يمثل كتاب القدرة النووية والأمن القومي… نحو تنمية مستدامة وسلام عالمي للدكتورة سحر سيد صبري محاولة بحثية جادة لإعادة تفكيك العلاقة المركبة بين التكنولوجيا النووية ومفهوم الأمن القومي في عالم يشهد تحولات استراتيجية متسارعة. فالكتاب لا يتعامل مع الملف النووي بوصفه مجرد قضية مرتبطة بالتسلح أو الردع العسكري، وإنما يقدمه باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم توزيع القوة داخل النظام الدولي المعاصر، وآلية من آليات إنتاج النفوذ وإعادة تعريف مكانة الدول داخل البنية العالمية.
وتنبع أهمية هذا العمل من كونه ينطلق من رؤية تتجاوز المقاربات التقليدية التي حصرت النقاش النووي لعقود طويلة في ثنائية الحرب والسلام، ليطرح بدلاً من ذلك تساؤلات أكثر عمقًا تتعلق بقدرة الدول النامية على توظيف التكنولوجيا النووية كأداة لتحقيق التنمية والاستقلال الاستراتيجي وتعزيز القدرة على المناورة السياسية والاقتصادية في بيئة دولية شديدة الاضطراب.
منذ الصفحات الأولى، تحاول الكاتبة تأسيس إطار فكري يربط بين التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبين تطور مفهوم الأمن القومي، خاصة في أعقاب الأزمات العابرة للحدود مثل جائحة كورونا، وأزمات الطاقة، والتغير المناخي، والصراعات الجيوسياسية المتصاعدة. ومن هذا المنطلق، تؤكد أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصرًا على البعد العسكري الصلب، بل أصبح مفهومًا مركبًا يتداخل فيه الاقتصادي والتكنولوجي والبيئي والمعرفي، وهو ما يمنح القدرة النووية أبعادًا تتجاوز الاستخدام التقليدي المرتبط بالقوة العسكرية.
وتطرح الدراسة فرضية مركزية مفادها أن امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية بات أحد المؤشرات الجوهرية على قدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية وتحقيق قدر من الاستقلال عن مراكز القوة الدولية. فالدول التي تمتلك المعرفة النووية لا تملك فقط مصدرًا بديلًا للطاقة، بل تمتلك أيضًا أدوات للتأثير السياسي والاقتصادي والعلمي، بما يعيد تشكيل موقعها داخل النظام العالمي.
وفي معالجتها النظرية، تقدم الكاتبة قراءة متماسكة لمفهومي القدرة النووية والأمن القومي، معتمدة على مقاربة تجمع بين المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية والاتجاهات النقدية الحديثة. فهي ترى أن الأمن القومي لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، وإنما بقدرتها على إدارة المخاطر المعقدة والمتغيرة، وتعزيز مكانتها العلمية والتكنولوجية، وتقليل التبعية للخارج.
ويبرز في هذا السياق اهتمام المؤلفة بتفكيك مفهوم “القدرة النووية” ذاته، إذ تميز بوضوح بين الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وبين التسلح النووي، مؤكدة أن امتلاك التكنولوجيا النووية لا يعني بالضرورة الانخراط في سباقات التسلح، بل قد يمثل مدخلًا لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة ودعم البنية الصناعية والعلمية للدولة.
أما على المستوى التطبيقي، فيتناول الكتاب التجارب المختلفة للدول النامية في بناء برامجها النووية، موضحًا كيف استطاعت بعض الدول تحويل القيود الدولية إلى حوافز لتطوير قدراتها الذاتية، رغم ما يفرضه النظام الدولي من ضغوط سياسية وتقنية مرتبطة بمنظومة منع الانتشار النووي. وفي هذا الإطار، تمنح الكاتبة اهتمامًا خاصًا بالحالة المصرية، باعتبارها واحدة من أكثر التجارب العربية امتلاكًا للمقومات المؤسسية والعلمية اللازمة لتطوير برنامج نووي متكامل.
وتوضح الدراسة أن المشروع النووي المصري لا يرتبط فقط بتوفير الطاقة، وإنما يتصل بأبعاد أوسع تتعلق بالأمن القومي المصري والعربي، وبناء قاعدة علمية وتكنولوجية قادرة على دعم مسار التنمية الشاملة. كما تشير إلى أن مستقبل هذا المشروع يظل مرهونًا بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والسلامة، وبين ضرورات الاستقلال العلمي والتكنولوجي.
ويحسب للكتاب أنه لا يكتفي بعرض الإشكاليات النظرية، بل يحاول تقديم تصور استشرافي لمستقبل الأمن النووي في العالم النامي، عبر طرح سيناريوهات تتعلق بإمكانية توظيف الطاقة النووية في دعم التنمية وتقليص الفجوة التكنولوجية مع القوى الكبرى. كما يلفت الانتباه إلى أن احتكار التكنولوجيا النووية لم يكن يومًا قضية تقنية خالصة، بل ارتبط تاريخيًا ببنية الهيمنة داخل النظام الدولي، حيث سعت القوى الكبرى إلى تنظيم امتلاك المعرفة النووية بما يضمن استمرار تفوقها الاستراتيجي.
ورغم القيمة العلمية الواضحة للعمل، فإن الطابع الأكاديمي المكثف يظل أحد أبرز الملاحظات على الكتاب، إذ تميل لغته في بعض المواضع إلى الصياغة البحثية الثقيلة المليئة بالمفاهيم والإحالات النظرية، على حساب الحيوية التحليلية والانخراط المباشر في تفكيك التناقضات السياسية التي تحكم النظام النووي العالمي. فالنص، على عمقه، يبدو أحيانًا حذرًا أكثر مما ينبغي في مساءلة البنية الدولية التي تحتكر القوة النووية وتعيد إنتاج اختلالات موازين القوى.
كما أن الدراسة، رغم ثرائها النظري، كانت في حاجة إلى مساحة أكبر من الجرأة السياسية في مناقشة ازدواجية المعايير الدولية المتعلقة بمنع الانتشار النووي، خاصة في ظل التفاوت الواضح في التعامل مع البرامج النووية بين الدول الكبرى والدول النامية، وهو ما كان سيمنح الكتاب بعدًا نقديًا أكثر تأثيرًا.
ومع ذلك، يبقى هذا العمل إضافة مهمة إلى الأدبيات العربية المعنية بالأمن القومي والدراسات الاستراتيجية، لأنه يفتح بابًا ضروريًا للنقاش حول العلاقة بين التكنولوجيا والسيادة والتنمية، ويعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بكيفية بناء أمن قومي حقيقي في عالم لم تعد فيه القوة تقاس فقط بحجم الجيوش، بل بامتلاك المعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا والتحكم في مصادر الطاقة ومفاتيح المستقبل.