En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

قراءة في  دلالات خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة:عودة القوة الأمريكية إلى منصة النظام الدولي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 22 سبتمبر 2026، خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في لحظة دولية شديدة الاضطراب تتداخل فيها الحرب مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وإعادة تشكيل موازين القوة. واستغرق الخطاب نحو 37 دقيقة، وتركز بصورة أساسية على الدفاع عن خيارات الولايات المتحدة الخارجية، ولا سيما الحرب مع إيران، إلى جانب روسيا وأوكرانيا، وفنزويلا وكوبا، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل الأمم المتحدة نفسها.

منطق القوة

يمكن قراءة خطاب ترامب باعتباره محاولة واضحة لإعادة تعريف الدور الأمريكي في النظام الدولي: الولايات المتحدة، وفق الطرح الذي قدمه الرئيس الأمريكي، ليست قوة تريد الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التوسط بين أطرافها، وإنما دولة مستعدة لاستخدام قوتها الاقتصادية والعسكرية عندما ترى أن مصالحها أو أمنها مهددان، وقد اختصر ترامب هذا التصور بعبارة مفادها أن الآخرين تحدثوا بينما هو تحرك، مقدما سياسته الخارجية باعتبارها انتقالا من إدارة الأزمات إلى فرض نتائجها.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الخطاب؛ إذ لم يقدم ترامب القوة الأمريكية باعتبارها أداة أخيرة تلجأ إليها واشنطن بعد استنفاد الوسائل الدبلوماسية، بل ظهرت في خطابه باعتبارها أحد المكونات الأساسية للدبلوماسية نفسها، وهذا التحول يحمل انعكاسات تتجاوز السياسة الأمريكية الداخلية، لأنه يطرح سؤالا أوسع حول مستقبل النظام الدولي: هل تعود العلاقات الدولية إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على استخدام القوة هي المحدد الأساسي لحدود الحركة السياسية للدول؟.

رسالة إيران

كانت إيران المحور الأكثر حدة في خطاب ترامب، فقد دافع عن قرار الولايات المتحدة الدخول في الحرب، وقال إن أمام طهران خياراً بين التوصل إلى اتفاق يسمح لها بإعادة البناء، أو ما وصفه بإمكانية “القضاء” على الجمهورية الإسلامية سريعاً، وفي الوقت نفسه، أشار إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، كما دعا إلى إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى المفاوضات.

واللافت هنا أن الخطاب جمع بين أقصى درجات الضغط وأقصى درجات التفاوض في الوقت نفسه، فواشنطن لا تغلق الباب أمام التسوية، لكنها تريد أن تدخل إيران إلى أي تفاوض من موقع أضعف بكثير. كما دعا ترامب الدول الأخرى إلى المشاركة في العزلة الاقتصادية الكاملة لإيران، رابطاً بين الضغط على طهران وبين خفض أسعار الطاقة عالمياً.

هرمز والطاقة

لم يكن ذكر مضيق هرمز تفصيلاً جيوسياسياً عابراً؛ فالمضيق يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، ولذلك فإن استمرار اضطراب الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتضخم وتكاليف النقل والإنتاج في الاقتصادات الكبرى، ومن هذه الزاوية، فإن الحرب الإيرانية في خطاب ترامب ليست قضية أمنية فقط، وإنما قضية اقتصادية عالمية أيضاً.

ويكشف الربط بين إيران وأسعار النفط في الخطاب عن إدراك أمريكي بأن الطاقة أصبحت جزءاً من أدوات القوة الجيوسياسية. فكلما ارتفعت تكلفة الطاقة، اتسعت آثار الحرب من المجال العسكري إلى الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أي تسوية حول إيران ذات تأثير يتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى النمو العالمي والتضخم والسياسة النقدية وسلاسل الإمداد.

أوكرانيا المؤجلة

في الملف الأوكراني، كرر ترامب تأكيده أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا يمكن أن تنتهي قريباً، وقال إن الولايات المتحدة تعمل مع قيادتي البلدين للوصول إلى حل دبلوماسي. لكنه لم يقدم في خطابه تصوراً تفصيلياً لاتفاق نهائي أو إطاراً واضحاً للتسوية.

وهذا الجانب مهم في قراءة السياسة الأمريكية الحالية؛ فواشنطن تبدو راغبة في تحويل الحرب الأوكرانية من صراع مفتوح إلى ملف تفاوضي يمكن احتواؤه، بينما تظل القضايا المتعلقة بالأراضي والأمن والعقوبات والطاقة والعلاقة بين روسيا والغرب عقبات رئيسية أمام أي تسوية شاملة. كما أن استمرار الضربات على البنية التحتية للطاقة في روسيا وأوكرانيا يؤكد أن المسار العسكري لم يتوقف بصورة كاملة.

أمريكا أولاً

في قضايا فنزويلا وكوبا والمكسيك، اتسع خطاب ترامب من الشرق الأوسط وأوروبا إلى نصف الكرة الغربي، فقد أكد أن الولايات المتحدة لن تسمح بوجود تهديدات لمصالحها في محيطها الإقليمي، وتحدث عن إجراءات بلاده في فنزويلا، كما أعلن أن الشيوعية لن تصل إلى الولايات المتحدة وأن الحرية ستصل إلى كوبا، بينما وصف المكسيك بأنها مركز رئيسي لعنف عصابات المخدرات.

وهنا تظهر عودة واضحة إلى مفهوم مجال النفوذ الأمريكي، ولكن بصياغة تتناسب مع خطاب ترامب القائم على السيادة والأمن والمصلحة الوطنية، فواشنطن لا تتعامل مع نصف الكرة الغربي باعتباره مجرد مساحة جغرافية، وإنما باعتباره مجالاً استراتيجياً ينبغي ألا تسمح فيه بظهور قوى أو شبكات تعتبرها تهديداً لمصالحها.

ذكاء أمريكي

ومن أكثر أجزاء الخطاب دلالة على المستقبل حديث ترامب عن الذكاء الاصطناعي، فقد رفض فكرة إنشاء إطار دولي واسع للتحكم في الذكاء الاصطناعي، وأعلن تفضيل تسمية “الذكاء الفائق”، مؤكداً أن الولايات المتحدة تتقدم على الصين في هذا المجال، وأنه لا يريد أن تؤدي التنظيمات إلى إبطاء التطور التكنولوجي الأمريكي.

هذه النقطة تكشف أن المنافسة الأمريكية الصينية لم تعد محصورة في التجارة أو أشباه الموصلات أو القوة العسكرية، وإنما تنتقل بصورة متزايدة إلى السيطرة على التكنولوجيا المستقبلية، ومن ثم، فإن رفض واشنطن إنشاء قيود دولية واسعة على الذكاء الاصطناعي يمكن فهمه في سياق أوسع يتعلق بالحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي ومنع انتقال قواعد تنظيم التكنولوجيا إلى مؤسسات دولية قد تحد من هامش الحركة الأمريكية.

أزمة التعددية

أما الأمم المتحدة نفسها، فقد تعامل معها ترامب بمنطق مختلف عن الخطاب التقليدي لقادة الدول، فهو لم يرفض المنظمة من حيث المبدأ، بل قال إن لديها إمكانات كبيرة، لكنه هاجم ما وصفه بتأثير البيروقراطية العالمية والأجندات التي لا يوافق عليها، كما أشاد بما اعتبره إصلاحات في المنظمة وخفضاً للإنفاق والموظفين.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: ترامب يستخدم منصة الأمم المتحدة لتوجيه انتقادات حادة إلى النظام متعدد الأطراف نفسه، وهو ما يعكس التوتر المستمر بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الحوكمة العالمية، فبينما ترى الأمم المتحدة أن مواجهة الأزمات الكبرى تحتاج إلى التعاون الدولي، يركز خطاب ترامب على قدرة الدولة الوطنية، وخاصة الولايات المتحدة، على حماية مصالحها بصورة مباشرة.

المحكمة الدولية

امتد هذا التصور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي هاجمها ترامب بشدة ودعا الدول الأعضاء فيها إلى الانسحاب منها، معتبراً أنها مؤسسة خارجة عن السيطرة ومعادية للولايات المتحدة.

وتكشف هذه النقطة عن خلاف أعمق حول حدود القانون الدولي والمؤسسات الدولية. فالمسألة لم تعد فقط خلافاً أمريكياً مع مؤسسة قضائية بعينها، وإنما ترتبط بالسؤال حول مدى قدرة المؤسسات الدولية على ممارسة سلطات مستقلة عندما تتعارض قراراتها أو اختصاصاتها مع رؤية القوى الكبرى لمصالحها وسيادتها الوطنية.

قوة تفاوضية

يمكن النظر إلى خطاب ترامب في مجمله باعتباره خطاباً يقوم على معادلة:  القوة أولاً ثم التفاوض، فهو يطرح العقوبات والضغط العسكري والعزلة الاقتصادية والردع باعتبارها وسائل لخلق الظروف التي تجعل الخصم أكثر استعداداً للتفاوض. وفي المقابل، يظل باب الاتفاق مفتوحاً عندما ترى واشنطن أن التسوية تخدم مصالحها.

لكن هذه المقاربة تطرح تحدياً أمام النظام الدولي، لأن زيادة الاعتماد على القوة قد تحقق نتائج تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها في الوقت ذاته يمكن أن ترفع تكلفة الأزمات وتزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد، خصوصاً عندما تتعدد ساحات الصراع من الشرق الأوسط إلى أوروبا ومن الطاقة إلى التكنولوجيا.

خريطة جديدة

الأهم في خطاب ترامب أنه لم يكن خطاباً عن أزمة واحدة، بل عن إعادة صياغة موقع الولايات المتحدة في العالم، إيران تمثل اختبار القوة العسكرية، وأوكرانيا اختبار الدبلوماسية، والطاقة أداة اقتصادية، والذكاء الاصطناعي ميدان المنافسة المستقبلية، وفنزويلا وكوبا اختباراً للنفوذ الأمريكي الإقليمي، والأمم المتحدة ساحة الخلاف حول مستقبل التعددية الدولية.

ومن ثم، فإن قراءة الخطاب لا ينبغي أن تتوقف عند العبارات الحادة التي تصدرت عناوين الأخبار، بل يجب النظر إليه باعتباره وثيقة سياسية تعكس تصوراً متكاملاً للعلاقات الدولية : أمريكا تريد أن تفاوض العالم من موقع القوة، لا أن تتفاوض معه على موقعها في النظام العالمي.

وفي المقابل، فإن السؤال الأكبر الذي يظل مفتوحا هو: هل تستطيع هذه الاستراتيجية إنتاج نظام دولي أكثر استقراراً، أم أن توسيع استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية سيقود إلى مزيد من الاستقطاب وتعدد مراكز القوة؟ الإجابة لن يحسمها الخطاب نفسه، وإنما ستحددها نتائج السياسات التي ستتبعه، خصوصاً في إيران وأوكرانيا وأسواق الطاقة، ومدى قدرة واشنطن على الجمع بين القوة والتفاوض دون أن يتحول أحدهما إلى بديل كامل عن الآخر.

 

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.