مع بدء إعلان جوائز نوبل لعام 2026، عادت واحدة من أكثر الجوائز شهرة في العالم إلى واجهة المشهد الدولي. يعرف ملايين الناس أن الوصول إلى نوبل يمثل قمة الاعتراف العلمي والأدبي والإنساني، غير أن القليل منهم يعرف كيف يتم اختيار الفائزين، ومن يرشحهم، ومن يملك القرار النهائي، وما إذا كانت الجائزة سويدية في جوهرها أم أنها مؤسسة عالمية مستقلة عن الدول، وتصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية عندما نضع سجل نوبل التاريخي أمام التحولات الكبرى التي شهدها توزيع القوة العلمية في العالم خلال العقود الأخيرة.
حتى نهاية عام 2025، مُنحت جوائز نوبل، تخليدًا لذكرى ألفريد نوبل، 633 مرة لنحو 1026 شخصًا ومنظمة، ضمن ست فئات: الفيزياء، والكيمياء، والطب، والأدب، والسلام، والعلوم الاقتصادية. وقد بدأت الجوائز الخمس الأصلية عام 1901، وفقًا لوصية ألفريد نوبل، بينما أُضيفت جائزة العلوم الاقتصادية عام 1969 بمبادرة من البنك المركزي السويدي. وهذه نقطة مهمة؛ لأنها تعني أن ما يُسمى عادةً «جوائز نوبل» يضم تاريخيًا خمس جوائز أنشأها نوبل نفسه، وجائزة اقتصادية لاحقة تحمل اسمه ومرتبطة بذكراه.
مؤسسة دولية
نوبل ليست جائزة تصدرها الحكومة السويدية، وهذه من أكثر النقاط التي يُساء فهمها. فالمؤسسة التي تدير الأموال والقواعد العامة هي مؤسسة نوبل، أما عملية منح الجوائز فتتولاها مؤسسات علمية وثقافية محددة. تمنح الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جوائز الفيزياء والكيمياء والعلوم الاقتصادية، وتمنح جمعية نوبل في معهد كارولينسكا جائزة الطب، فيما تمنح الأكاديمية السويدية جائزة الأدب، وتتولى لجنة نوبل النرويجية جائزة السلام. ولذلك، فإن الجائزة سويدية المنشأ، ومؤسسات منح معظم فئاتها سويدية، لكنها ليست جائزة قومية تمنحها دولة السويد لمواطنيها.
وتفسر هذه البنية أيضًا سبب حمل الجائزة بُعدًا دوليًا واسعًا؛ فالوصية الأصلية لنوبل نصت صراحةً على عدم اعتبار الجنسية معيارًا للاختيار، وعلى أن يحصل الأكثر استحقاقًا على الجائزة، سواء أكان اسكندنافيًا أم غير ذلك. كما تستعين المؤسسات المانحة بلجان وخبراء من مجالات علمية مختلفة. وفي لجنة الفيزياء لعام 2026، مثلًا، تضم اللجنة خمسة أعضاء منتخبين من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، إلى جانب أعضاء مستعان بهم وخبراء متخصصين يساعدون في تقييم المرشحين.
من يرشح؟
هنا تبدأ المنطقة التي لا يعرفها معظم الجمهور. فالعالم أو الباحث لا يقدم طلبًا إلى نوبل للحصول على الجائزة، ولا يستطيع ترشيح نفسه، وإنما تقوم المؤسسات المانحة كل عام بدعوة آلاف الأشخاص المؤهلين للترشيح، ومن بينهم أعضاء أكاديميات علمية، وأساتذة جامعات، وعلماء، وحائزون سابقون على نوبل، وشخصيات أخرى تختلف وفقًا للفئة. وتسعى المؤسسات إلى توسيع قاعدة المدعوين جغرافيًا ومؤسسيًا بمرور الزمن، ثم تصل الترشيحات إلى لجان نوبل المختصة التي تبدأ عملية الفحص والتقييم.
واللافت هنا أن نوبل لا تعتمد على استفتاء عالمي، ولا على تصويت الجمهور، ولا على ترتيب كمي للجامعات أو الدول. ولا يوجد نظام نقاط منشور يقول إن العالم الذي لديه عدد معين من الأبحاث أو الاستشهادات يحصل على درجة محددة. فالمسار قائم على الترشيح المتخصص، ثم التقييم العلمي والاستعانة بالخبراء، ثم توصيات اللجان، ثم القرار النهائي للمؤسسة المانحة. ولهذا، فإن نوبل في جوهرها جائزة تقدير نوعي لعمل تعتبره المؤسسات المختصة ذا أهمية استثنائية، وليست مسابقة إحصائية لقياس حجم الإنتاج العلمي.
سرية الاختيار
هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات أهمية؛ فالجائزة تتمتع بدرجة عالية من الشفافية في قواعدها العامة، لكنها لا تتمتع بالشفافية نفسها في تفاصيل عملية الاختيار. فأسماء المرشحين والترشيحات نفسها لا يُكشف عنها لمدة 50 عامًا، كما أن النقاشات والآراء والتوصيات داخل اللجان لا تُنشر للعموم خلال عملية الاختيار. وتنص قواعد مؤسسة نوبل أيضًا على عدم وجود حق للاستئناف في قرارات الجوائز.
لذلك، فإن وصف نوبل بأنها شفافة بالكامل غير دقيق، كما أن وصفها بأنها جائزة سرية وموجَّهة لا تدعمه القواعد المنشورة وحدها. وتسمح الأدلة المتاحة بوصفها مؤسسة ذات شفافية إجرائية عالية؛ فالقواعد والجهات المانحة وآليات الترشيح معروفة، لكنها تعتمد في جوهر القرار على تقييمات خبراء ومداولات سرية لا يمكن للجمهور الاطلاع عليها لحظة اتخاذ القرار. وهذا يجعل الثقة في الجائزة مرتبطة بدرجة كبيرة بسمعة المؤسسات التي تديرها واستقلالها العلمي.
مفارقة الأرقام
عندما ننظر إلى التوزيع التاريخي للجوائز، تظهر الولايات المتحدة في الصدارة بفارق هائل. وتشير قواعد البيانات المبنية على قوائم نوبل إلى نحو 428 جائزة مرتبطة بالولايات المتحدة، مقابل 145 للمملكة المتحدة، و116 لألمانيا، و79 لفرنسا، و34 للسويد. مع ملاحظة مهمة جدًا: تمثل هذه الأرقام عدد الجوائز المرتبطة بالدول، وليس بالضرورة عدد الأشخاص الفريدين. كما أن تصنيف الدول نفسه قد يرتبط بمكان العمل أو الإقامة أو المؤسسة التي ينتمي إليها الفائز؛ ولذلك لا يمكن التعامل معه باعتباره تعبيرًا خالصًا عن جنسيات العلماء.
وهنا تظهر مشكلة منهجية جوهرية: لم تصبح الولايات المتحدة القوة الأولى في نوبل لأن كل هؤلاء العلماء وُلدوا أمريكيين؛ فقد استفادت الجامعات الأمريكية لعقود من قدرتها على جذب العلماء من مختلف أنحاء العالم. وإذا نظرنا إلى تاريخ نوبل بعد الحرب العالمية الثانية، فسنجد أن الولايات المتحدة رسخت هيمنتها العلمية بالتزامن مع توسع جامعاتها الكبرى، وارتفاع الإنفاق على البحث والتطوير، ونمو المختبرات الفيدرالية، وتدفق العلماء المهاجرين، وارتباط البحث العلمي بالقطاع الخاص والجيش والصناعة.
بمعنى آخر، فإن جزءًا كبيرًا من القوة الأمريكية في نوبل هو أيضًا قوة النظام العلمي الأمريكي في جذب العقول العالمية واحتضانها. وهذه نقطة تغيّر كثيرًا من قراءة جدول الدول؛ فالعلماء لا ينتجون داخل حدود جغرافية مغلقة، والجامعة التي يعمل فيها الباحث عند لحظة الجائزة قد تكون أهم في تفسير مكان الجائزة من جواز سفره.
السؤال الصيني
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة: أين الصين؟
إذا كان حجم البحث العلمي والابتكار هو المقياس، فإن الصين تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكبر القوى العلمية في العالم، حتى إنها باتت تتصدر بعض مؤشرات الإنتاج البحثي والابتكار بفارق واضح. وتُظهر بيانات مكتب الإحصاء الوطني الصيني أن الإنفاق على البحث والتطوير بلغ في عام 2025 نحو 3.926 تريليون يوان، أي ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي، مع ارتفاع الإنفاق على البحث الأساسي بنسبة 11.1% إلى 277.8 مليار يوان. كما بلغ عدد العاملين في البحث والتطوير ما يعادل نحو 7.95 مليون سنة عمل بدوام كامل، وهو رقم يضع الصين في موقع بالغ القوة من حيث قاعدة الموارد البشرية العلمية.
وفي مؤشر Nature Index للبحوث المنشورة في مجلات علمية مختارة عالية التأثير، جاءت الصين في المركز الأول عالميًا في الناتج البحثي لعام 2024، بحصة بلغت نحو 43,075، مقارنة بنحو 24,958 للولايات المتحدة. كما جاءت الصين في المركز الأول في العلوم الطبيعية بفارق كبير. ولا تعني هذه المؤشرات أن الصين تتفوق في كل مجال، أو أن جودة كل بحث صيني أعلى، لكنها تؤكد أن الفجوة بين حجم النشاط العلمي الصيني وحضور الصين التاريخي في نوبل كبيرة جدًا.
وتظهر الصورة نفسها في الابتكار الصناعي. ففي عام 2025، قدم المقيمون في الصين 73,718 طلب براءة اختراع دولية عبر نظام PCT التابع للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، مقابل 52,617 للولايات المتحدة، و47,922 لليابان، و25,016 لكوريا الجنوبية. كما حافظت شركة هواوي الصينية على صدارة الشركات في طلبات PCT للعام التاسع على التوالي، وهو مؤشر يعكس انتقال الصين من قاعدة صناعية ضخمة إلى قاعدة متقدمة في الابتكار التكنولوجي.
لماذا لا تتطابق؟
تكشف الإجابة نقطة جوهرية في فهم نوبل: فالجائزة لا تقيس حجم الإنتاج العلمي الحالي، ولا عدد براءات الاختراع، ولا عدد الباحثين، ولا عدد الأبحاث المنشورة، ولا حجم الإنفاق على البحث والتطوير. ولذلك، يمكن لدولة أن تتصدر العالم في هذه المؤشرات وتبقى محدودة الحضور في نوبل، كما يمكن لدولة أخرى أن تمتلك عددًا كبيرًا من الجوائز بسبب تراكم تاريخي امتد أكثر من قرن.
ونوبل أيضًا جائزة ذات أفق زمني طويل؛ فقد يكون الاكتشاف الذي يحصل على الجائزة قد حدث قبل عقود، لأن المجتمع العلمي يحتاج إلى وقت حتى يتأكد من أهمية الاكتشاف وتأثيره واستمراريته. وهذا يعني أن نوبل تقيس، بدرجة كبيرة، تاريخ العلم الذي نضج وأثبت قيمته، وليس بالضرورة مركز القوة العلمية في السنة التي تُعلن فيها الجائزة. وهذه نقطة حاسمة عند مقارنة الصين بالولايات المتحدة أو أوروبا.
والصين نفسها مثال واضح على ذلك؛ فقد بنت جزءًا كبيرًا من صعودها العلمي خلال العقود الأخيرة، وبالتالي، فإن جزءًا من ثمار هذا الاستثمار لم يدخل بعد في الدورة الزمنية الطويلة التي تتحرك من خلالها نوبل. وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة وأوروبا مخزونًا تراكميًا من الجامعات والمختبرات والمدارس العلمية والشبكات الدولية يمتد عبر أجيال. ولذلك، فإن مقارنة الصين بالولايات المتحدة من حيث عدد جوائز نوبل تشبه مقارنة مصنع حديث عمره عشرون عامًا بمصنع تاريخي يعمل منذ أكثر من قرن، ثم استخدام عدد المنتجات التي حصلت على جوائز تاريخية للحكم على الطاقة الإنتاجية الحالية للمصنعين.
هل نوبل مسيَّسة؟
هذا هو السؤال الذي يثير الجدل الأكبر، والإجابة الجادة تحتاج إلى التمييز بين الفئات. ففي الفيزياء والكيمياء والطب، يصعب اختزال قرارات اللجان في العامل السياسي؛ لأن هناك مجتمعًا علميًا دوليًا يستطيع تقييم الاكتشافات ومقارنتها. كما أن عددًا كبيرًا من الجوائز ذهب إلى علماء ومؤسسات من دول مختلفة تمامًا في توجهاتها السياسية. وفي المقابل، فإن جائزة السلام، بطبيعتها، أكثر ارتباطًا بالقضايا السياسية وحقوق الإنسان والصراعات الدولية، بينما تحمل جائزة الأدب مساحة أكبر للتقدير الثقافي والفكري. ولذلك، تختلف احتمالات الجدل حول «التسييس» من فئة إلى أخرى.
كما أن وجود تحيز مؤسسي محتمل لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة أو تعليمات سياسية مباشرة؛ فالاختيارات البشرية يمكن أن تتأثر بالمدارس العلمية السائدة، وشبكات الجامعات، واللغة، وتاريخ المؤسسات، وتوزيع النفوذ الأكاديمي، وسهولة الوصول إلى الباحثين والأعمال العلمية. وهذه عوامل يمكن أن تنتج انحيازًا هيكليًا من دون وجود قرار سياسي مكتوب.
وهنا تصبح حالة الصين مهمة للغاية؛ فالمشكلة التي تواجهها الصين في نوبل قد لا تكون ببساطة أن «نوبل ضد الصين». فقد حصل علماء مرتبطون بالصين على جوائز نوبل، ومن بينهم تو يويو في الطب عام 2015، ومو يان في الأدب عام 2012. كما حصل علماء وُلدوا في الصين وقدموا أعمالهم لاحقًا في مؤسسات غربية على الجوائز، مثل لي تشنغ داو وتشِن نينغ يانغ. وهذا يوضح مرة أخرى أن مسار العلم العالمي لا يتطابق مع الحدود السياسية للدول.
نوبل ليست جدولًا دوريًا
المشكلة الأكبر في النقاش الشعبي هي تحويل نوبل إلى جدول ترتيب للدول، وهو استخدام لا تتوافق معه طبيعة الجائزة. فالولايات المتحدة تحتل موقعًا تاريخيًا استثنائيًا في نوبل، وهذا يعكس قوة علمية حقيقية لا يمكن إنكارها، لكنه يعكس أيضًا تراكم أكثر من قرن من الاستثمار في الجامعات والبحث والتطوير واستقطاب المواهب. كما أن تقدم الصين الهائل في البحث والتطوير والبراءات والإنتاج العلمي لا يمكن أن يكون موضع شك لمجرد أن عدد جوائز نوبل الصينية لا يقترب من حجم قوتها العلمية الحالية.
ولو أردنا قياس القوة العلمية المعاصرة لدولة ما، فالأدق أن نستخدم مجموعة من المؤشرات تشمل الإنفاق على البحث والتطوير، وعدد الباحثين، وجودة الأبحاث والاستشهادات، والبراءات الدولية، والجامعات ومراكز البحث، والقدرة على تحويل البحث إلى منتجات، وحجم التمويل الخاص والعام، ونوعية البنية التحتية العلمية. ثم نضع نوبل ضمن هذه الصورة باعتبارها مؤشرًا نوعيًا شديد القيمة، لا باعتبارها المؤشر الوحيد.
الجائزة والقوة
في النهاية، لا تحتاج نوبل إلى أن تكون مؤامرة حتى تكون قابلة للنقد، ولا تحتاج إلى أن تكون مقدسة حتى تكون جديرة بالاحترام. فقوتها الحقيقية تأتي من قدرتها على منح اعتراف عالمي لأعمال تعتبرها مؤسسات علمية وثقافية ذات مكانة تاريخية من أكثر الأعمال تأثيرًا. لكن هذا الاعتراف يمر عبر مؤسسات محددة، وشبكات ترشيح محددة، وتقييمات خبراء، ومداولات سرية، وتاريخ علمي تراكم في بيئات جغرافية ومؤسسية معينة.
ولذلك، فإن السؤال الصحيح بعد نوبل 2026 لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا حصلت دولة على عدد كبير من الجوائز، ولم تحصل دولة أخرى على العدد نفسه؟ بل إن السؤال الأكثر عمقًا هو: لماذا انتقلت مراكز القوة العلمية العالمية أسرع من انتقال خريطة نوبل؟ وهل تستطيع الصين خلال العقود المقبلة تحويل تفوقها الحالي في البحث والتطوير والبراءات والإنتاج العلمي إلى اكتشافات تأسيسية يعترف بها المجتمع العلمي العالمي بمرور الزمن؟ كما أن السؤال المقابل للولايات المتحدة وأوروبا هو ما إذا كان تفوقهما التاريخي في نوبل سيستمر عندما تتغير خريطة الاستثمار العلمي العالمي.
نوبل في جوهرها مرآة للعلم الذي نضج عبر الزمن، وليست صورة فورية للعلم الذي يتشكل اليوم. ولهذا، فإن الفارق بين خريطة نوبل وخريطة القوة العلمية الحديثة لا يمثل بالضرورة دليلًا على تسييس الجائزة، كما لا يمثل دليلًا على حياد مطلق؛ بل يكشف، قبل كل شيء، عن طبيعة مؤسسة تاريخية ذات قواعد محددة، وعن عالم علمي تغيرت موازين قوته بسرعة أكبر من قدرة الجوائز التاريخية على عكس هذا التحول. وربما يكون السؤال الأهم خلال السنوات المقبلة ليس: من يملك أكبر عدد من جوائز نوبل؟ وإنما: من يملك القدرة على إنتاج العلم الذي سيصبح، بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، منجزًا يستحيل على العالم تجاهله؟