En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

صمت ايران وضجيج أميركا:من يفرض كلمته فى الحرب محطات الوقود أم طائرات F:35؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

في الولايات المتحدة، بدأت الحرب مع ايران تنتقل من شاشات الأخبار إلى المكان الأكثر حساسية في الحياة اليومية للأميركيين، محطة الوقود، فاتورة النقل، أسعار الغذاء، وكلفة المعيشة، وهذه النقلة تحمل دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز ارتفاع سعر النفط نفسه، لأن المواطن الذي قد لا يهتم كثيرا بمسار العمليات العسكرية في الشرق الأوسط يجد نفسه مضطرا للتعامل مع نتائجها في كل مرة يملأ فيها خزان سيارته أو يدفع كلفة نقل السلع إلى منزله.

بلغ متوسط سعر الديزل الأميركي مستوى قياسيا تجاوز 6 دولارات للجالون، ووصل إلى نحو 6.53 دولارا في أحدث موجة ارتفاع، فيما تجاوزت أسعار البنزين أيضا مستويات مرتفعة، وقد ارتبط هذا الارتفاع باختناقات الإمداد والتكرير والنقل الناتجة عن الحرب مع ايران، إلى جانب الهجمات على منشآت الطاقة الروسية والاضطرابات في حركة الشحن، وتؤكد التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر النفط الخام وحده، فتكلفة الناقلات والتأمين ونقص طاقات التكرير، خصوصا الديزل، أصبحت جزءا رئيسيا من الصدمة السعرية العالمية .

وهنا تظهر المفارقة السياسية الكبرى، فالولايات المتحدة تدخل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر وسط اقتصاد لا يمكن وصفه بالمنهار، إذ نما الناتج المحلي الحقيقي بمعدل سنوي قدره 2.2% في الربع الثاني من عام 2026، وبلغت البطالة نحو 4.2%، وهي مستويات تعكس قدرة اقتصادية لا تزال قوية وفقا للمعايير التقليدية، لكن المواطن لا يقيس الاقتصاد بالناتج المحلي وحده، فقد ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، بينما استقر الدخل الشخصي الحقيقي المتاح للإنفاق دون نمو شهري، وبلغ معدل الادخار الشخصي 4.1%، وهو ما يعكس فجوة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتجربة الأسر اليومية .

الاقتصاد والانتخابات

الأرقام السياسية أكثر قسوة من الأرقام الاقتصادية، ففي استطلاع Reuters/Ipsos الأخير هبطت نسبة تأييد ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى في مسيرته السياسية، ولم تتجاوز نسبة المؤيدين لطريقة تعامله مع كلفة المعيشة 17%، فيما بلغت نسبة تأييد إدارته الاقتصادية 26% فقط، وقال نحو 65% من الأميركيين إن سياسات ترامب، بما فيها الرسوم الجمركية والحرب مع ايران، تسهم في استمرار التضخم .

والأهم أن قضية كلفة المعيشة أصبحت عاملا انتخابيا مركزيا، فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos في أغسطس أن 48% من الأميركيين اعتبروا كلفة المعيشة العامل الأهم في تحديد تصويتهم في انتخابات التجديد النصفي، بينما تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بثماني نقاط مئوية في الثقة بإدارة هذا الملف، كما أظهرت نتائج سبتمبر تقدما للديمقراطيين بسبع نقاط في التصويت العام المفترض للكونغرس، وهي مؤشرات تجعل ارتفاع أسعار الطاقة جزءا من المعادلة الانتخابية وليس مجرد مشكلة اقتصادية مؤقتة .

لهذا السبب يمكن فهم قلق الجمهوريين من الحرب بطريقة مختلفة، فالمشكلة ليست أن الحرب تخلق أزمة اقتصادية شاملة في الولايات المتحدة، لكنها تضرب نقطة سياسية شديدة الحساسية وهي الشعور بأن القوة الأميركية الخارجية أصبحت ذات كلفة مباشرة على الأسرة الأميركية، وكل ارتفاع في سعر الديزل ينتقل إلى الشاحنات والمزارع والمصانع وسلاسل الإمداد، ثم إلى الغذاء والسلع والخدمات، ومع اقتراب الانتخابات يصبح هذا الانتقال الاقتصادي انتقالا سياسيا أيضا.

صوت الداخل

هنا نصل إلى السؤال الأكثر عمقا، و الذي يتمحور حول قدرة الحرب والأمن القومي على تعطيل منطق الديمقراطية الأميركية؟

الإجابة تحتاج إلى التمييز بين مستويين، و هما مستوى القرار الاستراتيجي ومستوى القرار الانتخابي، فعندما يتعلق الأمر بالحرب والتهديدات الخارجية تمتلك الرئاسة الأميركية مساحة واسعة للتحرك السريع باعتبار الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد طورت الممارسة الدستورية الأميركية خلال العقود الماضية نطاقا واسعا من الصلاحيات التنفيذية في الشؤون العسكرية والخارجية، لكن هذا لا يعني أن الرئيس يستطيع تحويل الولايات المتحدة إلى دولة مركزية مطلقة في الحكم، فالدستور يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، وتمويل القوات، ووضع القواعد المنظمة لها، كما أن نظام فصل السلطات والمحاكم والولايات والانتخابات يضع حدودا مؤسسية حقيقية أمام تركيز السلطة في البيت الأبيض .

والأهم أن الخلاف حول صلاحيات الرئيس في الحرب قائم داخل النظام الدستوري نفسه، فالسلطة التنفيذية دافعت تاريخيا عن نطاق واسع لاستخدام القوة العسكرية دون تفويض مسبق من الكونغرس في حالات معينة، بينما يؤكد الكونغرس من خلال قانون صلاحيات الحرب أن استخدام القوات في الأعمال العدائية يجب أن يستند إلى إعلان حرب أو تفويض محدد أو حالة طوارئ ناتجة عن هجوم على الولايات المتحدة، ولذلك فإن قدرة الرئيس على التحرك عسكريا قد تكون واسعة، لكنها لا تلغي قدرة المؤسسات الأخرى على التأثير في التمويل والتشريع والمساءلة والمراجعة القضائية .

من هنا فإن الحديث عن انتقال الولايات المتحدة من دولة ديمقراطية إلى دولة مركزية بسبب الحرب يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، فقد تتوسع السلطة التنفيذية أثناء الأزمات، وقد يصبح القرار الأمني أكثر مركزية وسرعة، لكن ذلك لا يساوي بالضرورة تحولا في طبيعة النظام السياسي، و الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتعارض الأولويات الأمنية مع إرادة الكونغرس أو القضاء أو الناخبين، وعندها تظهر قدرة المؤسسات على إعادة توزيع القوة.

الوقود والطائرة

المقارنة تبدو ساخرة في ظاهرها لكنها دقيقة اقتصاديا وسياسيا، فالـ F-35 تمثل القدرة العسكرية الأميركية على فرض القوة خارج الحدود، بينما تمثل محطة الوقود قدرة المواطن على التأثير داخل النظام السياسي، الأولى تعبر عن القوة الصلبة، والثانية عن القيد الديمقراطي الذي يحدد إلى أي مدى يستطيع السياسي تحمل تكلفة استخدام تلك القوة.

لا تستطيع محطة الوقود إسقاط طائرة F-35، لكنها تستطيع التأثير في نتائج الانتخابات التي تحدد تركيبة الكونغرس، والكونغرس يستطيع التأثير في التمويل والتشريع والمساءلة، ولذلك فإن القوة العسكرية ليست منفصلة عن الاقتصاد السياسي الداخلي، وكل حرب طويلة تستهلك جزءا من القدرة السياسية على استمرارها، خصوصا عندما تنتقل كلفتها إلى المستهلكين.

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في الحالة الأميركية، فالولايات المتحدة ليست دولة تعتمد اقتصاديا على استيراد النفط بالمعنى التقليدي، لكن سوق الطاقة الأميركية جزء من سوق عالمية، ولذلك يمكن أن ترتفع الأسعار المحلية نتيجة اضطرابات خارجية حتى مع ارتفاع الإنتاج الأميركي، وقد كشفت الأزمة الحالية أن الاختناق في المنتجات المكررة والشحن والتأمين قد يكون أكثر تأثيرا من كمية النفط الخام المتاحة نفسها، وهذا يفسر لماذا وصلت أزمة الديزل إلى مستويات قياسية رغم أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة إنتاجية وطاقات نفطية ضخمة .

الصمت الإيراني

في الجانب الإيراني تبدو الصورة مختلفة تماما، وهنا تكمن إحدى أخطر المفارقات في المقارنة بين الداخل الأميركي والداخل الإيراني، فالأميركي يستطيع تحويل غضبه من ارتفاع أسعار الوقود إلى استطلاع رأي ثم إلى تصويت، بينما المواطن الإيراني يواجه قيودا سياسية وأمنية واقتصادية تجعل العلاقة بين الألم الاقتصادي والسلوك السياسي مختلفة جذريا.

الاقتصاد الإيراني يعيش تحت ضغط أشد بكثير، فصندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي الإيراني بنحو 5.4% في عام 2026، وارتفاع متوسط أسعار المستهلك اقتربت من 90% وفقا لتصريحات رسمية ايرانية، كما سجل الريال في السوق الحرة أكثر من 2.5 مليون ريال مقابل الدولار في نهاية سبتمبر، وهي مستويات تعكس عمق التدهور النقدي والاقتصادي .

والصمت الاجتماعي الإيراني لا يعني بالضرورة الرضا، فقد وثق البنك الدولي تراجع النشاط الاقتصادي الإيراني واحتجاجات وإضرابات سابقة وانقطاعات واسعة في الاتصالات، فيما تشير تقارير حديثة إلى أن استمرار الحرب أدى إلى تراجع مستويات المعيشة وفقدان وظائف وتآكل المدخرات، وفي مثل هذه الظروف يمكن أن ينتج الضغط الاقتصادي نوعا من الإرهاق الاجتماعي الذي يقلل قدرة الناس على الاحتجاج المنظم، خصوصا عندما تقترن الأزمة الاقتصادية بالرقابة والقمع والخوف .

وهذا يجعل المقارنة بين الداخلين الأميركي والإيراني شديدة الأهمية، ففي الولايات المتحدة قد تتحول أزمة الديزل إلى خسارة انتخابية، وفي ايران قد تتحول أزمة العملة والغذاء إلى صمت اجتماعي مؤقت أو إلى انفجار سياسي مؤجل، ولذلك لا يمكن قياس قدرة أي دولة على تحمل الحرب من خلال حجم الاحتجاجات وحده.

حسم المعركة

السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس أي الداخلين أكثر تضررا، وإنما أي نظام يستطيع تحويل الضرر الاقتصادي إلى قرار سياسي فعال، وهذه نقطة تمنح الولايات المتحدة ميزة مؤسسية مهمة، لأن المواطن الأميركي يستطيع التأثير عبر الانتخابات، والكونغرس يستطيع تعديل المسار، والقطاع الخاص يستطيع الضغط، والأسواق تستطيع إرسال إشاراتها، والإعلام يستطيع تحويل تكلفة الحرب إلى قضية سياسية يومية.

أما ايران فتملك قدرة أعلى على امتصاص الصدمة الاجتماعية في المدى القصير بسبب طبيعة النظام السياسي وأدوات السيطرة الداخلية، لكنها تواجه نقطة ضعف اقتصادية أكثر عمقا، فحين ينكمش الناتج وتقترب معدلات التضخم من مستويات شديدة الارتفاع وتتراجع قيمة العملة، تصبح قدرة الدولة على تمويل الحرب والمحافظة على مستويات المعيشة معا أكثر صعوبة، خصوصا مع تراجع عائدات النفط واضطراب طرق التجارة.

لهذا قد تكون المعركة في جوهرها معركة قدرة على التحمل، الولايات المتحدة تستطيع تحمل كلفة عسكرية ومالية هائلة، لكنها أقل قدرة على عزل المواطن عن تكلفة الحرب، وايران تستطيع عزل القرار السياسي عن المزاج الشعبي بدرجة أكبر، لكنها تواجه اقتصادا أكثر هشاشة أمام صدمة طويلة الأمد، وهذه المفارقة هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

الأمن والديمقراطية

ترامب يدرك على الأرجح أن بعض ملفات الأمن القومي الأميركي تتجاوز حدود الحزبين، وأن السياسة تجاه ايران والصين وروسيا وأمن الملاحة والطاقة لا تتغير بالكامل مع تغير الإدارة، وهذه نقطة تمنحه مساحة للمناورة السياسية، لكنها لا تعني أن الانتخابات أصبحت بلا أهمية، لأن الناخب لا يصوت فقط على مبدأ الحرب، وإنما يصوت على كلفتها وطريقة إدارتها ومدة استمرارها والنتائج التي حققتها.

ولهذا فإن تقليل ترامب من مخاطر انتخابات التجديد النصفي يمكن أن يحمل منطقا سياسيا، لكنه لا يلغي الخطر الانتخابي، فالتاريخ الأميركي يظهر أن الانتخابات النصفية كثيرا ما تتحول إلى استفتاء على الرئيس، وفي اللحظة الحالية تتقاطع ثلاثة ضغوط، ارتفاع كلفة المعيشة، الحرب مع ايران، وتراجع الثقة في الأداء الاقتصادي، وهي عوامل يمكن أن تجعل محطات الوقود جزءا من الحملة الانتخابية بنفس القدر الذي أصبحت فيه الطائرات الحربية جزءا من السياسة الخارجية.

وفي النهاية لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو ما إذا كان صوت محطة الوقود أعلى من صوت الـ F-35، لأن الدولة العظمى تستطيع استخدام الطائرة، لكنها لا تستطيع إلغاء أثر سعر الوقود على الناخب، والقوة العسكرية تمنح واشنطن قدرة على خوض الحرب، فيما تمنحها الديمقراطية آلية لمعرفة حدود القدرة السياسية على استمرارها، ومن هنا فإن المعركة الحقيقية قد لا تحسمها الضربة الجوية الأكثر دقة، ولا الصاروخ الأطول مدى، وإنما قدرة كل نظام على إدارة العلاقة بين الحرب والاقتصاد والمجتمع.

إذا استمر ارتفاع الطاقة واتسعت كلفة الحرب، وأصبح التضخم محسوسا في الغذاء والنقل والسكن، فقد يبدأ الداخل الأميركي في فرض قيود سياسية على القرار الخارجي، وفي المقابل إذا استمر تدهور العملة الإيرانية وتآكل الدخول وتراجع النشاط الاقتصادي، فقد يصبح الصمت الإيراني أقل استدامة مما يبدو، وبين هذين المسارين تظهر حقيقة استراتيجية عميقة، الحرب الحديثة لا تخاض في السماء والبحر فقط، وإنما تخاض أيضا داخل ميزانية الأسرة، وفي ثقة الناخب، وفي قدرة الدولة على إقناع مجتمعها بأن كلفة الحرب تتناسب مع أهدافها.

وفي هذه النقطة تحديدا، تصبح محطة الوقود جزءا من الأمن القومي الأميركي، كما يصبح سعر الخبز والدواء وسعر الدولار جزءا من الأمن السياسي الإيراني، وعندما تصل الحرب إلى هذه المرحلة، فإن السؤال عن من يملك السلاح الأقوى يتراجع أمام سؤال أكثر أهمية، من يملك المجتمع الأكثر قدرة على تحمل كلفة السلاح، ومن يملك المؤسسات الأكثر قدرة على تحويل هذا التحمل إلى قرار سياسي مستدام.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.