتج عن هذه الهجمات، إضافة إلى مؤشرات السلام والصراع المستمر. ويبرز هذا المحور أن الإرهاب لا يهدد الأمن فقط، بل يضرب قدرة الدولة على البقاء بوصفها مؤسسة قادرة على حماية الحدود، وتقديم الخدمات، وفرض القانون، وحماية المواطنين من سلطة الجماعات المسلحة.

أما المحور السابع فيركز على البيئة التمكينية للتنمية في ظل الاضطرابات السياسية والأمنية، من خلال مؤشرات مثل سهولة ممارسة الأعمال والتكامل التجاري. وهنا يربط الكتاب بين الأمن والتنمية ربطًا مباشرًا؛ فكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير بيئة اقتصادية مستقرة، تراجعت الاستثمارات، وضعفت التجارة، وازدادت قدرة شبكات الاقتصاد الأسود على ملء الفراغ، وبذلك تصبح التنمية ليست مجرد هدف اقتصادي، بل أداة مركزية في مواجهة الإرهاب وتقليص نفوذ جماعات المصالح غير المشروعة.

ويتناول المحور الثامن الهشاشة الاجتماعية والفراغ التنموي باعتبارهما حاضنة بنيوية لتنامي الإرهاب، من خلال مؤشرات سوء التغذية، وانتشار فيروس الإيدز، ونسبة الملتحقين بالتعليم العالي، وحجم القوى المعدة للعمل. وتظهر أهمية هذا الجزء في أنه يربط بين الحرمان الاجتماعي والتجنيد المتطرف، حيث يصبح الفقر والتهميش وغياب التعليم والعمل عوامل تدفع قطاعات من الشباب إلى البحث عن الأمان أو الدخل أو الانتماء داخل جماعات مسلحة أو شبكات غير قانونية.

ويختتم الكتاب بمحور تاسع يتناول آفاق المواجهة واستراتيجيات الحد من الروابط الاقتصادية بين الإرهاب وجماعات المصالح. ويقترح هذا المحور مسارات عملية تشمل تجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإصلاح نظم الحوكمة ومحاربة الفساد، والاستثمار في الأمن البشري والتنمية الشاملة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وإعادة الاعتبار للدولة في المناطق الرمادية، ومن خلال هذا الختام، يؤكد الكتاب أن الحل العسكري وحده لا يكفي، وأن مواجهة الإرهاب تظل قاصرة ما لم تستهدف البنية الاقتصادية التي تغذيه والشبكات التي تحميه والمجتمعات الهشة التي تمنحه قابلية الاستمرار.

وفي المجمل، يقدم الكتاب إضافة مهمة إلى الأدبيات العربية حول غرب إفريقيا، لأنه لا يقرأ الإرهاب بوصفه حدثًا أمنيًا منفصلًا، بل بوصفه نتيجة لتفاعل معقد بين الاقتصاد الأسود، وضعف الحوكمة، وشبكات المصالح، والهشاشة الاجتماعية، والتنافس الجيوسياسي. وتكمن قيمة الكتاب في أنه ينقل النقاش من سؤال «كيف نواجه الجماعات الإرهابية؟» إلى سؤال أعمق وأكثر خطورة: «كيف نفكك الاقتصاد الذي يجعل الإرهاب قادرًا على البقاء؟»

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.